سوريا ومصالحة ما بعد الحرب: من طاولة التقسيم إلى حزام الأمن الإسلامي

دمشق تدرك أنّ استقرار سوريا مرتبط باستقرار محيطها الإقليمي. وأيّ حرب جديدة أو تصعيد في لبنان أو فلسطين سينعكس مباشرة على الداخل السوري الممزّق والهشّ، خاصة في ظلّ البنية العسكرية السورية الضعيفة.

0:00
  • دمشق بين الرهانين: انهيار إيران يعني انهيار سوريا.
    دمشق بين الرهانين: انهيار إيران يعني انهيار سوريا.

ما إن أطلقت الولايات المتحدة و"إسرائيل" حربهما على إيران، حتى ساد قلق عميق في دمشق. لم يكن القلق السوري نابعاً من موقف أيديولوجي من الحرب، بل من إدراك صارم أنّ سوريا، في حال انهيار إيران أو حتى تراجعها الاستراتيجي، ستكون أولى الضحايا على طريق مشروع "إسرائيل الكبرى" الممتدّ "من الفرات إلى النيل".

ومع تقدّم الحرب، وبدء ملامح المفاوضات التي وضعت الشروط الإيرانية في صدارة المشهد، بدأت تظهر مؤشّرات على تنسيق إقليمي غير مسبوق، تجلّى في تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع التي فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين دمشق وطهران وبيروت.

دمشق بين الرهانين: انهيار إيران يعني انهيار سوريا

في الأروقة السياسية السورية، كان التقدير السائد أنّ المعركة مع إيران ليست مجرّد حرب إقليمية عابرة، بل هي حرب وجودية بالمعنى الكامل للكلمة. فانهيار إيران كان سيعني أمرين لا ثالث لهما: الأول، انهيار النظام السياسي السوري الجديد الذي لم يستكمل بعد بناء مؤسساته؛ والثاني، انهيار سوريا تحت أقدام "الجيش" الإسرائيلي الذي كان سيجد الطريق مفتوحاً نحو تحقيق أهدافه التوسّعية.

هذا القلق الوجودي هو ما دفع دمشق إلى تبنّي موقف متوازن وحذر تجاه الحرب. فمن جهة، حرصت سوريا على عدم الانخراط المباشر في القتال، مؤكّدة أنها لا تنوي التدخّل عسكرياً في لبنان أو المشاركة في مواجهة حزب الله. ومن جهة أخرى، سعت إلى وضع نفسها في موقع وسيط يمكّنها من التأثير على مسار الأحداث، وهو ما تجلّى في تصريحات الرئيس الشرع الأخيرة.

الشرع يفتح باب المصالحة: "إذا كان الحوار يصبّ في مصلحة لبنان وسوريا، فلم لا؟"

في مقابلة تلفزيونية حديثة، قدّم الرئيس السوري أحمد الشرع رؤية جديدة للعلاقة مع لبنان وحزب الله، قال فيها: "إذا كان الحوار مع حزب الله يصبّ في مصلحة لبنان ويؤمّن مصالح سوريا، فلمَ لا؟". وأكد أنّ سوريا لديها "من الشجاعة ما يكفي لإعلان دخولها أيّ صراع أو حرب بشكل علني إذا ما قرّرت ذلك"، لكنّ الدور السوري في لبنان هو "دور إيجابي بحت"، يتحدّد وفق "المصالح المشتركة بين البلدين وبما يخدم استقرار لبنان وسوريا على حدّ سواء".

لم تأتِ هذه التصريحات من فراغ. فقد بدأت ملامحها بالظهور منذ لحظة انهيار النظام السابق، حيث التزمت المراكز الأربعة الرئيسية (دمشق، طهران، أنقرة، وبيروت - الضاحية) الصمت تجاه أيّ موقف سلبي من أيّ طرف، في مؤشّر واضح على وجود توافق غير معلن استعداداً للمواجهة الكبرى المقبلة. هذا التوافق تبلور بشكل أكبر خلال الحرب، حيث ارتقى التنسيق بين أنقرة وطهران إلى درجة تحالف غير معلن، تقوده وحدة المهدّدات الوجودية لكلا البلدين من المشروع التوسّعي الإسرائيلي.

تجلّى هذا التنسيق على الجانبين العسكري والأمني بضرورة منع انكسار المقاومة المعوّل عليها في جنوب لبنان لكسر الطموحات الإسرائيلية، الأمر الذي اقتضى دعمها وسدّ الثغرات الأمنية والعسكرية السابقة. وهذا الأمر لا يمكن أن ينجح من دون تعاون دمشق التي تُحكم سيطرتها على المعابر والحدود كمرحلة أولى، وبناء مقاومة في الجنوب السوري، تُسرّع من عملية تفكّك "إسرائيل".

واللافت في مقاربة الشرع أنه وصف انخراط حزب الله السابق في سوريا بأنه "تدخّل خاطئ"، لكنه في الوقت نفسه أبدى عدم ممانعته في الجلوس مع الحزب إلى طاولة الحوار. هذا الموقف يعكس رغبة دمشق في طيّ صفحة الماضي والانطلاق نحو المستقبل، استناداً إلى إدراك أنّ الخطر الحقيقي الوجودي لا يأتي من طهران أو أنقرة، بل من "تل أبيب".

الجغرافيا السياسية الجديدة: من خرائط التقسيم إلى حزام الأمن الإسلامي

مع اقتراب الحرب من نهايتها، ودخولها مرحلة المفاوضات وفقاً للشروط الإيرانية، يبدو أنّ منطقة غرب آسيا أمام تحوّلات جذرية في خرائطها الجيوسياسية. فالحدود التي رسمها الغرب بعد الحرب العالمية الأولى، والتي مزّقت المنطقة إلى دويلات متناحرة، أصبحت محلّ تساؤل. والمتغيّرات الجديدة تفرض إعادة النظر في كلّ المعادلات القديمة.

في هذا السياق، تأتي تصريحات وزير الدفاع وإسناد القوات الإيرانية المؤقت، مجيد ابن الرضا، الذي دعا إلى "توحيد الدول الإسلامية، وتشكيل حزام أمني إقليمي للعالم الإسلامي". هذه الرؤية، التي كانت في الماضي مجرّد حلم، تبدو اليوم أكثر واقعية في ظلّ الهزيمة الاستراتيجية للغرب و"إسرائيل"، وتنامي الوعي المشترك بأنّ الخطر الحقيقي هو المشروع التوسّعي الصهيوني.

هذا الحزام الأمني المقترح لا يعني بالضرورة وحدة سياسية كاملة، بل يعني تنسيقاً أمنياً وعسكرياً واستخباراتياً بين القوى الإقليمية الفاعلة (إيران، تركيا، مصر، سوريا، العراق، السعودية) كمرحلة أولى لمواجهة التهديدات المشتركة. وهو يتطلّب، كخطوة أولى، مصالحة تاريخية بين دمشق وطهران وبيروت، بمساندة من أنقرة وموسكو، وهي مصالحة بدأت ملامحها تظهر في تصريحات الشرع الأخيرة.

ماذا عن الداخل السوري؟

لكنّ السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى: ماذا عن الداخل السوري؟. فالسوريون، الذين عانوا من ويلات حرب دامت أكثر من عقد ونيف، والذين يشعرون بضغط الأوضاع المعيشية والأمنية والاجتماعية من كلّ الجوانب، يتساءلون: هل ستكون هذه المصالحة الإقليمية لصالحهم أم على حسابهم؟

دمشق تدرك أنّ استقرار سوريا مرتبط باستقرار محيطها الإقليمي. وأيّ حرب جديدة أو تصعيد في لبنان أو فلسطين سينعكس مباشرة على الداخل السوري الممزّق والهشّ، خاصة في ظلّ البنية العسكرية السورية الضعيفة التي لا تزال في مرحلة إعادة البناء.

لذلك، فإنّ أيّ مشروع وطني وإقليمي جديد يقتضي وضع الداخل السوري في صميم الاهتمام، من خلال إعادة الإعمار، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، والسياسية وبناء مؤسسات الدولة، وإدارة التنوّع السوري وضمان عدم تحوّل سوريا مجدّداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

الخلاصة: سوريا على أعتاب مرحلة جديدة

ما تشهده سوريا اليوم من تحوّلات في علاقاتها الإقليمية، ومن انفتاح على حوار مع أطراف كانت في الماضي خصوماً، يعكس إدراكاً عميقاً بأنّ المنطقة تتجه نحو نظام جديد لا مكان فيه للصراعات الداخلية التي تستنزف الجميع. كما يعكس إدراكاً بأنّ الخطر الحقيقي ليس في طهران أو أنقرة، بل في مشروع توسّعي يرسم خرائط جديدة على حساب سيادة الدول.

في هذا السياق، تأتي تصريحات الرئيس الشرع كخطوة جريئة نحو طيّ صفحة الماضي، وفتح صفحة جديدة تقوم على المصالح المشتركة والوعي المشترك بالخطر الوجودي. لكنّ نجاح هذه الخطوة مرهون بقدرة دمشق على تحقيق توازن دقيق بين متطلّبات التحالفات الإقليمية الجديدة، واحتياجات الداخل السوري المنهك.

أسئلة مفتوحة في زمن الغموض

في ظلّ هذه التحوّلات المتسارعة، تبقى الأسئلة الآتية مفتوحة على كلّ الاحتمالات:

· هل ستنجح المصالحة السورية-الإيرانية-اللبنانية في تجاوز جروح الماضي، أم أنّ الخلافات التاريخية ستظلّ عائقاً أمام أيّ تعاون مستقبلي؟

· كيف سيكون شكل "حزام الأمن الإسلامي" المقترح؟ وهل سيكون أداة للاستقرار الإقليمي أم سيصبح غطاءً لتوسّع نفوذ قوى إقليمية على حساب أخرى؟

· هل تستطيع سوريا، ببنيتها العسكرية الضعيفة واقتصادها المنهار، أن تؤدّي دوراً فاعلاً في الترتيبات الإقليمية الجديدة، أم ستظلّ رهينة للقوى الكبرى؟

· كيف سينعكس هذا التحوّل الإقليمي على الداخل السوري؟ هل سيجلب الاستقرار والإعمار أم سيؤدّي إلى مزيد من التعقيدات والصراعات الداخلية؟

· والسؤال الأهمّ: هل تدرك القوى الإقليمية أنّ مستقبل غرب آسيا لا يمكن بناؤه على حساب شعوبه، وأنّ الاستقرار الحقيقي يبدأ من الداخل أولاً؟

الأيام والأسابيع المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لكنّ المؤكّد أنّ سوريا، بعد كلّ ما مرّت به من حروب ودمار، تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة. مرحلة قد تكون فيها، للمرة الأولى منذ عقود، جزءاً من الحلّ الإقليمي لا جزءاً من المشكلة. وهذا هو جوهر الرهان السوري في المرحلة المقبلة.