حين تُختطف القضايا العادلة: الكرد في لعبة الإمبراطوريات

الجغرافيا الكردية تقع في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية: بين إيران وتركيا والعراق وسوريا. وأي تحرك عسكري داخل هذا الفضاء لن يبقى حدثًا محليًا، بل قد يتحول بسرعة إلى سلسلة من التفاعلات الإقليمية.

0:00
  • القضية الكردية هي قضية شعب يسعى إلى الاعتراف بوجوده وحقوقه الثقافية والسياسية.
    القضية الكردية هي قضية شعب يسعى إلى الاعتراف بوجوده وحقوقه الثقافية والسياسية.

القضايا العادلة لا تُهزم فقط بالقمع، بل حين تُختطف وتُستعمل في حروب الآخرين. والتقارير التي تحدثت عن تسليح جماعات كردية لإشعال انتفاضة داخل إيران تطرح سؤالًا خطيرًا: من يدفع بالقضية الكردية إلى لعبة الإمبراطوريات؟

ليست كل القضايا العادلة تُهزم بالقوة، فبعضها يُهزم حين تُختطف وتُلقى في لعبة الإمبراطوريات.

وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يهدد اليوم القضية الكردية، مع ما تداولته تقارير إعلامية غربية عن نقاشات تتعلق بتسليح جماعات كردية إيرانية بهدف إشعال انتفاضة داخل إيران.

المسألة هنا لا تتعلق فقط بتطور جديد في سياق الصراع بين واشنطن وطهران، بل بما هو أعمق من ذلك بكثير: المكانة الأخلاقية والسياسية للقضية الكردية نفسها داخل الوعي التاريخي لشعوب الشرق الأوسط.

فالقضية الكردية، في أصلها، ليست مشروع حرب ولا أداة صراع جيوسياسي، بل قضية شعب يسعى إلى الاعتراف بوجوده وحقوقه الثقافية والسياسية ضمن فضاء إقليمي مشترك. غير أن التاريخ الحديث للمنطقة يكشف حقيقة أكثر تعقيدًا: أن هذه القضية وجدت نفسها مرارًا في قلب لعبة القوى الكبرى، حيث تتحول مطالب الشعوب أحيانًا إلى أوراق ضغط في صراعات الإمبراطوريات.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

فالإمبراطوريات لا تدخل صراعات الشرق الأوسط بدافع الدفاع عن حقوق الشعوب، بل بدافع إدارة موازين القوى. وعندما تُستدعى قضية عادلة إلى هذا الميدان، فإنها تخاطر بفقدان جزء من معناها الأصلي، لأن التحرر لا يمكن أن يولد من رحم الهيمنة.

ومن هنا، فإن أي حديث عن تسليح جماعات كردية بهدف تحريك جبهة جديدة داخل إيران يضع القضية الكردية أمام اختبار سياسي وأخلاقي بالغ الحساسية. فمثل هذا السيناريو قد يمنح بعض المكاسب التكتيكية في لحظة صراع محتدم، لكنه يحمل في طياته خطرًا أكبر: تحويل القضية الكردية في نظر شعوب المنطقة إلى أداة في صراع دولي.

وما إن يحدث ذلك حتى يبدأ رأس المال الأخلاقي للقضية بالتآكل.

فالكرد، مثلهم مثل العرب والفرس والترك وسائر شعوب الشرق الأوسط، جزء من نسيج تاريخي واحد، وأي مسار يضعهم في موقع الأداة داخل صراعات القوى الكبرى لن يخلق فقط أزمة مع الدول، بل قد يفتح شرخًا عميقًا مع المجتمعات أيضًا.

هنا تحديدًا تبدو المفارقة واضحة مع الرؤية الفكرية التي طرحها القائد والمفكر الكردي عبد الله أوجلان.

ففي كتاباته حول الشرق الأوسط، شدد أوجلان مرارًا على أن أحد أخطر أمراض المنطقة هو الارتهان للقوى الخارجية، مؤكدًا أن القوى الإمبريالية لا تحل مشكلات الشعوب، بل تعيد إنتاجها في أشكال جديدة.

ولهذا، طرح مفهوم الأمة الديمقراطية بوصفه أفقًا بديلًا للصراعات التي مزقت الشرق الأوسط. فالأمة الديمقراطية، كما تصورها أوجلان، ليست مشروع دولة جديدة ولا خريطة حدود جديدة، بل صيغة تعايش بين شعوب المنطقة تقوم على الاعتراف المتبادل والتعددية الثقافية والسياسية.

بمعنى آخر:

القضية الكردية لا يمكن أن تنتصر إذا تحولت إلى امتداد لصراعات الإمبراطوريات.

فالجغرافيا الكردية تقع في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية: بين إيران وتركيا والعراق وسوريا. وأي تحرك عسكري داخل هذا الفضاء لن يبقى حدثًا محليًا، بل قد يتحول بسرعة إلى سلسلة من التفاعلات الإقليمية التي يصعب التحكم بمآلاتها.

والتاريخ القريب يقدم أمثلة كثيرة على الكيفية التي تتحول فيها المناطق الكردية إلى ساحات صراع بين القوى المختلفة، حيث تتداخل الحسابات الدولية مع التوترات الإقليمية لتنتج دوامات من العنف يدفع ثمنها المجتمع المحلي أولًا.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه اللحظة ليس سؤالًا عسكريًا، بل سؤالاً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد:

هل يُراد للكرد أن يكونوا جسرًا للتعايش بين شعوب المنطقة، أم ساحة لحروب الآخرين؟

إن الشرق الأوسط لم يعرف عبر تاريخه نقصًا في الجيوش والأساطيل والتحالفات العسكرية. ما عرفه دائمًا هو فائض من المشاريع الخارجية التي تعبره كالعواصف ثم تمضي.

لكن الشعوب التي تعيش فوق هذه الأرض لا تستطيع أن تعبر معها.

ولهذا، فإن القضية الكردية تقف اليوم، مثلها مثل كثير من قضايا المنطقة، أمام مفترق طريق واضح:

إما أن تتحوّل إلى ورقة في صراعات الإمبراطوريات، تُستدعى حين تشتد المعارك ثم تُطوى حين تنتهي الحاجة،

وإما أن تبقى وفية لروحها الأولى: قضية حقوق وعدالة داخل فضاء إقليمي يبحث عن صيغة جديدة للتعايش.

لقد كان عبد الله أوجلان واضحًا حين حذّر من وهم الخلاص عبر القوى الإمبريالية، مؤكدًا أن الشرق الأوسط لن يجد طريقه إلى الاستقرار إلا عبر بناء شبكة تعايش بين شعوبه، لا عبر تحويلها إلى أدوات في صراعات الخارج.

والسؤال الذي سيظل يلاحق هذه اللحظة التاريخية بسيط في صياغته… عميق في نتائجه:

هل سيبقى الكرد جزءًا من مشروع الأمة الديمقراطية القائم على التعايش بين شعوب المنطقة،

أم سيُدفعون مرة أخرى إلى الدور الذي أتقنته الإمبراطوريات عبر التاريخ:

دور الأداة في حرب لا يملك أصحابها قرارها ولا نهايتها؟

فالقضايا العادلة قد تتعثر... لكنها تفقد روحها حقًا حين تتحول إلى أوراق في لعبة الإمبراطوريات.