تهديد ترامب لسلطنة عمان، ما دور أبو ظبي؟

هنالك دوافع متشعبة وراء موقف ترامب بعضها مرتبط بطموحات الإمارات العربية المتحدة ورئيسها محمد بن زايد للعب دور على حساب قوى إقليمية راسخة الحضور منذ عدة قرون، ومن ضمنها المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.

  • خلفيات التوتر الإماراتي- العماني.
    خلفيات التوتر الإماراتي- العماني.

لا تخلو تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب من المفاجآت، وآخر مفاجآته تمثلت بتوجيهه تهديدات لسلطنة عمان من مغبة مجاراتها لإيران في موضوع فرض رسوم على حركة المرور في مضيق هرمز بحكم أنهما الدولتان المشاطئتان للمضيق.

قد يبدو الأمر مرتبطاً بالتجاذب الإيراني- الأميركي الحالي حول السيطرة على مضيق هرمز، إلا أن المتتبع للأمور يجد أن هنالك دوافع متشعبة وراء موقف ترامب بعضها مرتبط بطموحات الإمارات العربية المتحدة ورئيسها محمد بن زايد للعب دور على حساب قوى إقليمية راسخة الحضور منذ عدة قرون ومن ضمنها المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، التي كانت الإمارات السبع، التي تتشكل منها دولة الإمارات العربية المتحدة، تابعة لها.

عزا مراقبون موقف ترامب إلى ضغوط تمارسها الإمارات عبر مجموعات ضغط شكلتها في الولايات المتحدة للتأثير على سياسات الإدارة الأميركية الحالية تجاه قضايا تهم أبو ظبي، ومن ضمنها الخلاف الضامر بينها وبين مسقط.

هنا، يبرز دور رئيس جهاز الاستخبارات الإماراتية طحنون بن زايد الذي شكل شبكة علاقات واسعة في الولايات المتحدة مدعومة باستثماراته في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهو القطاع الذي باتت واشنطن توليه الأولوية القصوى في استراتيجيتها الاقتصادية والجيوسياسية. 

خلفيات التوتر الإماراتي- العماني 

تعد سلطنة عمان الدولة الخليجية الأكثر تميزاً في سياستها الخارجية منذ استقلالها عن الاستعمار البريطاني في عام 1971. ففيما انخرطت دول الخليج العربية الأخرى وهي المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة في محاور إقليمية مختلفة، اعتمدت سلطنة عمان سياسة "الحياد الإيجابي"، والحفاظ على قنوات اتصال مع مختلف الأفرقاء بما يجنبها مخاطر النزاعات ويحفظ لها مصالحها، وقد ترجم ذلك في علاقات مسقط المتميزة مع أطراف متناقضة في مصالحها ومن ضمنها إيران والمملكة العربية السعودية وباكستان والهند والولايات المتحدة وروسيا والصين.

وقد ضمنت لها هذه السياسة إمكانية لعب دور الوسيط في النزاعات والخلافات بين الأطراف آنفة الذكر، وجنّبها في الوقت نفسه مخاطر الانزلاق إلى أن تصبح طرفاً في هذه النزاعات. لكن في السنوات الأخيرة، وجدت سلطنة عمان نفسها أمام تحد لاستقرارها الداخلي من مصدر غير متوقع وهو الإمارات العربية المتحدة الطامحة للعب دور إقليمي أكبر من حجمها على حساب القوى المترسخة أصلاً في المنطقة، ومن ضمنها سلطنة عمان. 

ففي بداية عام 2020، وعقب الإعلان عن وفاة السلطان قابوس، حاكم سلطنة عمان منذ استقلالها في عام 1971، ترددت أنباء عن محاولة إماراتية للتدخل في اختيار السلطان الجديد لمسقط. وعندما تم كشف "المؤامرة"، سارع الشيخ محمد بن زايد إلى مسقط لاحتواء الأمر متذرعاً بنيته تقديم التعازي. وقد تعامل خليفة السلطان قابوس، السلطان هيثم بن طارق، بطريقة مهينة مع محمد بن زايد إذ رفض مصافحته أثناء تقديم التعازي، ثم دعاه إلى حضور سباق للحمير في خطوة أراد منها تصغير محمد بن زايد وتعريفه بحجمه وتذكيره بماضي أسرة آل نهيان التي كانت تابعة لسلاطين عمان شأنها شأن باقي الأسر الحاكمة في الإمارات التي كانت تعرف بساحل عمان. 

الدور الإماراتي على حساب مسقط 

الجدير ذكره أن محاولة محمد بن زايد للتدخل في الشأن العماني جاءت في سياق طموح الإمارات للعب دور إقليمي أكبر من حجمها، خصوصاً بعد صعود نجم محمد بن زايد في عام 2004 كولي للعهد ومن ثم رئيس للدولة.

فخلال هذه الفترة تضخمت القوة الاقتصادية والعسكرية للإمارات العربية المتحدة ما جعلها تطمح للعب دور يتجاوز سقف الوصاية السعودية على دول الخليج العربية.

هذا دفع بأبو ظبي إلى تعميق علاقاتها مع "إسرائيل" من جهة والهند من جهة أخرى ما جعلها تدخل في حساسيات مع كل من باكستان وإيران.

وبنتيجة تقاربها مع "إسرائيل"، تمكنت أبو ظبي من توسيع حضورها العسكري والاقتصادي في مناطق مختلفة ومن ضمنها البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشرق المتوسط، في وقت أصبحت فيه لاعباً مؤثراً في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار العالمي.

هذا الصعود الطموح جعل بن زايد يطمح لانتزاع قيادة منطقة الخليج من القوى الأكثر رسوخاً ومن ضمنها سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية. بنتيجة ذلك، تدخل محمد بن زايد في عام 2015 في الصراعات داخل الأسرة السعودية مزكياً صعود الأمير محمد بن سلمان إلى سدة ولاية العهد على حساب أبناء عمومته. كذلك ساهم بن زايد في توريط المملكة العربية السعودية في حرب اليمن التي ستؤدي أيضاً إلى تصاعد التوتر بين أبو ظبي ومسقط. 

شكّلت الأزمة اليمنية أحد أهم المواضيع الخلافية بين مسقط وأبو ظبي. ففي حين دعمت الإمارات العربية المتحدة حركة انفصالية في منطقة حضرموت وعدن، فإن سلطنة عمان كانت تجد في ذلك تهديداً لأمنها واستقرارها في منطقة ظفار التي كانت قد شهدت تمرداً امتد من ستينيات القرن الماضي الى منتصف السبعينيات.

لذلك، فإن سلطنة عمان سعت إلى حل سياسي في اليمن في مقابل تفضيل أبو ظبي للسيناريوهات العسكرية والتي أدخلتها في النهاية في صراع مع المملكة العربية السعودية التي وجدت نفسها مجبرة على التدخل عسكرياً لضرب الحركة الانفصالية في منطقة حضرموت وعدن، علماً أن الطائرات السعودية قصفت سفناً إماراتية كانت تنقل السلاح للانفصاليين في جنوب اليمن. 

إضافة إلى الملف اليمني، سعت أبو ظبي إلى تحييد سلطنة عمان وعزلها عبر إقامة الممر الهندي الشرق أوسطي الأوروبي الذي ينطلق من الموانىء الهندية الغربية ويمر عبر مضيق هرمز إلى رأس الخيمة لينطلق عبر البر عبر الأراضي الإماراتية والسعودية باتجاه الأردن فالكيان الصهيوني ومنه إلى الموانىء الأوروبية. 

توثيق العلاقات مع الرياض وطهران 

حاولت سلطنة عمان أن توازن الدور الإماراتي المضخم إسرائيلياً بتوثيق العلاقات مع الرياض من جهة، وطهران وباكستان من جهة أخرى. والجدير ذكره أن العلاقات العمانية- الإيرانية توثقت منذ حكم الشاه حين تدخلت طهران لدعم مسقط في القضاء على الحركة الانفصالية في منطقة ظفار.

منذ ذلك الوقت، أصبحت العلاقات مع إيران واحدة من الثوابت في السياسة الخارجية العمانية ما جعلها تحفظ علاقات طيبة معها على مدى العقود السابقة، على الرغم من التقلبات والتحولات الإقليمية.

فسلطنة عمان حافظت على علاقات طيبة مع إيران خلال الحرب العراقية- الإيرانية، وعلى الرغم من التوترات الخليجية- الإيرانية اللاحقة. هذا ما جعل مسقط قادرة على لعب دور الوساطة للتوصل لاتفاق نووي في عام 2015 والذي انسحب منه دونالد ترامب لاحقاً.

كذلك، فإن هذا ما حول مسقط للعب دور الوسيط لاحقاً قبل العدوان الأميركي- الإسرائيلي على إيران قبل أن تنتقل المفاوضات إلى باكستان. والجدير ذكره أن مضيق هرمز يشكل أهمية خاصة بالنسبة إلى سلطنة عمان. وتدرك مسقط أن أي تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة و "إسرائيل" من جهة وإيران من جهة أخرى سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة وفي سلطنة عمان نفسها، عدا عن آثارها الاقتصادية السلبية على اقتصاد وتجارة السلطنة. 

أما بالنسبة إلى الرياض، فقد سعت مسقط إلى الحفاظ على علاقات وثيقة، على الرغم من الاختلاف في العديد من القضايا. وما يعزز التقارب السعودي- العماني حالياً هو خشية الدولتين من تضخم الدور الإماراتي. وبنتيجة المنافسة الاقتصادية بين الرياض وأبو ظبي، بدأت الرياض في العمل على التحول إلى مركز اقتصادي ومالي عالمي عبر رؤية المملكة 2030. 

تنافس إماراتي – إسرائيلي على النفوذ في منطقة الهلال الخصيب

تواجه سلطنة عمان اليوم تحديات عدة أبرزها التوتر الأميركي- الإيراني الذي يتشعب على شكل توترات متعددة المستويات. فالمواجهة الأميركية- الإيرانية تمتلك أبعاداً ترتبط بسعي الولايات المتحدة لمحاصرة الصين وروسيا الطامحتين إلى دور عالمي ريادي في مواجهة الهيمنة الأميركية. 

وعلى المستوى الإقليمي، فإن هذه المواجهة تتخذ بعداً لجهة إعادة رسم الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط من قبل "إسرائيل" المدعومة أميركياً بما يقلص دور القوى الإقليمية التقليدية في منطقة الخليج مثل المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان لصالح تعويم دور الإمارات العربية المتحدة. 

هذا الأمر بحد ذاته يتشعب ليتحوّل تنافساً إماراتياً – إسرائيلياً على النفوذ في منطقة الهلال الخصيب في مواجهة أدوار تقليدية لكل من الرياض وأنقرة وطهران، ويمتد جنوباً ليرتبط بالصراع الهندي- الباكستاني في منطقة جنوب آسيا كجزء من طموح الهند لطرح نفسها القوة المهيمنة في هذه المنطقة على حساب الصين. 

وفي مواجهة جموح أبو ظبي في استخدام القوة والسطوة العسكرية والمالية، فإن مسقط تراهن على إرثها الإمبراطوري الممتد منذ زمن أسرة اليعاربة في منتصف القرن السابع عشر وحتى حكم اليعاربة وعهد السلطان هيثم بن طارق.  

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.