حصرُ السلاح حصرٌ للأزمة.. العراق يفك ارتباط الفصائل ويحجز مقعداً في نظام إقليمي جديد
العراق الذي استطاع في لحظات مصيرية أن يلتفّ حول قضاياه المشتركة، وأن يُفرز قيادات قادرة على الموازنة بين المتناقضات، ليس عاجزا عن إيجاد صيغة تجعل السلاح أداةً بيد الوطن لا عبئاً على مستقبله.
-
العراق يفك ارتباط الفصائل ويحجز مقعداً في نظام إقليمي جديد.
حين تصبح البندقية ورقة دبلوماسية وازنة في إعادة ترتيب البيت الداخلي والمسك بأزمّة القرار السيادي، تجد العراق يرفع شعار (السلاح لا يُباع)، إذ ثمة لحظات في تاريخ الدول تبدو فيها القرارات الكبرى وكأنها تُتخذ بيُسر وحسم، بينما خلف أبواب التسويات الكبرى تتصارع قوى وحسابات وتوازنات، تجعل كل إعلان رسمي واجهة لمشهد أعمق بكثير مما تُصوّره التصريحات؛ فقرار الحكومة العراقية -الذي هو طبخة الإطار التنسيقي- بتشكيل لجنة مركزية أمنية تُعنى بـ"حصر السلاح بيد الدولة" وما أعقبه من حديث عن فك ارتباط التشكيلات المسلحة بهيئة الحشد الشعبي؛ ينتمي بامتياز إلى هذا النوع من اللحظات.
فهو من جهة؛ خطوة يمكن قراءتها بوصفها ترجمة عملية لمبدأ دستوري راسخ، ومن جهة أخرى؛ هو رهان محسوب على المدى القصير في لعبة استراتيجية متشعبة الأطراف، تتقاطع فيها ضغوط واشنطن وحسابات طهران وتوازنات الداخل العراقي بتعقيداته الطائفية والسياسية والأمنية كلها.
من الأهمية بمكان ألا يُختزل هذا الملف في إطاره الإجرائي الشكلي الجاف، أي في مسألة من يُسلّم الأسلحة ومن لا يُسلّم، ومن ينضم إلى المنظومة الرسمية ومن يتمسك باستقلاليته الميدانية. فالجوهر الحقيقي لهذا الجدل يكمن في أسئلة أكثر عمقاً وأكثر حدة: ما طبيعة الدولة العراقية التي نريد بناءها؟ ما حدود السيادة الوطنية في ظل منظومة إقليمية ودولية تمارس ضغوطاً متواصلة وتعتمد سياسية (تحلب المقدرات)؟ هل يمكن لقرار بهذا الثقل أن يُتخذ بمعزل عن الضمانات الكفيلة بحمايته؟
الإجابة ضمناً تأتي من الحكومة العراقية التي لم تقدم على هذه الخطوة من فراغ، ولم تفعلها في لحظة هدوء واطمئنان؛ بل جاءت في سياق إقليمي استثنائي يتسم بإرهاصات التسويات الكبرى التي باتت تلوح في أفق المنطقة، التي تجعل كل دولة تُبادر إلى ترتيب أوراقها التفاوضية قبل أن يُغلق باب المفاوضة بين واشنطن وطهران.
فالضغط الأميركي المتصاعد في عهد الإدارة الحالية لترامب على ملف التسليح خارج إطار الدولة، لم يعد مجرد خطاب إعلامي، بل بات يتجلى في شكل عقوبات وإجراءات تطال أطرافاً بعينها وتُلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي العراقي بأسره حتى وصل إلى شبه الوصاية على النقد العراقي من عوائد النفط وتهديد الرواتب -وهي أخطر ملف يُسقط أية حكومة بساعة- وفي مثل هذا المناخ، يجد رئيس الوزراء السيد علي الزيدي نفسه أمام مهمة المشي على حافة استراتيجية دقيقة لإرضاء الضغط الخارجي بالقدر الكافي لتفادي الكلفة، مع الإبقاء على التوازنات الداخلية التي تجعل حكمه ممكناً واستمراره مستداماً، ولخلوّ السيرة الذاتية للسيد الزيدي من هكذا تكتيك سياسي ومناورة اقتصادية، فهذا يدل على أن الإطار يقف خلف هذا الملف، ويبدو أن رسائل إيرانية وأميركية غير معلنة تسير بهذا الاتجاه، لأن الاستقرار السياسي لبغداد بات ضرورةً مُلحة لطهران وواشنطن على حدّ سواء.
ولعلّ الأكثر دلالة في هذا السياق هو التوقيت. فبينما الإقليم المحيط بالعراق يعيش حالة قلق من مآلات العدوان الذي طال إيران وأنهك البنية الاستراتيجية للمنطقة العربية وجيرانها الإقليميين، يأتي قرار حصر السلاح- فك الارتباط ليحمل رسالتين متزامنتين: الأولى: رسالة إلى واشنطن مفادها: أن بغداد تتحرك باتجاه النظام وسيادة القانون، الثانية: رسالة إلى حلفاء إيران في الداخل مفادها: أن هذه العملية ستجري وفق شروط عراقية تكفل الحقوق وتصون الكيانات وتُبقي الباب مفتوحاً أمام صيغ التأقلم لا الإقصاء، لأن الفصائل ليست من لون ديني وقومي واحد.
ومن سذاجة الاعتقاد بأن مشهد الفصائل المسلحة في العراق يمثل كتلة متجانسة تتجاوب مع هذا القرار بصوت واحد وخطوة موحدة؛ إذ إن الواقع أكثر تعقيداً وتشعباً، وما نشهده اليوم من استجابات متفاوتة ليس عرضاً عابراً بل هو تعبير صادق عن طبيعة كل فصيل وحساباته وعمق ارتباطاته.
ثمة فصائل أعلنت قبولها لمبدأ فك الارتباط، ولم يكن هذا القبول نابعاً من قناعة أيديولوجية بالضرورة، بل من واقعية سياسية محضة خشية العقوبات الخارجية والتهميش الداخلي.
هذه الفصائل حققت حضوراً انتخابياً مؤثراً ورسّخت لنفسها موطئ قدم في المنظومة السياسية العراقية، لديها مقاعد نيابية ومناصب تنفيذية وعلاقات مؤسساتية تجعل الانخراط في الشرعية الرسمية أقل تكلفة من الصِدام مع الضغوط الأميركية.
علاوة على ذلك، فإن العقوبات الدولية المفروضة تُشكّل ضغطاً ملموساً يجعل "الانضمام الرسمي" مخرجاً مقبولاً لا يُفقدها شيئاً جوهرياً في معادلة النفوذ، وهذا يعني أن (السلاح ليس للبيع) ولن يُسلّم.
في المقابل، ثمة فصائل أخرى كـ "كـتائــب حــزبـ الـلـه" وحركة "النـجـبــاء" وبعض التشكيلات التي أُسست بعد طوفان الأقصى في الـ 7 من أكتوبر وظهرت إبان وحدة الساحات مع إيران، لن تجد في هذه المعادلة ما يُغريها بتسليم سلاحها.
فهي فصائل لا تملك الثقل الانتخابي الذي يجعل المؤسسات السياسية الرسمية بديلاً مُغرياً، وعقيدتها القتالية مبنية على نموذج المقاومة المفتوحة التي لا تقبل التدجين المؤسساتي. إذ إن غياب الضمانات الحقيقية التي تكفل سلامتها واستمرار دورها؛ يجعل خيار الاحتفاظ بالسلاح هو الأكثر منطقية في حسابها الاستراتيجي.
ولهذا فإن "الحل المؤقت" المُعلن لا يعني بالضرورة نزع السلاح بقدر ما يعني إعادة تموضع بعض الأطراف مع الإبقاء على ما تبقى منها في مشهد القوة المستقلة، وهو ما يُفرغ فكرة "الحصر الشامل" من مضمونها الفعلي.
ولا يمكن الحديث عن مشهد السلاح العراقي من دون التوقف أمام حالة التيار الصدري -التيار الوطني الشيعي- بوصفه النموذج الأكثر تعقيداً والأشد تشعباً. فزعيم التيار السيد مقتدى الصدر يمتلك قوتين متمايزتين في طبيعتهما وفي وظيفتهما "سرايا السلام" بوصفها الذراع العسكرية المنظمة التي تم تسليمها رمزياً وإعادة هيكلتها ضمن منظومة رسمية للحكومة، و"القاعدة الشعبية" بوصفها الطاقة البشرية الهائلة التي لا تُشكّل قوة عسكرية بمعناها الكلاسيكي لكنها قوة تعبئة وضغط ميداني لا نظير لها في الساحة العراقية.
إن قبول السيد الصدر فك ارتباط "السرايا" ودمجها في الإطار الرسمي للدولة، سيُبقي يده على ما هو أخطر وأعمق تأثيراً وهو القاعدة الشعبية التي تستطيع ملء الشوارع في لحظة وتُغيّر موازين الضغط السياسي بأساليب لا تدخل ضمن تعريف "الفصيل المسلح" التقليدي، وهذا ما يُزعج خصومه أكثر من أي منظومة عسكرية محددة المعالم، لأنها تُحرّك ولا يمكن تصنيفها، وتَضغط ولا يمكن محاسبتها. ومن هنا فإن السيد الصدر سيجلس مراقباً لمشهد "ما بعد فك الارتباط" وليس متضرراً، ومتسلحاً بورقة أقوى مما كان عليه من قبل.
أما العامل الإيراني فهو حتماً سيطابق قرار الحكومة العراقية لأن طهران مطلعة عليه قبل صدوره، ما جرى على طهران في المرحلة الأخيرة من حصار استراتيجي وضربات كبيرة في بنيتها الدفاعية لم يمر مرور الكرام على صانع القرار العراقي.
بل أسهم هذا المشهد في تعزيز قناعة لدى طيف من العراقيين مفادها؛ أن امتلاك قوة تعبئة شعبية حقيقية ليس ترفاً أيديولوجياً بل ضرورة استراتيجية. فالعراق بلد تتشظى فيه الجبهة الداخلية على مستويات متعددة، سياسياً واجتماعياً وعقدياً، وهشاشة منظومة الدولة في مواجهة صدمات خارجية مفاجئة، ما تزال ماثلة في الأذهان منذ أحداث داعش 2014 وأحداث تشرين 2019. ومن هذه الزاوية، فإن تسليم السلاح من دون ضمانات متينة قد يُقرأ عند بعض الفصائل بوصفه تخلياً عن بوليصة التأمين الأخيرة لا انضباطاً مؤسساتياً.
أما أميركياً: فالمبعوث الأميركي الجديد توم باراك لديه خطّ إيجابي مع القرار الداخلي في العراق، وسينقل صورة الداخل إلى ترامب بصورة تختلف عن أزمة التخوين التي طفحت على سطح شركاء البيت الواحد أثناء سباق تسمية رئيس الحكومة، والتاريخان القريب والبعيد علّما القوى العراقية أن التعامل مع واشنطن يستلزم قراءة الأفعال لا الأقوال، والمراهنة على الوقائع لا على الوعود. وهذه الحسابات تجعل الاستجابة لضغوط حصر السلاح أقرب إلى المناورة التكتيكية منها إلى القناعة الاستراتيجية.
وربما يكون أكثر ما يُلامس الحقيقة في قراءة هذا المشهد؛ هو التسليم بأن ما يجري ليس سوى حلّ مؤقت محكوم بإطار زمني وسياسي، إذ إن حصر السلاح أو فك الارتباط المُعلن لن يُحلّ إشكالية التعددية المسلحة في العراق جذرياً، بقدر ما سيُوفر للحكومة غطاءً لتجاوز مرحلة الضغط الاقتصادي الراهن، واستيعاب مطالب الإدارة الأميركية بما يكفي لتجنب الاحتكاك المباشر، وحجز مقعد عراقي في مفاوضات التسوية الإقليمية الكبرى التي تتشكل ملامحها في الأفق، وهي نتيجة طبيعية للاتفاق الأميركي- الإيراني الملغوم تحت الجمر.
وفي الوقت نفسه تحتاج الحكومة العراقية إلى هذا الهواء السياسي الجديد لمعالجة ملفات داخلية متراكمة، أصبح علاجها ضرورياً لا مؤجلاً مثل (أزمة الرواتب- أزمة الوقود والطاقة- الديون المتفاقمة- ملف الفساد الذي نخر المؤسسات حتى عظامها- تحديات التنمية التي لن تنطلق في ظل فوضى السلاح وتعدد مراكز القوى). وهذه زاوية أخرى تدل على أن "حصر السلاح" هو أداة لكسب الوقت لا لحسم المعادلة، وهو مقبول بهذه الصفة بقدر ما يخدم مصالح الجميع.
لكن خطورة هذا النهج تكمن في أنه إذا لم يُرافقه مشروع وطني عراقي خالص يحمل صفة الإجماع ويُجيب على سؤال "ماذا بعد؟"، فإن "الحل المؤقت" سيتحول إلى قنبلة موقوتة تُفجّر في لحظة ظُن أنها تجاوزت العاصفة، وبخاصة أن المرجعية الدينية العليا أكدت في مناسبات عديدة أن السلاح ينبغي أن يكون تحت سلطة الدولة، وهذا الغطاء الديني الرفيع يُوافر شرعية معنوية لا يُستهان بها، غير أن الشرعية وحدها لا تكفي حين تغيب الثقة بالدولة وقدرتها على الوفاء بتعهداتها، إذ إن المشكلة ليست مع الدولة إنما مع الإدارة الأميركية.
في نهاية المطاف أرى أن ملف السلاح لن يُحسم في العراق بقرار حكومي واحد أو بضغط خارجي مهما بلغت شدته، لأن مساره الطبيعي مرتبط بإجابة عملية لا نظرية عن أسئلة محورية للفرقاء السياسيين، وعلى رأسهم الإطار التنسيقي: هل يمكن للحكومة أن تُقنع الفصائل المسلحة بأن مصالحها أكثر أماناً داخل مؤسساتها من خارجها؟ وهل تمتلك الدولة الموارد والإرادة والقدرة التفاوضية التي تجعل هذا الإقناع ممكناً؟ وهل ثمة ضمانات حقيقية لا بيانات إعلامية، تكفل ألّا تتكرر تجارب قصف مقرات الحــشـد الـشـعـبي والإقصاء السياسي والتهميش الذي دفع بعض هذه التشكيلات أصلاً إلى أن تكون خارج منظومة الدولة؟
إنّ التاريخ العراقي بعد أحداث 2003 لا يُشجع على التفاؤل السريع، لكنه في المقابل لا يُسوّغ القنوط المطلق. فالعراق الذي استطاع في لحظات مصيرية أن يلتفّ حول قضاياه المشتركة، وأن يُفرز قيادات قادرة على الموازنة بين المتناقضات، ليس عاجزاً عن إيجاد صيغة تجعل السلاح أداةً بيد الوطن لا عبئاً على مستقبله.
لكن هذا الأمر من وجهة نظر الفصائل يستلزم شجاعة سياسية حقيقية من الجميع، وإدراكاً بأن الرهانات الصغيرة في لعبة التوازنات الدولية وبخاصة مع الولايات المتحدة التي لم تلتزم يوماً بعهد أو وعد، لن تُنتج غير نسخ مكررة من الأزمة نفسها، في كل مرة تتبدل فيها المصطلحات وتبقى المعضلة، على أمل أن يؤدي حصرُ السلاح الى حصر الأزمة.