زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين.. تفتح آفاقاً جديدة للشراكة الاستراتيجية
زيارة الملك عبدالله الثاني الى الصين تأكيد لعمق العلاقات الاردنية الصينية، وتوسيع للتعاون في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والسياحة، وتعزيز للتبادل الثقافي والتنسيق حول قضايا المنطقة والتعاون الدولي.
-
زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين.. تفتح آفاقاً جديدة للشراكة الاستراتيجية
بصفته أول رئيس دولة عربي تستقبله الصين هذا العام، قام جلالة الملك الأردني عبدالله الثاني بن الحسين بزيارة دولة إلى الصين خلال الفترة من 18 إلى 24 أغسطس. وهذه هي الزيارة التاسعة له إلى الصين منذ اعتلائه العرش، وتأتي في مرحلة مهمة من مسيرة العلاقات بين البلدين، بعد مرور عشر سنوات على إقامة علاقات الشراكة الاستراتيجية الصينية الأردنية، وقبيل الذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. وتؤكد الزيارة عمق الثقة السياسية المتراكمة بين البلدين، كما تفتح آفاقاً جديدة للتعاون الصيني الأردني.
وفي 24 أغسطس، عقد الرئيس الصيني شي جين بينغ جلسة مباحثات مع جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في بكين. وتبادل الجانبان وجهات النظر بشكل معمق حول العلاقات الثنائية والتعاون العملي والأوضاع في الشرق الأوسط، وشهدا معاً توقيع عدد من وثائق التعاون في مجالات الدبلوماسية والاقتصاد والتجارة وسلاسل الصناعات والإمدادات والقضاء وغيرها.
من الثقة السياسية إلى التنسيق الاستراتيجي.. العلاقات الصينية الأردنية تتعمق باستمرار
تتمتع العلاقات الصينية الأردنية بأساس متين يمتد لنحو نصف قرن. ففي عام 1977، أقام البلدان العلاقات الدبلوماسية رسمياً، وفي عام 2015، أعلن الرئيس شي جين بينغ وجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين معاً إقامة علاقات الشراكة الاستراتيجية الصينية الأردنية، ليفتحا بذلك صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.
وخلال جلسة المباحثات، أشار الرئيس الصيني شي إلى أن الصين والأردن ظلتا، منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية، تتبادلان الاحترام، وتتعاملان على قدم المساواة، وتجريان تعاوناً قائماً على المنفعة المتبادلة، معتبراً ذلك تجسيداً حياً للتعاون والكسب المشترك والتواصل والاستفادة المتبادلة بين الدول المختلفة حجماً ونظاماً اجتماعياً. ويعكس هذا التقييم عمق الثقة السياسية التي تراكمت بين البلدين على مدى عقود.
وتتجلى هذه الثقة أيضاً في دعم كل جانب للمصالح والقضايا الجوهرية للجانب الآخر. فقد أكد شي دعم الصين للأردن في الحفاظ على سيادته الوطنية وأمنه ومصالحه التنموية، وأكد أهمية الدور الفريد والمهم الذي يضطلع به الأردن في المنطقة. من جانبه، جدد عبدالله الثاني التزام الأردن الثابت بسياسة الصين الواحدة، ودعمه للصين في الحفاظ على سيادتها الوطنية ووحدة أراضيها، وأشاد بالإنجازات التنموية التي حققتها الصين.
وعلى مدى العقود الماضية، تعززت الثقة السياسية بين البلدين باستمرار، وأثمرت عن سلسلة من النتائج في مجالات الاقتصاد والتجارة والطاقة والبنية التحتية والتعليم والثقافة وغيرها. واليوم، ومع التغيرات المتسارعة في الأوضاع الدولية والإقليمية، وتسارع مسيرة التحديث في الأردن، تواجه العلاقات الصينية الأردنية فرصاً جديدة للتطور. ومن ثم، فإن أهمية هذه الزيارة لا تكمن في مواصلة التعاون القائم فحسب، بل في استكشاف سبل تحويل الثقة السياسية المتراكمة إلى قوة دافعة جديدة للتعاون.
من التعاون التقليدي إلى المجالات الناشئة.. آفاق جديدة للتعاون الصيني الأردني
خلال جلسة المباحثات، دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ الجانبين إلى مواصلة تعميق المواءمة بين استراتيجياتهما التنموية، وتعزيز التعاون في المجالات التقليدية مثل الاقتصاد والتجارة والبنية التحتية والمواصلات والمعادن، إلى جانب خلق نقاط جديدة للتعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء وغيرها.
وقد انعكس هذا التوجه أيضاً في برنامج زيارة عبدالله الثاني للصين، حيث زار مدينتي شنغهاي وشنتشن، وهما من أبرز مراكز الابتكار والتطور الصناعي في الصين، واطلع بشكل معمق على الإنجازات الصينية في مجالات الابتكار التكنولوجي والتصنيع المتقدم والتطبيقات الرقمية.
وانطلاقاً من النتائج التي تحققت في التعاون القائم، يبحث الجانبان اليوم عن مساحات جديدة للنمو. ومع تغير احتياجات التنمية لدى البلدين، أصبحت مجالات مثل الابتكار التكنولوجي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء مجالات جديدة واعدة للتعاون. كما تعكس زيارة عبدالله الثاني واطلاعه ميدانياً على الابتكار والتطور الصناعي في الصين توجه الجانبين إلى توسيع التعاون ليشمل مجالات أوسع مثل التكنولوجيا والصناعة.
من التبادل الثقافي إلى التقارب بين الشعبين.. الروابط الإنسانية تعزز أسس الصداقة الصينية الأردنية
كما أرسلت هذه الزيارة إشارة واضحة إلى تعزيز التبادل الإنساني بين البلدين. فقد أكد الرئيس شي استعداد الجانب الصيني لتعميق التواصل مع الأردن بشكل شامل في مجالات التعليم والثقافة والعلوم والتكنولوجيا والسياحة، وتوسيع نطاق تبادل الأفراد، وتعزيز التقارب بين الشعبين.
وفي الواقع، يمتلك التبادل الإنساني بين الصين والأردن أساساً متيناً. ويضم الأردن حالياً معهدين كونفوشيوسيين، كما افتتحت الجامعة الأردنية برنامجاً جامعياً لتدريس اللغة الصينية في عام 2009، وتضم جامعة فيلادلفيا أيضاً قسماً للغة الصينية. وفي عام 2021، افتتح المركز الثقافي الصيني في عمّان، ليشكل منصة جديدة لتعزيز التبادل الثقافي بين البلدين.
ومن التعليم والثقافة إلى السياحة والتواصل بين الشعوب، تتسع أبعاد التبادل الإنساني الصيني الأردني باستمرار. وخلال الزيارة، اطلع عبدالله الثاني في شنغهاي على ممارسات توظيف التكنولوجيا الرقمية في تطوير قطاع السياحة، وأشار إلى أن الصين شريك عالمي مهم للأردن، وأنها من الأسواق الرئيسية المستهدفة للسياحة الوافدة والمغادرة. كما أكد الأردن أهمية التعاون مع الصين في مجال السياحة، ورغبته في تعزيز الربط الجوي بين البلدين وتشجيع تبادل الزيارات.
وبالنسبة إلى العلاقات الصينية الأردنية، فإن التواصل المتزايد والتفاهم المتعمق بين شعبي البلدين يشكلان أساساً مهماً لشراكة مستدامة.
من السلام الإقليمي إلى الحوكمة العالمية.. الصين والأردن يعززان التنسيق والتعاون
كما تبادل الزعيمان خلال المباحثات وجهات النظر حول الأوضاع في الشرق الأوسط. ويحتل الأردن موقعاً مهماً في المشهد الإقليمي المعقد، ويلعب دوراً مهماً وفريداً في القضية الفلسطينية ومسار السلام في المنطقة. وأكد الرئيس شي أهمية الدور الفريد والمهم الذي يضطلع به الأردن في المنطقة، مشدداً على ضرورة التمسك بالحل السياسي، ومبدأ ”حكم فلسطين من قبل الفلسطينيين“، والإنسانية، والعدل والإنصاف، من أجل الدفع نحو حل القضية الفلسطينية.
وأعرب عبدالله الثاني عن تقديره العالي للموقف الصيني العادل في شؤون الشرق الأوسط، وأكد حرص بلاده على مواصلة التواصل المكثف مع الصين وبذل جهود لتهدئة الأوضاع في المنطقة. كما أشاد بالمبادرات العالمية الأربع التي طرحها الرئيس شي جين بينغ، وأعرب عن تطلعه إلى اضطلاع الصين بدور أكثر أهمية على الساحة العالمية. ويعكس ذلك أيضاً تقدير الجانب الأردني للدور الدولي الذي تضطلع به الصين.
ومن السلام في الشرق الأوسط إلى الحوكمة العالمية، يشترك البلدان في مصالح واسعة في الحفاظ على التعددية وتعزيز السلام والتنمية. وباعتبار الأردن دولة مهمة في العالم العربي وعضواً في الجنوب العالمي، فإن تعزيز التنسيق الصيني الأردني في الشؤون الإقليمية والدولية لا يسهم في تعميق علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين فحسب، بل يفتح أيضاً مساحة جديدة أمام دول الجنوب العالمي لتعزيز التضامن والتعاون.
ومن الثقة السياسية إلى التعاون العملي، ومن التقارب بين الشعبين إلى التنسيق الاستراتيجي، تتجه العلاقات الصينية الأردنية نحو نمط أكثر تنوعاً وتكاملاً. ومع مواصلة الجانبين توسيع آفاق التعاون، من المتوقع أن تطلق هذه الصداقة التقليدية مزيداً من الإمكانات في ظل المرحلة الجديدة.