حالة الاتحاد وحالة الانقسام

خالف الرئيس ترامب توقعات الأغلبية والتزم النص، بشكل شبه كامل، باستثناء الهجوم المباشر على النواب الديمقراطيين، وعلى مجتمع المهاجرين الصوماليين، كما التزم المحاور التي توقعها الجميع.

0:00
  •  لم يحمل الخطاب جديداً.
    لم يحمل الخطاب جديداً.

انتظر العالم بفارغ الصبر خطاب حالة الاتحاد الذي سيلقيه الرئيس ألأميركي دونالد ترامب، لما تحمله خطابات الرئيس الأميركي من مفاجآت للأميركيين والعالم.

أثناء الانتظار توقع معظم المحطات الإخبارية، أن إعلان الحرب على إيران سيكون جزءاً من مفاجآت الخطاب، إضافة إلى مفاجآت أخرى على صعيد الاقتصاد، سواء الداخلي أم الخارجي، فيما يتعلق بالتعرفات الجمركية، مع توقع أن يقدم الخطاب موقفاً أكثر ليونة تجاه قضية المهاجرين في ظل أرقام ونسب تشير إلى خسارة الرئيس وحزبه جزءاً مهما من الدعم القادم من خارج الحزب الجمهوري، إضافة إلى بعض خسائر محدودة داخل الحزب الجمهوري نفسه.

في ظل هذه السيناريوهات ساد توقع بأن ترامب لن يقرأ من النص المكتوب. على عكس كل ما سبق، رأى عدد قليل من السياسيين، ومعظمهم جمهوريون، أن الرئيس سيلتزم النص المكتوب، لقناعة راسخة لدى أعضاء مهمين في إدارته بأن أي تصريح غير مدروس سيؤثر على فرص الحزب في الاحتفاظ بأغلبيته البرلمانية في الانتخابات النصفية المقبلة.

خالف الرئيس ترامب توقعات الأغلبية والتزم النص، بشكل شبه كامل، باستثناء الهجوم المباشر على النواب الديمقراطيين، وعلى مجتمع المهاجرين الصوماليين، كما التزم المحاور التي توقعها الجميع وهي:

أولا- الحالة الاقتصادية: أظهرت إحصائية قامت بها قناة CNN أن 57% من الأميركيين يعتقدون أن الأولوية يجب أن تكون للوضع الاقتصادي وذلك في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة خاصة أسعار الأدوية والسكن. تحدث الخطاب مطولاً عن إنجازات ترامب شخصياً، لعل أبرزها حديثه عن سرقة النفط الفنزويلي، لكنه لم يقدم حلولاً حقيقية لأزمات الأميركيين، مجرد شعارات طنانة عن عظمة أميركا التي استعادتها في ظل إدارته، وأن هذه الإدارة ستفعل المزيد لتجعل أميركا أكثر عظمة والأميركيين أكثر سعادة. بعد انتهاء الخطاب قامت شبكة CNN  بعمل استفتاء على الأشخاص أنفسهم، فجاءت النسبة أن 51% من الجمهور يعتقد أن ترامب لا يمتلك خططاً حقيقية لتخفيض تكاليف المعيشة، أو تخفيض أسعار الأدوية، وأنهم أصيبوا بخيبة الأمل لإدراكهم أن الدولة "تتركهم وحيدين" في مواجهة الأزمة.

ثانيا- سياسة الهجرة: كما هو متوقع، ركز الرئيس ترامب على سياسة بلاده المتشددة تجاه الهجرة، ولم يتطرق إلى حادثتي قتل المواطنين الأميركيين جود رينيه وأليكس بريتي، بل أشاد بما تقوم به دائرة الهجرة من إجراءات تضمن إغلاق الحدود أمام المهاجرين و"حماية أميركا"، وفي مواجهة صرخات ولافتات الاحتجاج، هاجم ترامب مجتمع المهاجرين الصوماليين واتهمهم بأنهم قطاع طرق، يسرقون أموال الأميركيين، وهدد مجتمعات المهاجرين بمزيد من التشدد والتضييق في المعاملات الرسمية، مثل إصدار رخص السوق. وفي سياق رفع التحدي للديمقراطيين، طلب ترامب من الذين يؤمنون "أن المهمة الرئيسة للحكومة الأميركية هي حماية المواطنين الأميركيين، لا الغرباء غير الشرعيين".

بالطبع لم يقف النواب الديمقراطيون، فاستغل ترامب الموقف ووجه الكلام إليهم: "انظروا، هؤلاء المجانين يدمرون بلدنا، نحن محظوظون لأننا ما زلنا نمتلك دولة، لقد أنقذنا دولتنا في الرمق الأخير". استغرق موضوع الهجرة مساحة مهمة من الخطاب، كون سياسة الجمهوريين تجاه الهجرة تحظى بتأييد 54% من الجمهور، ويمكن القول إن تصريحات ترامب عن الهجرة والمهاجرين خلال حملته الانتخابية كانت أحد أهم أسباب فوزه بفترة رئاسية ثانية.

ثالثا- موضوع إيران: على عكس جميع التوقعات، مرّ الرئيس ترامب سريعاً على موضوع المفاوضات مع إيران، ولم يطلق تهديداته الحادة المعتادة، حتى ما توقعه البعض من وضع جدول زمني لإنهاء المفاوضات، وهي ممارسة مشهورة للسيد ترامب، لم تحدث. في حديث سريع أكد ترامب أنه يفضل الحل الدبلوماسي، لكنه لم يسمع من إيران حتى الآن تعهداً صريحاً بعدم نيتها تصنيع أسلحة نووية.

ويرى العديد من المحللين السياسيين والعسكريين أن ترامب الذي لم يحسم الموقف من الهجوم على إيران قريباً، إلا أن تجاهله لوجود فتوى من السيد على خامئني سنة 2003 بتحريم تصنيع الأسلحة النووية يعني أن احتمالات العدوان ما زالت قائمة. لكن الخطاب يشير بالتأكيد إلى حالة من القلق وعدم الثقة بقدرة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على حسم هذه المعركة بالسرعة والنتائج المطلوبة، خاصة في ظل تردد كبار العسكريين الأميركيين فيما يتعلق بسير المعارك ونتيجتها.

ويشير بعض المراقبين إلى أن دوائر عسكرية وأمنية أميركية تميل إلى تكرار سيناريو حرب الـ12 يوماً، بحيث تبدأ "إسرائيل" بتوجيه الضربة الأولى، وتصمد لبضعة أيام تتدخل بعدها الولايات المتحدة بقوة وكثافة أكبر. المشكلة التي يعاني منها الطرفان الأميركي والإسرائيلي تكمن في أن أي نتيجة لا تشمل سقوط نظام الحكم في طهران تعتبر هزيمة لهما، وأن جميع الدلائل تشير إلى أن هذا السقوط لن يحدث بسهولة، ويحتاج لحرب قد تمتد أشهراً، إن لم يكن سنوات.

رابعاً- حالة الاتحاد: في ظل غياب نصف الأعضاء الديمقراطيين، والهجوم المتبادل بين الطرفين الجمهوري والديمقراطي داخل المجلس، واضطرار الأمن إلى سحب أحد أعضاء الكونغرس بسبب يافطة كان يحملها، وتبادل الشتائم بين النائبة الديمقراطية إلهان عمر والرئيس ترامب بعد أن وصفته بأنه كاذب، والصراخ المستمر من إلهان عمر ورشيدة طليب داخل البرلمان، يستطيع المراقب القول إن الخطاب عكس حالة من الانقسام، أكثر منها حالة اتحاد.

هذا الانقسام يمتد إلى الشارع، فالمواجهات اليوم ليست بين محتجين وقوات شرطة، إذ أصبحت مواجهة بين محتجين على مجمل سياسات ترامب، ومؤيدين لهذه السياسات من اليمين المتطرف، مدعومين بضباط من دوائر الأمن الفيدرالية، مع تزايد عمق الفجوة بين الحكومة الفيدرالية والحكومات المحلية.

في النتيجة لم يحمل الخطاب جديداً، وكان التركيز فيها على المواضيع التي تمنح الجمهوريين بعض القوة كقضية الهجرة، لكن استطلاعات الرأي أشارت إلى أن الخطاب لم يقنع الأميركيين بتغيير مواقفهم، وما زال الديمقراطيون يتقدمون بست نقاط فيما يتعلق بالانتخابات النصفية، أي إن الرئيس سيخسر الأغلبية في مجلس النواب، مع احتمال تضييق الفجوة في مجلس الشيوخ. هل سيقبل ترامب بالخسارة، أم سيبحث عن مغامرة عسكرية أو اقتصادية جديدة ترمّم الفارق، وتمنحه هامشاً أوسع للحركة؟