تونس: هل ينجح جيل زد في إنقاذ الجمهورية؟!
صعود جيل "زد" كفاعل شعبي مؤثّر في تونس، في ظلّ عجز النظام والمعارضة عن معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية وتنامي المطالب بالتغيير والعودة إلى المسار الديمقراطي.
-
تونس: هل ينجح جيل زد في إنقاذ الجمهورية؟!
فشلت المعارضة التونسية بمختلف أطيافها في بلورة موقف سياسي موحّد للخروج من عنق الزجاجة ومواجهة التردّي الاقتصادي والانغلاق السياسي الحاصل، وكذلك فشلت الرئاسة التونسية في تقديم نموذج للحكم الرشيد والنهوض بالجمهورية، وكانت تونس قد شهدت نهاية تموز/يوليو الماضي حراكاً اجتماعياً غاضباً نزل إلى الشارع.
طوال تلك الفترة والمراوحة والمناورة الحاصلة ما بين النظام والمعارضة كان هناك فاعل اجتماعي غير تقليدي يُراقب المشهد وينتظر مآلاته، وعندما انفضّ الجمع إلى صفر كبير قرّر النزول إلى عمق المشهد، هذا الفاعل هو جيل "زد" الذي دخل على مسار المشهد في تونس لإنقاذ الجمهورية فهل يفلح في ذلك؟.
التقط جيل "زد" بتونس مخرجات الحراك الجماهيري الذي شهدته البلاد مؤخّراً وانتهى إلى لا شيء، فألقى بثقله وبدأ من حيث انتهى الحراك؛ وأطلق عريضة وطنية تحت عنوان "إنقاذ الجمهورية"، طالب فيها بسحب الثقة من الرئيس قيس سعيّد وتنحّيه عن الحكم والعودة إلى صناديق الاقتراع والذهاب إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة.
نزول جيل "زد" إلى الشارع في هذا التوقيت لا يبدو كردّة فعل طارئة على ما وصلت إليه تونس، بل هو فعل مُنظّم شخّص المشهد وفهم مقتضياته؛ وبدأ من أعلى سقف ممكن وهو إقالة الرئيس والذهاب إلى انتخابات مُبكرة، وفيما بدت المعارضة التونسية مُشتتة تُناور ولا تمتلك خارطة طريق والتيه يتملّك خطابها وبياناتها؛ بدت مطالب وخطاب ومواقف جيل "زد" أكثر قُرباً من الشارع وتعبيراً عنه، والأهمّ أنّ هذا الجيل يتجاوز المعارضة ولا يقبل وصايتها وترويضه غير ممكن من طرف النظام.
في مفردات العريضة التي أطلقها جيل "زد" توصيف موضوعي للمشهد في تونس وتشخيص لأسباب الأزمة، وهي الحكم الفردي المطلق "احتكار سعيّد للسلطة" وغياب رؤية تنموية واضحة؛ وإهدار الرئيس فرصة تاريخية لإجراء الإصلاحات وتفكيك منظومة الفساد، وطريقة إدارة الدولة من خلال الاتكاء على نظرية المؤامرة بدلاً من حلّ المشكلات والأزمات، وتقييد المجتمع المدني والعمل النقابي، وتحويل القضاء إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين وملاحقة أصحاب الرأي.
وجاء في العريضة التي يصف من خلالها جيل "زد" المشهد، أنّ التونسيين "لم يجنوا من حكم سعيّد سوى تفكيك مؤسسات الدولة واهتراء مرافقها، عوضاً عن انتهاج سياسات إنقاذ حقيقية ومواجهة الواقع، اختارت السلطة الهروب إلى الأمام، من دون تقديم أدنى مواساة أو احترام لمعاناة الشعب التونسي العظيم في الكوارث والأزمات التي مرّ بها في الأشهر الأخيرة".
قبل إطلاق العريضة بعدة شهور كان جيل "زد" قد لوّح بالنزول إلى الشارع وأعاد إلى ذاكرة التوانسة حضوره، لكن كعهد كلّ الأنظمة السياسية العربية لم يلتقط الرئيس قيس سعيّد الإشارات ويبدو أنه قد تأخّر أيضاً في فهم الأسباب والدوافع والمآلأت؛ وفي الـ 18 من كانون الثاني/يناير 2026؛ خرجت مجموعة من جيل "زد" في مسيرات رفعت شعارات ترفض الواقع وتطالب بإنهاء التهميش والإقصاء؛ وكان ذلك بمناسبة ذكرى سقوط نظام بن علي؛ ورفعوا حينها شعار "انتهت اللعبة"، مُعلنين قدرتهم على التحرّك واكتساح الشارع، ولكن لم تُلتقط تلك الإشارات، فعاد اليوم جيل "زد" وهو يرفع شعار "إنقاذ الجمهورية".
نجح الرئيس قيس سعيّد في تأميم مؤسسات الدولة وقضائها؛ وترويض المعارضة وتفكيكيها، واعتقال كلّ من يخالفه الرأي؛ لكنّ تلك الأدوات والإجراءات لا تُجدي مع جيل "زد" الذي يصعب ترويضه أو تفكيكيه أو اعتقاله؛ لأنّ مكوّناته غير قابلة للإحاطة، وخوارزمياته مفتوحة على العالم، وإدراكه للواقع ومقتضياته متقدّمة على إدراك النظام.
وفوق هذا يعلم هذا الجيل قدراته وإمكانياته المتفوّقة على قدرات النظام وأدواته، فهذا الجيل هو نبض الثورة ولسانها والأمين عليها والحارس لها، وهدفه الخلاص ورصيده الناس وميدانه الشارع. ومحدّداته وحساباته مختلفة تماماً عن حسابات الأحزاب والقوى السياسية المعارضة. لذلك فرصته في التغيير كبيرة وحقيقية وجادّة ولا يتوقّف هذا الجيل حتى يحقّق أهدافه ويقوم بالتغيير.
قدرة جيل "زد" في تونس على التغيير والذهاب لرفع شعار إنقاذ الجمهورية ليس موضع اختبار أو تجريب أو رهان بين فرصتين؛ بل معادلة واضحة الاتجاه والنتائج؛ سيفعل هذا الجيل ما يريده ولن يتوقّف من دون إحداث تغيير، والداعم لذلك والدافع له متوفّر، فكلّ الأسباب والعوامل والمؤشّرات والحيثيات والإخفاقات الحاصلة في المشهد التونسي تؤكّد ذلك.
وقود التغيير الذي يدفع جيل "زد" موجود في التدهور الاقتصادي وارتفاع البطالة والتضخّم والفقر وانقطاع الكهرباء وشُحّ الدواء والماء الصالح للشرب وقلّة الخبز، والاعتقالات والإقصاء والتهميش والانغلاق السياسي واستدعاء المؤامرة وتراجع الحريات.. إلخ؛ وبالتالي كلّ أسباب الانفجار موجودة.
جيل "زد" سيقوم بأمرين؛ الأول: تبنّي هموم الناس التي تجاهلها النظام والمعارضة، والثاني: النزول إلى الشارع. وهذا كفيل بتفعيل صاعق الانفجار وتغيير الواقع القائم.
بخلاف النظام والمعارضة لا يتفوّق جيل "زد" في فهم المشهد وتوصيفه وتشخيصه، أو في استخدامه لأدوات تعبير غير تقليدية وتبنّي مطالب غير رمادية؛ ولكن في فهمه وتوظيفه للطفرة التكنولوجية والأدوات الرقمية والتنظيم الشبكي والاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي والتعبئة الرقمية القادرة على تجاوز الملاحقة الأمنية. إضافة إلى رصيده الاجتماعي كفاعل تتزايد قوته وفعّاليته وقدرته على ترجمة مطالبه من خلال تبنّيه للقوة الناعمة مقابل تبنّي النظام للقوة الخشنة والمواجهة.
حضور جيل "زد" في المشهد التونسي ليس وليد اللحظة التي تفجّرت فيها الأزمات وأخفقت المعارضة والسلطة في استنهاض البلاد، هذا الجيل هو الحارس للمجتمع وملاذ المهمّشين والمحبطين في دول الإنسان آخر اهتمامها؛ وقوة هذا الجيل في محرّكاته ودوافع تحرّكه؛ وهو جيل متمرّد على الواقع بخلاف الأجيال السابقة التي تميل إلى قبول الواقع كما هو، وبالتالي نزوله وحراكه لن ينتهي من دون تغيير أو كما يحدث في الحراك والتظاهرات التقليدية التي تقودها المعارضة.
يدرك جيل "زد" التنافس المذموم بين النظام والمعارضة على اقتسام السلطة وريعها ومغانمها، لذلك يبدأ بمطالب واضحة لا تقبل التأويل أو التنازل، يبدأ بالمبادرات الشعبية الشبابية ثم يطلق العرائض الوطنية مطالباً بإنهاء احتكار السلطة والتراجع عن القمع السياسي والعودة إلى المسار الديمقراطي والذهاب للانتخابات المبكرة. ويتبنّى القضايا المعيشية وتحسين الخدمات؛ وفوق ذلك لا يسعى للوصول إلى السلطة.
قدّم جيل "زد" عريضته وكشف عن مطالبه وبات من الواضح أنه ملاذ الشارع وخياره، ولكنّ السؤال هل سيكون بمقدور جيل "زد" إنقاذ الجمهورية وإنجاز تغيير جذري بمفرده؟، وهل إقالة الرئيس قيس سعيّد هي المتغيّر الذي إن حدث سيُفضي إلى حلّ كلّ مشكلات الجمهورية التونسية؟.
الإجابة مرهونة بما سينتهي إليه المشهد في تونس خلال الأيام المقبلة، ولكن حتى حدوث ذلك فإننا أمام دلالات أحدثتها عريضة جيل "زد" ومطالباته، ومنها أنّ الرهان على الوصول إلى حلّ الأزمة بالطرق التقليدية والتحاور بين النظام والمعارضة لم يعد ممكناً وغير مُجدٍ، وأنّ الناس في تونس تجاوزت ذلك ولم تعد تعوّل عليه؛ عريضة جيل "زد" كسرت السردية الرسمية وحراك الشباب ومطالبتهم بإقالة الرئيس تعني أنّ قيس سعيّد خسر الإجماع الشعبي منذ الدقيقة الأولى، وأنّ الرفض الشعبي حقيقي وليس مجرّد ذراع للمعارضة التي تجاوزها جيل "زد".
إنقاذ الجمهورية وتغيير النظام في تونس لن يحدث لمجرّد تقديم جيل "زد" لعريضة تطالب الرئيس قيس سعيّد بذلك، ولكنّ اتساع الاحتجاجات من دون قفز المعارضة إليها، ونزول فئات مختلفة ومتعدّدة من أطباء وصحافيين ونخب إلى الشارع سيخلق حالة من الضغط، وسيُذكّر السلطة بتكلفة التجاهل ويُعيد المشهد إلى سيناريوهات سابقة مرّت بها تونس.
ختاماً؛ إنّ تكلفة التجاهل السياسي وإنكار الواقع الاقتصادي وانزواء المعارضة كلّها أسباب أفضت إلى حتمية نزول جيل "زد" إلى الشارع. قد لا ينجح في إنقاذ الجمهورية ولا سيما إذا اختصر الإنقاذ في رحيل الرئيس، ولكنه حقّق نتيجتين؛ الأولى: أنّ هناك فاعلاً حاضراً ومؤثّراً في المشهد التونسي لا يمكن تأميمه أو ترويضه، والثانية: أنه لم يعد أمام الرئيس والمعارضة إلا الذهاب إلى الحلّ وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وفشلهم يعني أنه ليس أمامهم إلا الاستجابة لمطالب عريضة جيل "زد".