عام على التغيير.. سوريا إلى أين؟
نجحت الحكومة السورية في شرعنة نظامها السياسي خارجياً، لكن التحدي الأكبر يبقى في حشد المزيد من الشعبية على الصعيد الداخلي، باعتبار الداخل مصدر الشرعية وأساس النجاح.
-
مستقبل سوريا يعتمد على قدرة الحكومة الانتقالية في تحقيق الإصلاحات الضرورية.
مر عام على سقوط نظام الأسد ووصول الرئيس أحمد الشرع إلى سدة الحكم كرئيس للمرحلة الانتقالية في سوريا، والتي حددها الإعلان الدستوري بخمس سنوات.
لم يكن سقوط الأسد مجرد حدث عابر، بل مثّل نهاية لحقبة دموية تركت أثراً عميقاً على النسيج الاجتماعي السوري. تلك المرحلة حملت معها معاناة كبيرة تمثلت في الاعتقالات، والإخفاء القسري، والتدمير الممنهج للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
وعود كثيرة، وآمال اصطدم بعضها بحقيقة الواقع الصعب، وبخاصة ما يتعلق منها برغبة سوريا الجديدة بتصفير مشكلاتها مع دول الجوار ولا سيما "إسرائيل".
انفتاح عربي ودولي، وأشواط قطعت على طريق رفع العقوبات عن سوريا لتعود دولة طبيعية، يسعى أبناؤها إلى التركيز على الاقتصاد والتنمية باعتبارها أولوية لبلد دمّرته الحرب وشرّدت أبناءه.
توفر في المواد الغذائية والمشتقات النفطية، ودخول غير محدود للمنتجات والبضائع الأجنبية، من دون مراعاة لحماية المنتج الوطني غير القادر على المنافسة حتماً.
تحسن في الأوضاع المعيشية لعدد كبير من السكان نتيجة زيادة الرواتب التي بلغت 200%، مقابل فقدان عدد كبير من الأسر مصدر دخلها، نتيجة لتسريح العاملين في قطاعات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية وبشكل كامل.
تحديات داخلية تمثلت في تهديد وحدة سوريا، وسط دعوات نادت بانفصال الساحل والسويداء وشمال شرق سوريا، بعضها كان صريحاً وأخرى كانت تحت مسمّيات مثل الفيدرالية واللامركزية وغيرها.
كل ذلك يثير فينا العديد من التساؤلات حول مستقبل البلاد وما قد يحمله من تحوّلات على الصعيد الاقتصادي، السياسي، والاجتماعي. في هذا المقال، سنسلط الضوء على عدد من العوامل البارزة التي تلعب دورًا في تشكيل مستقبل سوريا.
على الصعيد السياسي..
لا يمكن الحديث عن تحوّلات سياسية كبرى في مرحلة الانتقال السياسي، كذلك فإن مرحلة التحوّل الديمقراطي مؤجلة إلى حين استكمال بناء الدولة، وخصوصاً تشكيل مجلس الشعب وإصلاح المؤسسة القضائية.
نجحت السلطة في تقليل الخسائر إلى الحدود الدنيا مع أركان النظام السابق، وكان ذلك تطبيقاً لشعار "نصر بلا ثأر" الذي أطلقه الرئيس الشرع، وعدم رغبة عناصر النظام في القتال لأسباب باتت معروفة، أهمها فقدان الثقة بذلك النظام وقياداته.
سعي الدولة لتحقيق "العدالة الانتقالية" أمر في غاية الأهمية، ويجمع عليه السوريون جميعاً، فلم نسمع صوتاً ينادي بعدم محاسبة من تلطخت يداه بدماء السوريين، بل جرى التأكيد أن تشمل المحاسبة جميع المتورطين ومن جميع الأطراف.
عفو الدولة عن بعض كبار المجرمين أثار حفيظة الجميع، وخلق حالة من عدم الثقة بتحقيق العدالة، والخشية من أن تطبق العدالة الانتقالية على الفقراء فقط، كما أثار تساؤلات قانونية حول من يحق له العفو عن مثل هؤلاء، ففي العدالة الانتقالية الجميع له حق إلا الدولة، بمعنى أنه لا يوجد حق عام، وبالتالي لا يمكن أن يصدر عفو عن مثل هؤلاء المجرمين.
سعي وزارة العدل إلى إطلاق محاكمات علنية أمر جيد، يعيد الثقة بالقضاء ويسمح للجميع بمتابعة مجريات تلك المحاكم، مع التأكيد أن الإسراع في ذلك المسار يقلل العمليات الانتقامية التي سمعنا عنها وبشكل كبير.
الإسراع في تشكيل مجلس الشعب أمر غاية في الأهمية، فأكثر ما تحتاج إليه البلاد هو "ثورة تشريعية" تواكب تطورات العصر، إذ إن أغلب القوانين المعمول بها اليوم عفا عليها الزمن، ومر أكثر من نصف قرن على صدورها.
إعادة تفعيل الحياة السياسية في سوريا، والسماح بترخيص الأحزاب السياسية أمر يجب أن لا يكون بعيداً، فوجود تلك الأحزاب يخلق مجالاً أمام المواطنين للتعبير عن آرائهم وتشذيبها والاستفادة منها.
تعزيز ثقافة الحوار وعقد مؤتمرات للحوار الوطني بهدف السماح للسوريين بالتعرف إلى بعضهم البعض، بعد سنوات من الحرب والهجرة، وسعي النظام السابق إلى "شيطنة المجتمع" وتطييفه.
نبذ خطاب العنف والكراهية وتجريمه، وصدور القوانين اللازمة لذلك وبشكل كبير، أمر من شأنه الحفاظ على حالة السلم الأهلي باعتبارها الحالة الطبيعية في سوريا.
المسار الأكثر أمانًا لبناء الدولة يمر عبر مصالحة وطنية طوعية، عدالة انتقالية قابلة للتنفيذ، وتفاوض سياسي عميق يطفئ بؤر الانقسام ويمنع إعادة إنتاج العنف، ويقلل منطق الاعتماد على الولاء بدلاً من الكفاءة.
التحوّلات الاجتماعية..
على الصعيد الاجتماعي، يواجه المجتمع السوري تحديات كثيرة تشمل إعادة تأهيل النازحين واللاجئين ودمجهم في المجتمع، فضلاً عن معالجة القضايا الاجتماعية الملحّة مثل التعليم والصحة. فالاهتمام بالتعليم يعدّ من الأولويات التي تسعى الحكومة لتحقيقها لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة. هذا يتطلب إصلاح النظام التعليمي وتحديث المناهج الدراسية تلبية لاحتياجات السوق.
البحث عن حلول إسعافية وسريعة لأجيال من الأطفال السوريين الذين حرموا حقهم في التعلم، والبحث عن طرق سريعة لتأهيل المدارس، إذ إن الكثير منها لا يتناسب مع الاحتياجات الصحية والتعليمية.
تعزيز الوحدة الوطنية لدى جميع مكوّنات الشعب السوري، وفي هذا الإطار، لا بدّ من الإشادة بالرسائل الإيجابية التي أطلقها الرئيس الشرع تجاه الكرد والعلويين، واستقباله ممثلين عن أبناء الطائفة العلوية والاستماع إلى مطالبهم والوعود بتلبيتها.
السعي لتطبيق اتفاق العاشر من آذار مع "قوات سوريا الديمقراطية" من شأنه تفويت الفرصة على أعداء سوريا، وتجنيب البلاد المزيد من الدماء التي لن تمحى آثارها بسهولة.
النظر في أوضاع سكان المخيمات يجب أن تعطى له الأولوية، خصوصاً أننا نعيش فصل الشتاء الذي يزيد من حجم معاناتهم ويخلق حالة من عدم الثقة لديهم.
وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى أن سوريا تمر بمرحلة دقيقة تتطلب تنفيذ إصلاحات شاملة على مختلف المستويات. تعزيز الوحدة الوطنية، تحقيق الاستقرار الداخلي، وضمان الشفافية في معالجة التحديات الاقتصادية والسياسية هي أولويات أساسية لبناء مستقبل أفضل للشعب السوري.
التحديات الاقتصادية...
التحدي الأساسي الذي تواجهه سوريا في الوقت الراهن لا يتمثل في الجوانب الاقتصادية أو إعادة الإعمار فحسب، بل يكمن في العقلية التي تدير شؤون الدولة في مرحلة ما بعد الحرب. فالعقلية التي ترى نفسها في موقع "المنتصر" غير قادرة على تأسيس وطن تحفل صفحاته بجراح متعددة وتنوّع واسع في مكوّناته. كذلك، فإن أي دولة مركزية تستند إلى مبدأ الهيمنة والسيطرة لا يمكنها تحقيق النجاح إلا من خلال تبني مصالحة وطنية شاملة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
لا يزال الاقتصاد السوري يواجه تحديات جسيمة بعد أعوام من الصراع والتراجع الاقتصادي. تُعد إعادة بناء البنية التحتية المتضررة وتعزيز القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة، إلى جانب تحقيق استقرار النقد، من أبرز الأولويات في هذه المرحلة. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، إلى جانب توفير التسهيلات اللازمة للشركات والمستثمرين.
وفي هذا الإطار، لا بدّ من الإشارة إلى أن رفع العقوبات عن سوريا سيكون هو البداية لتدفق الاستثمارات إليها، إذا ما استطاعت الحكومة خلق بيئة استثمارية مناسبة، بدءاً من تحقيق الاستقرار والأمان، وإيجاد حزمة تشريعية ضامنة لحقوق المستثمرين.
وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى صدور القانون 114 الخاص بالاستثمار، والذي يعدّ قانوناً عصرياً ومتقدماً، إذ منح إعفاء ضريبياً كاملاً لمن يستثمر في قطاعي الزراعة والصحة، وكذلك لمن يصدر 80% من إنتاجه. كما نص على منح "إقامة مستثمر"، لمدة عام كامل لمن يرغب بالاستثمار في سوريا.
كذلك نص القانون على إحداث محكمة الاستثمار والتجارة، والتي ستعمل على إيجاد أحكام عادلة وسريعة للقضايا المتعلقة بالاستثمار، وصولاً إلى تعزيز الثقة لدى المستثمر، بعد أن كان العديد من المستثمرين في الماضي قد خسروا ممتلكاتهم في سوريا بعد سيطرة الأجهزة الأمنية عليها، أو إجبارهم على بيعها بأسعار بخسة.
توجّه الولايات المتحدة لرفع ""قانون قيصر سيكون البداية لتعافي الاقتصاد السوري، وتدفق الاستثمارات الأجنبية، فسوريا "فرصة استثمارية"، وإعادة إعمارها سوف تكون أكبر عملية إعادة إعمار في التاريخ.
دخول شركات أميركية وبريطانية للاستثمار في مجالي النفط والغاز يشجع باقي الشركات ومن مختلف الجنسيات، ويعطي رسائل سياسية مفادها أن سوريا باتت بيئة آمنة للاستثمار، وأن الولايات المتحدة تشجع ذلك.
تطوير البنية المصرفية أمر لا بد منه، خصوصاً أن الواقع المصرفي في سوريا شبه متهالك، لدرجة أن المصارف اليوم عاجزة عن تأمين رواتب العاملين في الوقت المحدد.
العلاقات الخارجية...
تسعى سوريا لتعزيز علاقاتها الدولية واستعادة دورها الفاعل في المنطقة. وقد شهد العام الماضي تحسناً في العلاقات مع العديد من دول العالم، والتعاون الإقليمي في مجالات متعددة مثل الأمن والاقتصاد.
لم تعد سوريا كما كانت في الماضي "سوريا المزعجة" لجيرانها، وباتت سياسة المصلحة وحسن الجوار محدداً أساسياً للسياسة الخارجية السورية.
أكثر من خمسين زيارة خارجية قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال العام الماضي، عكست رغبة الحكومة السورية بالانفتاح على العالم وفتح صفحة جديدة مع دوله.
نجحت الحكومة السورية في شرعنة نظامها السياسي خارجياً، لكن التحدي الأكبر يبقى في حشد المزيد من الشعبية على الصعيد الداخلي، باعتبار الداخل مصدر الشرعية وأساس النجاح.
ويبقى التحدي الأكبر للحكومة السورية والمتمثل في مدى قدرتها على تحقيق التوازن في علاقاتها الدولية لضمان دعم المجتمع الدولي لجهود إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.
إن مستقبل سوريا يعتمد بشكل كبير على قدرة الحكومة الانتقالية في تحقيق الإصلاحات الضرورية في مختلف المجالات. التحديات كثيرة ومعقدة، لكن الطموح لتحقيق مستقبل أفضل لسوريا يدفع الحكومة والمجتمع إلى العمل معاً لتحقيق هذه الأهداف. الأمل يبقى في أن تتمكن الحكومة من قيادة البلاد نحو الاستقرار والازدهار.
رغم التحديات الكبيرة التي تواجه سوريا، فإن هناك تفاؤلاً حذراً بشأن مستقبل البلاد. ومن المتوقع أن تشهد السنوات المقبلة مزيداً من الاستقرار والتحسن في المجالات كافة، بشرط استمرار الجهود الإصلاحية والسياسات المتوازنة التي تعزز من مكانة سوريا على الصعيدين الإقليمي والدولي.