سوريا الجديدة.. من لوائح الإرهاب إلى الترهيب الإسرائيلي

رفع العقوبات الأميركية عن سوريا وإلغاء تصنيف "هيئة تحرير الشام" إرهابية، بالتزامن مع تنازلات دمشق لـ"إسرائيل"وترتيبات أميركية–تركية لإعادة تشكيل المشهد السوري والإقليمي.

0:00
  • سوريا الجديدة.. من لوائح الإرهاب إلى الترهيب الإسرائيلي
    سوريا الجديدة.. من لوائح الإرهاب إلى الترهيب الإسرائيلي

بعد يوم من لقاء وزير الخارجية أسعد الشيباني مع رئيس "الموساد" الإسرائيلي رومان غوفمان في العاصمة الأردنية عمّان، وبحضور السفير الأميركي في أنقرة توم برّاك، والذي يتصرف وكأنه وزير مستعمرات جديد، رفعت وزارة الخزانة الأميركية اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب وألغت العقوبات المفروضة عليها، فيما ألغت وزارة الخارجية الأميركية اسم هيئة تحرير الشام، النصرة سابقاً، من لائحة المنظمات الإرهابية العالمية.

ومع التذكير بأن واشنطن كانت قد وضعت سوريا في قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979، ودون أن يكون لذلك علاقة بالثورة الإسلامية في إيران، إلا أن العداء الصهيو-أميركي لسوريا منذ ذلك التاريخ كان سببه دعم دمشق لكل المنظمات الفلسطينية وحزب الله وكل حركات التحرر العالمية التي تضامنت مع إيران الثورة، التي تحولت إلى حليف استراتيجي لسوريا بعد أن وقفت دمشق إلى جانب إيران في مواجهة العدوان العراقي عليها في عهد صدام حسين.

واكتسب القرار الأميركي هذا أهمية إضافية لتوقيته الزمني الذي جاء بعد المعلومات التي تحدثت عن تنازلات جديدة قدمتها دمشق لـ"تل أبيب" خلال مباحثات وزير الخارجية أسعد الشيباني مع رئيس "الموساد" رومان غوفمان خلال مباحثات عمّان.

وتوقعت المعلومات، بعد لقاء عمّان، أن ترضخ دمشق لكل المطالب والشروط الإسرائيلية فيما يتعلق بالقضايا العسكرية والأمنية، وأهمها الاستمرار في منع أي تحرك فلسطيني داخل سوريا، والتنسيق الاستخباراتي بين الطرفين ضد حزب الله وكل من يشكل خطراً على الأمن الإسرائيلي، بما في ذلك التهرب من أي تعاون عسكري جدي مع أنقرة قد يشكل خطراً على الكيان العبري.

وتحدثت المعلومات أيضاً عن ضوء أخضر تركي لمخرجات اجتماع عمّان، وذلك للتهرب من توتر جديد مع "تل أبيب" التي حذرت الوزير الشيباني من مغبة أي موقف سوري يزعج "تل أبيب"، وخاصة في المناطق الجنوبية لسوريا، حيث "الجيش" الإسرائيلي يسرح ويمرح في المنطقة دون أي تدخل من القوات السورية المتواجدة هناك. ولم تحرك بدورها ساكناً خلال جولة وزير "الأمن" الإسرائيلي كاتس (الثلاثاء) داخل الأراضي السورية، وهو ما فعله نتنياهو أيضاً.

التنازلات التي قدمها الشيباني، وبحضور ممثلين عن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، تعكس بوضوح الرضوخ السوري للتعليمات الإسرائيلية التي فرضها وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر خلال لقاءاته السابقة مع الشيباني في باريس. وكان ذلك كافياً لقبول الشيباني بالاجتماع مع رئيس "الموساد" رومان غوفمان، وليس وزير الخارجية جدعون ساعر، وهو ما يعني أن "تل أبيب" تتعامل مع سوريا من الناحية الأمنية فقط، ودون أن ترى فيها دولة تتعامل معها بالند للند.

وربما لهذا السبب خرج الشيخ حكمت الهجري، أحد كبار المراجع للدروز في سوريا، ليقول بعد يوم من لقاء عمّان: "إن الدروز جزء لا يتجزأ من "إسرائيل" التي أثبتت لنا أنها دولة مؤسسات ودولة علم وحضارة وتبني الإنسان بالطريقة الصحيحة، وعلى دول المنطقة أن تقتدي بهذا النموذج الإنساني في بناء الدول بالطريقة الصحيحة".

وفي جميع الحالات، وأياً كان فهم حكام دمشق الجدد للنموذج الإسرائيلي الذي دمر سوريا بكل بناها العسكرية والأمنية والسياسية مقابل أن تخرج من لائحة الدول الداعمة للإرهاب وإلغاء العقوبات، فقد أثبت اجتماع عمّان أن دمشق لا تملك أي إرادة مستقلة تقرر من خلالها مصير سوريا الجديدة. ويبدو واضحاً أنها باتت في مهب الرياح الإقليمية والدولية التي تهب من الشمال التركي والغرب الأقصى الأميركي والجوار الإسرائيلي الساخن.

وبعد أن نسي الجميع أن حكام دمشق الجدد كانوا في لوائح الإرهاب الأميركية والأوروبية والدولية، وأن الرئيس ترامب هو الذي وضع في نيسان 2018 مكافأة مالية بقيمة عشرة ملايين دولار لمن يدلي بأي معلومة بحق أبو محمد الجولاني، كما نسي الجميع أن كل من كان مع الجولاني، ومنهم الشيباني والسعودي عبد الله المحيسني (تم رفع اسمه هو الآخر من لائحة العقوبات الأميركية)، وكل القيادات العسكرية والاستخباراتية الحالية في دمشق، كانوا ملاحقين ومطلوبين في كل مكان بتهم الإرهاب والقتل والإجرام الذي كان منذ بداياته من منطلقات طائفية.

في الوقت الذي كانت فيه كل أجهزة المخابرات العالمية تدعم هؤلاء ومجموعاتهم الإرهابية المسلحة، مع دعم إسرائيلي مباشر لهم، كما هو الحال عندما تمت معالجة الآلاف من إرهابيي النصرة والفصائل الأخرى في المستشفيات الإسرائيلية عندما كانوا يصابون بجراح في اشتباكاتهم مع "الجيش" السوري.

ويتذكر الجميع أيضاً كيف قامت المروحيات الإسرائيلية بتهريب حوالي 800 من عناصر الخوذ البيضاء مع عائلاتهم من جنوب سوريا إلى "إسرائيل"، ثم الأردن، بعد أن كانوا محاصرين من قبل "الجيش" السوري.

وأخيراً، لم ينتبه أحد لقرار المحكمة التي حكمت بالسجن المؤبد بحق مفتي سوريا السابق أحمد حسون بتهمة التحريض الطائفي. ومع أن المفتي حسون كان الأكثر اعتدالاً في كل مقولاته فيما يتعلق بإرهاب العصابات المسلحة، يبدو أن المحكمة ومن أمر بتشكيلها قد نسوا أن تمرد المجموعات المسلحة الإرهابية قد انطلق بمقولات دينية وطائفية ضد "المسيحيين الكفار والعلويين والشيعة المرتدين"، وبعد أن حظيت هذه المقولات بدعم الكثير من الدول ومشايخها الذين أفتوا بفتاوى القتل والسبي والنهب بحق الشعبين السوري والعراقي.

وهو ما فعله الإرهابيون في "داعش" و"النصرة" والفصائل الأخرى وفق التصنيف الأميركي والدولي، والذين جاؤوا من كل حدب وصوب "للقتال دفاعاً عن الدين والطائفة". فكانوا جميعاً في خدمة عبدة الأديان الأخرى في "تل أبيب" وواشنطن ولندن وباريس وبرلين، ومن كان في خدمتهم من المسلمين المتواطئين الذين عبروا عن فرحتهم من إزالة اسم سوريا من لوائح الدول الداعمة للإرهاب.

ويبدو واضحاً أن هذا الإرهاب كان وما زال في خدمة أسياده الذين يريدون لسوريا الجديدة أن تكون في خدمتهم بالإرهاب أو بدونه.

وربما لهذا السبب فرض هؤلاء الأسياد على الشرع ومظلوم عبدي الاتفاق على صيغة ما تنهي المشكلة الكردية في سوريا بشقها العسكري، بعد دمج وحدات حماية الشعب الكردية داخل الأجهزة العسكرية والأمنية السورية وفق الصيغة التي اقترحتها واشنطن على الطرفين. كما اقترحت صيغة مماثلة على أنقرة وحزب العمال الكردستاني التركي بزعامة عبد الله أوج آلان.

إذ من المتوقع لمظلوم عبدي أن يُكلّف بمنصب مهم في دمشق، كما تبحث أنقرة عن صيغة ما يتم من خلالها إخلاء سبيل عبد الله أوج آلان الموجود في السجن منذ 27 عاماً، بعد أن أمر في مارس/آذار الماضي بوقف العمل المسلح ضد تركيا وحل حزب العمال الكردستاني.

ويتمنى الرئيس أردوغان للتطورات الأخيرة في سوريا أن تساعده لأن يكون صاحب القول النهائي فيما يتعلق بالقضية الكردية إقليمياً، كما هو يخطط للحصول على دعم الناخبين الكرد له أولاً لتغيير الدستور، ومن ثم لدعمه في الانتخابات القادمة والمتوقع لها أن تكون نهاية العام القادم بدلاً من موعدها الدستوري في حزيران/يونيو 2028، مع استمرار الدعم الأميركي المطلق للرئيس أردوغان، ليس فقط على صعيد السياسة الداخلية بل الخارجية أيضاً، ولما لتركيا من دور وثقل كبيرين في مجمل الحسابات الأميركية الإقليمية منها والدولية.