صدام العقول في غرب آسيا: رقعة الألعاب الجيوسياسية وسقوط وهم "الكش ملك"
**الحرب على إيران كشفت انتقال الصراع في غرب آسيا من منطق الحسم السريع إلى منطق الاستنزاف والتكيّف طويل الأمد.**
-
صدام العقول في غرب آسيا: رقعة الألعاب الجيوسياسية وسقوط وهم "الكش ملك"
عندما اندلعت الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية أخرى في منطقة اعتادت الحروب ولم تغادرها. كانت لحظة اختراق حقيقية لحُجُب الإدراك الاستراتيجي التي صنعتها عقود من الهيمنة الغربية. فما حدث في الميدان لم يكن مجرد فشل تكتيكي، بل كان اصطدامًا عنيفًا للعقول السياسية الاستراتيجية في العالم، تجلّى بين منطقين مختلفين: منطق "الكش ملك" الأميركي القائم على الحسم السريع، ومنطق "حياكة السجاد" الإيراني القائم على الصبر والاستنزاف. وفي خضم هذا الاصطدام، انكشفت حدود العقل الغربي في فهم منطقة لا تخضع لقوانين الشطرنج، بل لقوانين أكثر تعقيدًا.
تشريح العقول الاستراتيجية: الشطرنج والغو والسجاد والطاولة
لفهم المشهد الحالي، لا بد من تفكيك الأنماط الذهنية للقوى الفاعلة في غرب آسيا. فكل قوة تلعب لعبتها الخاصة، وتفكر ضمن أفقها الزمني الخاص، وتعرّف النصر بطريقتها الخاصة.
أولًا: الشطرنج الأميركي
الولايات المتحدة، بحكم ثقافتها الاستراتيجية، تلعب الشطرنج. والهدف في هذه اللعبة دائمًا واحد: إسقاط الملك، ولو استغرق ذلك عقدًا أو أكثر من الزمن. تنظر واشنطن إلى الصراعات على أنها معارك حاسمة يمكن الفوز فيها بضربة قاضية، وتؤمن بأن التفوق التكنولوجي والقوة الجوية والعقوبات الاقتصادية قادرة على إخضاع أي خصم خلال فترة زمنية قصيرة.
وقد ترجمت أميركا هذا المنطق عبر سلسلة من العمليات خلال العقدين الماضيين: تغيير القيادة في العراق (سقط الملك)، والإطاحة بالقذافي في ليبيا (سقط الملك)، ومحاولة تطويق فنزويلا وإسقاط نظامها، والضغط العسكري المباشر على إيران واغتيال السيد خامنئي بهدف تنفيذ حركة "كش ملك". لكن، في الحالة الإيرانية لم ينجح هذا الرهان حتى الآن، والمعطيات الحالية للحرب تؤكد بوادر هزيمة استراتيجية غير مسبوقة ستكون لها تداعياتها العالمية.
ثانيًا: الغو الصيني
في المقابل، تلعب الصين لعبة مختلفة تمامًا: لعبة "الغو" (وي تشي)، أي لعبة الإحاطة والتطويق. في هذه اللعبة لا يوجد ملك لإسقاطه، بل الهدف هو تحويل أكبر مساحة ممكنة من الرقعة إلى لونك. وبمجرد وضع الحجر في اللعبة لا يمكن تحريكه، لكن يمكن أسره إذا أحاط الخصم بجميع نقاط حريته.
الصين لم تبدأ حربًا واحدة، ولم تُطح بزعيم واحد خلال تاريخها الإمبراطوري المتصل منذ أكثر من خمسة آلاف عام. لكنها استثمرت 182 مليار دولار في أفريقيا، وبنت بنية تحتية في 150 دولة، ووسّعت نظامها المالي في 180 دولة، ومدّت نفوذها عبر مجموعة "بريكس". وبينما أنفقت الولايات المتحدة أكثر من ثمانية تريليونات دولار على العمليات العسكرية، استثمرت الصين 1.4تريليون دولار في مبادرة "الحزام والطريق". أنفقت واشنطن لتدمير دول، بينما استثمرت بيجين لبناء إمبراطورية من النفوذ والمساحات.
ثالثًا: حياكة السجاد الإيراني
أما إيران، فتتفوّق في لعبة مختلفة تمامًا: "حياكة السجاد". سلاحها الصبر بلا حدود، وتكتيكها الاستنزاف عبر الزمن، وهدفها تحويل المفاوضات إلى متاهة من الغرز والعُقد حتى تستنزف الخصم، وتكسب وقتًا ثمينًا لإعادة بناء قدراتها. وعندما لا يعود المجال متاحًا لحياكة السجاد التفاوضي المدعوم بالقوة، فإنها تنتقل إلى المواجهة الدفاعية بالعقل السياسي نفسه.
طهران لا تتحرك بـ"فلتان من العقال" كما يتخيل البعض، بل وفق نسق محسوب: هدوء، وتدرج بطيء، ونفس طويل. وهي تدرك أنها لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا، لذلك تعتمد استراتيجية إطالة أمد الصراع وتوسيعه إقليميًا لزيادة كلفته على واشنطن و"إسرائيل". تختار أهدافًا نوعية مؤلمة، وتتجنب المواجهة المباشرة كلما أمكن. إنها استراتيجية الاستنزاف بأدوات الحرب غير المتماثلة.
رابعًا: لعبة الطاولة التركية
أما تركيا، فتمارس لعبة أكثر تعقيدًا، تشبه لعبة الطاولة التي تتطلب توازنًا بين الحظ والمهارة، وبين الهجوم والدفاع. تتحرك أنقرة في مساحة رمادية بين الشرق والغرب، وتحافظ على علاقاتها مع روسيا والغرب في توازن جيوسياسي دقيق. فهي عضو في حلف "الناتو"، لكنها تشتري منظومات دفاع جوي من روسيا، وهي حليف للغرب، لكنها تنسق مع إيران وروسيا في سوريا.
تركيا لا تلعب لتحقيق "كش ملك"، ولا لتطويق الخصم بهدوء، بل للحفاظ على خياراتها مفتوحة، والاستفادة من تناقضات الآخرين.
عقيدة "الكش ملك" الأميركية وسراب الحسم السريع
الركيزة الأساسية للفلسفة الغربية في إدارة الأزمات تقوم على ثلاث دعائم: الردع، والتفوق التكنولوجي، والضغط الاقتصادي. لكن هذه الدعائم بدأت تتآكل بصورة متسارعة.
ففي لعبة الشطرنج، التي قد تمتد زمنًا طويلًا، يكون الهدف الهجوم المباشر، واستنزاف قطع الخصم حتى الوصول إلى الملك وإسقاطه وحسم اللعبة. وهذا بالضبط ما حاولته واشنطن في الحرب على إيران: تحديد العدو، والهجوم بسرعة، وإسقاط الرأس، ثم إعلان انتهاء اللعبة.
لكن إيران لم تكن خصمًا شطرنجيًا. لم تقف في مكانها لتُحاصر، ولم تنهَر عندما استُهدفت قيادتها. بل تحولت الضربات الجراحية إلى أداة للتكيف والتصعيد المضاد. أما العقوبات الاقتصادية، التي كان يُراد لها أن تُخضع طهران، فقد تحولت إلى حافز لتعزيز الاكتفاء الذاتي وتطوير القدرات غير المتماثلة. وأصبح الردع الأميركي، الذي كان يُفترض أن يمنع الحرب، جزءًا من معادلة جديدة لم يعد فيها الردع حكرًا على واشنطن.
وكان الاختراق الحقيقي حين أدركت إيران أنها تستطيع تحويل "الحرب الخاطفة" إلى "حرب استنزاف". ومع كل يوم يمر، تتبدد أسطورة الحسم السريع، وتتراجع القدرة الأميركية على إدارة التصعيد. فالميدان لا يكافئ التكنولوجيا وحدها، بل يكافئ الصبر، والجغرافيا، والإرادة.
التموضع الإقليمي الجديد: الخليج و"إسرائيل" بين الردع والتحوط
أولًا: تحوّل العقل الخليجي
شهدت دول الخليج تحوّلًا مؤقتًا ومرحليًا في عقيدتها الأمنية. فلم تعد تراهن على الحماية المطلقة من واشنطن، بل بدأت تتبنى استراتيجية "التحوط الجيواقتصادي" وتنويع التحالفات. ويعكس هذا التحوّل إدراكًا متزايدًا بأن الأمن لم يعد سلعة أميركية حصرية، ولو إلى حين.
وتدرك دول الخليج اليوم أن تنويع التحالفات يحمل بُعدين رئيسين: تعزيز القدرات الدفاعية والردعية عبر تبادل المعلومات الاستخبارية وإجراء المناورات المشتركة، والحفاظ على المرونة الدبلوماسية في بيئة تزداد تعقيدًا. والسعودية، على سبيل المثال، تتجه إلى تنويع مصادر تسليحها، مستفيدةً من أنظمة دفاعية من كوريا الجنوبية وروسيا والصين وتركيا، بما يتناسب مع حجم التحديات التي تواجهها.
ثانيًا: العقيدة الإسرائيلية أمام معضلة الفشل
أما "إسرائيل"، فتعيش أزمة وجودية في عقيدتها الأمنية. فالنظرية الأمنية الإسرائيلية، التي تأسست على مبادئ الردع، والإنذار المبكر، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، واستندت إلى نظرية "الجدار الحديدي" التي صاغها جابوتنسكي عام 1923، بدأت تتهاوى.
فالركيزة الثالثة في هذه النظرية، والمتمثلة في مبدأ الحسم السريع، تعرضت لانهيار واضح منذ أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها. كما أثبتت الحرب على إيران أن هذا المبدأ لم يعد صالحًا في مواجهة خصم غير متماثل يمتلك أوراقًا متعددة وقدرة كبيرة على الصمود.
وما يجعل الأزمة أكثر عمقًا أن "إسرائيل" تواجه اليوم ثلاثة تحديات مترابطة:
- انهيار الردع: ففكرة أن "إسرائيل" قادرة على ردع أعدائها بفضل تفوقها العسكري لم تعد قائمة. فقد أثبتت قوى المقاومة في غزة ولبنان واليمن قدرتها على توجيه ضربات مؤلمة، ولم تعد "إسرائيل" قادرة على منعها.
- فشل الحسم: إذ لم تحقق الحرب على إيران أهدافها المعلنة، وأظهرت أن القوة الجوية والضربات الاستباقية ليست كافية لإسقاط نظام سياسي أو إنهاء تهديد استراتيجي.
- تحول طبيعة الصراع: فلم تعد "إسرائيل" تواجه جيوشًا نظامية فحسب، بل فواعل حكومية وغير حكومية تمتلك قدرات غير متماثلة، وتعتمد على استراتيجيات الاستنزاف والبقاء.
سقوط وهم "الكش ملك": خلاصة المرحلة الأولى
ما كشفته الحرب حتى الآن هو أن لعبة الشطرنج التي تجيدها واشنطن و"تل أبيب" لا تعمل في منطقة غرب آسيا.
فإيران لا تلعب الشطرنج، بل تحيك سجادتها بخيوط الصبر. والصين لا تلعب الشطرنج، بل توسع مساحات نفوذها في لعبة الغو. وتركيا لا تلعب الشطرنج، بل تدير توازناتها على طاولة متعددة الأطراف.
أما دول الخليج، التي تقودها السعودية من حيث الثقل السياسي والاقتصادي، فلم تحسم خياراتها بصورة نهائية بعد، وإن كانت المؤشرات الحالية توحي بتراجع سياسة التحوط الاستراتيجي، والانخراط تدريجيًا في صراع لم تستطع الولايات المتحدة و"إسرائيل" حسمه. وقد تجلى ذلك في اليمن والعراق، حيث انتقلت الرياض من إدارة المنافسة غير المباشرة إلى مساحات أكثر احتكاكًا، بعد أن تخلت تدريجيًا عما كانت تعدّه لعبتها الخاصة، متجهة نحو صدام ذي أبعاد طائفية يهدد استقرار غرب آسيا بأكملها.
فالدرس الأكبر الذي كشفت عنه هذه المرحلة يتمثل في أن الاستراتيجية الغربية التقليدية، القائمة على الحسم السريع، والتفوق التكنولوجي، والضغط الاقتصادي، اصطدمت بالوقائع الميدانية الصلبة. فالميدان لا يكافئ من يمتلك أقوى الطائرات، بل من يمتلك أطول نفس، وأعلى قدرة على التكيّف، وأعمق فهم لطبيعة الصراع.
لقد أثبتت هذه الحرب أن الصراع لم يعد لعبة تنتهي بـ"كش ملك"، بل أصبح عملية مستمرة من الاستنزاف، وإعادة التموضع، وإعادة إنتاج موازين القوى، حيث لا يحقق أي طرف نصرًا حاسمًا، بل يسعى الجميع إلى التكيف مع واقع لا يشبه ما توقعوه قبل اندلاع المواجهة.
ويبقى السؤال الأكبر معلقًا:
ماذا يحدث عندما تدرك جميع هذه القوى أن "الكش ملك" مجرد وهم، وأن اللعبة الحقيقية هي لعبة البقاء في منطقة لا تعترف إلا بمن يمتلك أطول نفس، وأوسع قدرة على التكيّف مع تحولات الصراع؟