رؤية الصين لوقف إطلاق النار بين لبنان و"إسرائيل"
بعد الإعلان عن الهدنة بين لبنان و"إسرائيل"، رحّبت الصين بجميع الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال العدائية، وأملت في أن تُحلّ النزاعات بالطرق الدبلوماسية والسياسية وانخراط الأطراف المعنية في المفاوضات.
-
تبرز الصين كلاعب يحاول صياغة معادلة استقرار خاصة في المنطقة.
بعد أن تنفّس العالم الصعداء في إثر وقف إطلاق النار بين إيران من جهة وأميركا و"إسرائيل" من جهة أخرى، إفساحاً للمجال أمام المفاوضات، ثار الخلاف حول وقف العمليات العسكرية أيضاً بين المقاومة اللبنانية و"إسرائيل". ففي حين تربط طهران المسار اللبناني بالمسار الإيراني وبالمفاوضات مع واشنطن، تسعى أميركا و"إسرائيل" جاهدتين لفصل هذين المسارين.
لقد شكّل وقف إطلاق النار بين حزب الله والكيان الصهيوني عقبة كبرى أمام المفاوضات بين واشنطن وطهران اللتين أجرتا مفاوضات مباشرة في إسلام آباد استمرت أكثر من 20 ساعة لتعلن بعدها الإدارة الأميركية فشل المفاوضات.
وكان بند وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية من أبرز النقاط الخلافية إذ أصرّت أميركا و"إسرائيل" على فصل جبهة لبنان عن الهدنة التي أعلن عنها بين طهران وواشنطن، وإجراء مفاوضات مباشرة مع السلطات اللبنانية.
وبعد أسبوع تقريباً من إقرار الهدنة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن هدنة بين لبنان و"إسرائيل" لمدة عشرة أيام، ولاحقاً أعلنت إيران عن فتح مضيق هرمز أمام السفن التجارية طوال فترة الهدنة مع واشنطن، وذلك بعد وقف الأعمال القتالية في لبنان لتعود وتعلن إغلاق المضيق مجدّداً نتيجة استمرار الحصار البحري الأميركي عليها، والخروقات الإسرائيلية للهدنة بين "إسرائيل" ولبنان.
رحّبت العديد من دول العالم بوقف إطلاق النار بين لبنان و"إسرائيل"، ومن بينها الصين التي كانت تترقّب بحذر شديد ما ستؤول إليه المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ولا سيما أنّ بكين أدّت دوراً كبيراً في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات والقبول بهدنة أسبوعين لوقف إطلاق النار.
في ظلّ المشهد الجيوسياسي المتفجّر في الشرق الأوسط، تبرز الصين كلاعب يحاول صياغة معادلة استقرار خاصة في المنطقة. فلم يعد الموقف الصيني عن الاشتباكات بين حزب الله و"إسرائيل" مجرّد ردّ فعل دبلوماسي تقليدي، بل تحوّل إلى رؤية استراتيجية شاملة تربط أمن لبنان باستدامة الهدنة الكبرى بين واشنطن وطهران.
تدرك بكين أنّ استقرار الجبهة اللبنانية هو صمام الأمان لنجاح الهدنة الأميركية الإيرانية، إذ ترى أنّ وقف إطلاق النار هو وسيلة تخدم استقرار المنطقة، ولا سيما أنّ طهران أصرّت وبشكل قاطع على ربط الهدنة مع الولايات المتحدة بوقف القتال في لبنان، وبالتالي فإنّ هدوء الجبهة اللبنانية يعني تقليص احتمالات المواجهة بين واشنطن وطهران وهو ما يشكّل أولوية قصوى للدبلوماسية الصينية لتجنّب حرب إقليمية.
بعد الإعلان عن الهدنة بين لبنان و"إسرائيل"، رحّبت الصين بجميع الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال العدائية، وأملت في أن تُحلّ النزاعات بالطرق الدبلوماسية والسياسية وانخراط الأطراف المعنية في المفاوضات.
وبطبيعة الحال تفضّل الصين المفاوضات غير المباشرة بين لبنان و"إسرائيل" مراعاة للحساسيات السياسية التي قد تثير نزاعات داخلية في لبنان. كما تنظر بكين إلى حزب الله اللبناني ليس كقوة عسكرية فحسب، بل كجزء أصيل من النسيج السياسي والاجتماعي داخل لبنان الذي لا يمكن تجاوزه في أيّ تسوية مستدامة. وتعتبره حركة مقاومة تدافع عن أرضها، وهو ما عبّر عنه السفير الصيني السابق لدى لبنان، وو تشيشان، بوصفه الوجود الإسرائيلي احتلالاً للأراضي اللبنانية ومعتبراً الدفاع عن السيادة حقاً مشروعاً.
لذا، ترى الصين أنّ موافقة حزب الله شرط أساسي لإنجاح أيّ مفاوضات بين لبنان و"إسرائيل". وبغياب هذا المكوّن ستفشل كلّ محاولات التفاوض وقد تتفاقم التوترات مع "إسرائيل" وفي الداخل اللبناني.
تطالب الصين دوماً باحترام سيادة لبنان وأمنه ووحدة أراضيه وحماية المدنيين. وخلال التصعيد الأخير، قدّمت بكين مساعدات إنسانية طارئة للمدنيين. كما كثّف السفير الصيني لدى لبنان، تشن تشوان دونغ، لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين في سبيل تعزيز التعاون بين البلدين، فشملت مباحثاته قائد الجيش رودولف هيكل بهدف تعزيز التعاون بين جيشي البلدين، والتقى أيضاً المدير العامّ للأمن العام اللواء حسن شقير، إضافة إلى زيارة مراكز الإيواء وعقد لقاء مع ممثّلي منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظّمة الدولية للهجرة.
وبعد أن شنّت "إسرائيل" في يوم واحد غارات مكثّفة على مختلف مناطق لبنان والعاصمة بيروت أدّت إلى استشهاد مئات المدنيين، قالت المتحدّثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، إنه لا ينبغي انتهاك سيادة لبنان وأمنه ويجب ضمان سلامة أرواح المدنيين وممتلكاتهم، وحثّت الأطراف المعنية على ضبط النفس وتهدئة الوضع الاقليمي. وحذّرت الصين في مجلس الأمن الدولي من تحويل لبنان إلى غزة ثانية وطالبت "إسرائيل" بوقف فوري للعمليات العسكرية والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، وذلك في إعقاب الاجتماع الطارئ الذي عقده مجلس الأمن بعد سلسلة من الحوادث الدامية التي استهدفت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة المؤقتة العاملة في لبنان فضلاً عن استمرار تصاعد الأعمال العدائية على طول الحدود اللبنانية الفلسطينية.
تشدّد الصين على سيادة لبنان الكاملة على أراضيه ومياهه الإقليمية وفقاً للقرارات الدولية، وتؤمن بأنه لا يمكن تحقيق أمن منطقة على حساب أمن منطقة أخرى، وأنّ الاستقرار في لبنان مرتبط باستقرار المنطقة ككلّ، وبأنّ القوة لا تعالج جذور الصراع، بل تؤدّي إلى دوامات عنف مستمرة.
ترى الصين فيما يتعلّق بوقف العمليات العسكرية بين حزب الله و"إسرائيل" بأنها جزء من المفاوضات الأميركية الإيرانية، وأنه ليست لديها القدرة أو غير راغبة في الضغط على إيران من أجل فصل مسار لبنان عن مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وتؤمن بأنّ المفاوضات بين أميركا وإيران والتوافق بينهما سيفضي إلى تهدئة التوترات بين "إسرائيل" وحزب الله، وبأنه طالما بقيت هناك أرض تحتلها "إسرائيل" ستبقى التوترات تشتعل بين المقاومة اللبنانية و"إسرائيل" بين الحين والآخر، وأنّ القوة العسكرية لن تفضِ إلى أيّ نتيجة، بل أنّ المسارات الدبلوماسية والسياسية هي الحلّ الوحيد لمعالجة أيّ صراع.
تعكس الرؤية الصينية تجاه وقف إطلاق النار في لبنان إدراكاً عميقاً للترابط العضوي بين الملفات الإقليمية، فهي لا ترى في جبهة لبنان صراعاً معزولاً، بل ركيزة أساسية لاستدامة الهدنة الكبرى بين واشنطن وطهران. غير أنّ الضبابية التي تسيطر على مصير المفاوضات الإيرانية الأميركية، واستمرار "إسرائيل" بعملياتها العسكرية ضدّ المقاومة اللبنانية، وإقامة ما يسمّى بالخط الأصفر داخل لبنان والذي يضمّ المنطقة التي جرى احتلالها في الحرب الأخيرة وتشمل 55 قرية جنوبية، يزيد الأوضاع سوءاً ويزيد من التوترات في المنطقة. واستمرار إغلاق مضيق هرمز وملاحقة السفن التي تحاول دعم إيران من شأنه أن يلحق خسائر ببكين مما قد يدفع بها إلى الضغط على واشنطن لوقف الأعمال الاستفزازية التي تقوم بها.