سوريا الجديدة: إدماج قسد في الدولة وحل المسألة العلوية

هل تبدو المسألة العلوية في طريقها إلى الحل عبر "الاندماج السياسي والأمني" تحت المظلة الروسية الحارس الفعلي لمصالحهم وأمنهم في المدى المنظور ؟

  • هل تبدو المسألة العلوية في طريقها إلى الحل عبر
    هل تبدو المسألة العلوية في طريقها إلى الحل عبر "الاندماج السياسي والأمني"؟

دعمت الولايات المتحدة اتفاقيات الإندماج بين الحكومة السورية وقوات قسد،  في اتفاق الـ10 من آذار/مارس 2025"، والذي كان يهدف إلى دمج قسد في مؤسسات الدولة السورية وسحب قواتها من بعض مناطق حلب (مثل الشيخ مقصود والأشرفية).

سمح الموقف الأميركي لتنفيذ اتفاقيات الاندماج، بالضغط على قسد للانسحاب من أحياء حلب. اتبعت الولايات المتحدة نهج التوازن بين حليفتها في الناتو تركيا وشريكتها في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية قوات سوريا الديمقراطية، حيث دعا المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، جميع الأطراف مرارًا إلى وقف الأعمال العدائية وممارسة أقصى درجات ضبط النفس في حلب.

الولايات المتحدة رفعت غطاء الدعم عن قسد في غرب الفرات، ما أجبر القوات الكردية على الانسحاب من بعض الأحياء بعد مواجهات مع القوات الحكومية والفصائل المدعومة من تركيا.

وصف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أحداث حلب الأخيرة بأنها "فرصة تاريخية" لتنفيذ اتفاق الاندماج وحماية الأمن القومي التركي، ورحب وزير الدفاع التركي يشار غولر بالعملية التي ينفذها الجيش السوري ضد قوات قسد في حلب، مؤكداً أن أنقرة تدعم معركة الحكومة السورية ضد "المنظمات الإرهابية".

لم تشارك تركيا عسكرياً بشكل مباشر في هذه العملية، لكنها دعمتها سياسياً كجزء من سعيها لإنهاء وجود قسد على حدودها، وأشارت إلى أن هذا يتوافق مع مبدأ "سوريا الموحدة" فهل نحن فعلاً أمام سوريا الموحدة؟

التوجه الدولي يقضي بدمج قسد في الجيش العربي السوري كمخرج للأزمة في حلب وشرق الفرات. هذا الاتفاق يهدف إلى تحويل قسد من ميليشيا مستقلة إلى "فرقة عسكرية" تابعة لوزارة الدفاع السورية.

تركيا والولايات المتحدة وروسيا جميعهم أرادوا إنهاء سيطرة قسد العسكرية المستقلة في حلب.

الانسحاب الإجباري إلى شرق الفرات 

اضطرت قسد بالفعل للانسحاب من أحياء حلب (الشيخ مقصود والأشرفية) مع أسلحتها الفردية والتوجه نحو مناطق سيطرتها في شرق الفرات.

اعتبرت الحكومة السورية وتركيا أن وجود قسد العسكري في حلب قد انتهى، وأن بقاءها هناك كان خرقاً للاتفاقات الأمنية، مما جعل الانسحاب أمراً "مفروضاً" وليس مجرد خيار على الرغم من تراجع قسد إلى معقلها في شرق الفرات، إلا أنها تجد نفسها مجبرة سياسياً على العودة لطاولة تنفيذ "اتفاق 10 مارس 2025" بسبب إصرار إدارة ترامب وروسيا على أن هذا الاتفاق هو "خارطة الطريق" الوحيدة لمنع اندلاع حرب شاملة أو اجتياح تركي جديد لشرق الفرات.

لم تعد تملك قسد الموجودة في شرق الفرات بقوتها الأساسية، رفاهية المناورة في غرب الفرات هي الآن أمام خيارين أحلاهما مر: إما تنفيذ بنود اتفاق الـ10 من آذار/مارس التي تذيب هويتها العسكرية المستقلة في الجيش السوري، أو مواجهة ضغط عسكري مستمر من الحكومة السورية وتركيا قد ينقل المعارك إلى شرق الفرات نفسه. 

حلت القوات الحكومية والمؤسسات الرسمية والشرطة العسكرية الروسية محل القوات الكردية، ما يعني نهاية "الإدارة الذاتية" في مدينة حلب.

تكمن العقدة الحالية في رفض الحكومة السورية بقاء قسد كـ "كتلة عسكرية منفصلة"، بينما تصر قسد على الاحتفاظ بخصوصية قيادتها ومقاتليها. 

 التحول إلى "مكوّن سياسي"

يهدف "اتفاق الـ10 من آذار/مارس" إلى تحويل الهياكل الإدارية الحالية في شمال شرق سوريا إلى مجالس محلية تتبع إدارياً للحكومة المركزية في دمشق، مع تمثيل سياسي للكرد في المؤسسات الوطنية.

في حال استمرار تنفيذ الاتفاق، ستتحول قسد إلى شريك محلي أو مكون سياسي وعسكري منضوٍ تحت راية الدولة، مع بقاء سيطرتها الميدانية الحالية في شرق الفرات المهددة بالزوال التدريجي لمصلحة المؤسسات المركزية. مشروعها كقوة عسكرية مستقلة موازية للجيش السوري قد انتهى عملياً في حلب وسيجري تفكيكه في شرق الفرات عبر مسار "الاندماج الإجباري" الذي تفرضه التفاهمات الدولية. 

تتبنى إدارة ترامب سياسة تهدف إلى تحقيق "استقرار إقليمي" يتيح سحب القوات الأميركية؛ لذا فهي تدفع قسد نحو الإندماج مع الحكومة السورية كبديل للتحالف المستقل الذي كان قائماً.

بدأت واشنطن بإعادة حساباتها تجاه جدوى البقاء العسكري، وتستخدم "ورقة الانسحاب" للضغط على قسد لتقديم تنازلات سياسية لدمشق. لم يعد الحفاظ على "إدارة ذاتية" كردية أولوية أميركية مقارنة بضمان وحدة سوريا ومنع عودة داعش عبر بوابة الدولة السورية المعترف بها دولياً. 

 تركيا و "إسرائيل" والحكومة السورية

تركيا  لعبت دوراً محورياً في قيادة الحكومة السورية نحو تفاهمات إقليمية، بما في ذلك "مراقبة" مفاوضات بين دمشق و "إسرائيل" لضمان الهدوء على جبهة الجولان مقابل استقرار حكم الشرع.

تقاطع المصالح (تركي - إسرائيلي - سوري) يمنع وجود كيان مسلح غير نظامي في الشمال والشرق؛ فـ "إسرائيل" تريد سوريا ضعيفة ولكن "منضبطة" أمنياً، وتركيا تريد إنهاء مشروع قسد، والحكومة السورية تريد استعادة السيادة على الثروات. اتهمت أنقرة ودمشق "إسرائيل" أحياناً بمحاولة تشجيع قسد على المماطلة في الاندماج .

تحتفظ تركيا بنحو 10 آلاف جندي يتوزعون على عشرات القواعد العسكرية ونقاط المراقبة الممتدة من ريف حلب الشمالي وصولاً إلى إدلب وشرق الفرات.

تم تحويل مطار منغ العسكري بريف حلب إلى قاعدة جوية مشتركة بين الجيشين السوري والتركي، مجهزة بأنظمة دفاع جوي ورادارات مراقبة لحماية الأجواء السورية بعد تدمير معظم القدرات الجوية للنظام السابق. 

تجري مفاوضات متقدمة لتوقيع اتفاقية دفاع وأمن مشتركة بين أنقرة ودمشق، تشرعن الوجود التركي وتنسق جهود مكافحة الإرهاب. لم تعد تركيا تتعامل مع الشمال كمنطقة معزولة، بل تضغط لترسيخ مبدأ "دولة واحدة وجيش واحد"، وتؤكد أن قواتها ستبقى حتى يتحقق الاستقرار الكامل وتندمج جميع الفصائل في الجيش السوري النظامي.

تخطط تركيا لتوقيع اتفاقية للتنقيب عن الغاز مع سوريا خلال عام 2026، ما يعكس رغبتها في تحويل الوجود العسكري إلى نفوذ اقتصادي طويل الأمد.

بدأ العمل فعلياً بقرارات تسمح للسوريين المقيمين في تركيا بالتنقل عبر المعابر البرية الخاضعة للإشراف المشترك، ما يعيد تنشيط الحركة التجارية والبشرية تحت مظلة التنسيق الأمني. 

ضبط الشمال والفصائل المسلحة 

تُعد قضية تفكيك المجموعات غير المنضبطة الركن الأساسي في "خطة الاستقرار" التي تدعمها تركيا والولايات المتحدة لشرعنة حكومة أحمد الشرع دولياً تنفيذه فعلياً  عبر هيكلية القوى المسيطرة من العناصر التي تُصنف كـ "متطرفة" أو "أجنبية  حيث تقوم أجهزة الأمن السورية الجديدة، بتنسيق وثيق مع المخابرات التركية، بعمليات تمشيط واعتقال للعناصر الأجنبية (المهاجرين) الرافضين لإلقاء السلاح أو العودة إلى بلدانهم.

ويتم الضغط على "هيئة تحرير الشام" والفصائل الإسلامية لتفكيك أجنحتها "المتشددة" ودمج العناصر السورية المنضبطة فقط في المؤسسة العسكرية الرسمية، مع عزل وقتال من يرفض ذلك.

قتال داعش لن ينتهي، لكنه سيتم شرعنة وجود الجيش السوري الجديد وتبرير استمرار الدعم العسكري التركي والأميركي له وملاحقة خلايا داعش في البادية السورية وشرق الفرات، لملء الفراغ الذي قد يتركه انسحاب قوات قسد بعد دمجها.

تُعد السعودية والأردن من بين الدول النشطة في استعادة مواطنيها، مع استمرار المحادثات لتسهيل عودة المزيد بالتنسيق مع الحكومة السورية الجديدة وتركيا.

كما استعاد العراق آلافاً من مواطنيه المحتجزين في المخيمات السورية خلال عام 2025. بدأت دول مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا ببرامج استعادة لبعض مواطنيها لمحاكمتهم أو إعادة تأهيلهم، رغم وجود تحفظات أمنية وقانونية كبيرة. في المقابل، تظل دول مثل بريطانيا أكثر تحفظاً وتشدداً في هذا الملف. 

تضع الإدارة الأميركية الحالية استعادة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم الأصلية كأولوية قصوى لضمان عدم عودة ظهور التنظيمات الإرهابية وتسهيل الانسحاب الأميركي من المنطقة.

الساحل العلوي والدور التركي والروسي

لعبت تركيا دور "الضامن" للترتيبات الأمنية في الجنوب السوري لضمان عدم حدوث احتكاك عسكري يعرقل مسار استقرار الحكومة في دمشق. تلعب روسيا الدور الأساسي في حل المسألة العلوية" وهي الضامن الأكبر لهذا الملف، لضمان عدم تحول التغيير السياسي إلى "انتقام طائفي".

تحتفظ روسيا بوجود عسكري كثيف في الساحل السوري طرطوس وحميميم، وهي تقدم ضمانات أمنية مباشرة للطائفة العلوية بأنها لن تسمح بأي عمليات تهجير أو تصفية.

قادت موسكو مفاوضات "مؤتمر جبلة للسلام" في أواخر 2025، والذي أدى إلى اتفاق بين وجهاء الطائفة وحكومة أحمد الشرع، يضمن حقوق المواطنة والتمثيل السياسي مقابل الولاء للدولة الجديدة.

تم الاتفاق بغطاء روسي على دمج العناصرالتي كانت في الجيش السوري السابق  في الجيش السوري الجديد، ما يوفر مخرجاً لآلاف الشبان العلويين للعمل داخل الدولة، فيما تبنّت الحكومة الجديدة خطاباً "وطنياً جامعاً" يركز على أن الصراع كان مع "منظومة حكم" وليس مع "طائفة".

صدرت مراسيم عفو خاصة في كانون الثاني/يناير تهدف إلى طمأنة الموظفين والعسكريين في الساحل، مع التأكيد على المحاسبة الفردية فقط لمن ثبت تورطهم، فيما يعمل الروس على جذب استثمارات لإعادة تشغيل المرافئ والمصانع في اللاذقية وطرطوس لربط الطائفة بالمشروع الاقتصادي الجديد.

هل تبدو المسألة العلوية في طريقها إلى الحل عبر "الاندماج السياسي والأمني" تحت المظلة الروسية الحارس الفعلي لمصالحها وأمنها في المدى المنظور؟