بعد اختيار المرشد مجتبى خامنئي.. مآلات الحرب الصهيو-أميركية على إيران؟

مصير الحرب الصهيو-أميركية على إيران، مرتبط بقدرتها على امتصاص العدوان والحفاظ على التماسك الداخلي من جهة، والقدرة على رفع مستوى وحجم الخسائر الصهيو-أميركية، واستنزاف الذخائر الدقيقة من جهة أخرى.

0:00
  • أجواء الانقسام حول الحرب تعم مختلف الاوساط الأميركية، حتى داخل البنتاغون.
    أجواء الانقسام حول الحرب تعم مختلف الأوساط الأميركية، حتى داخل البنتاغون.

مضى نحو عشرة أيام على الحرب الصهيو-أميركية على إيران، وبدأت الحرب بعدوان واسع استهدف قيادات إيرانية بارزة، على رأسها مرشد الثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي، بعدها مباشرة، ردت إيران بإطلاق الصواريخ والمسيرات نحو أهداف إسرائيلية وأميركية، بما فيها قواعد الأخيرة في المنطقة والدول العربية الخليجية، ما أثر على حركة السفن عبر مضيق هرمز وتوريد الطاقة، وارتفعت أسعار الغاز والنفط، وتشهد المنطقة والعالم حالة من التوتر وعدم الاستقرار، في ضوء الخشية من توسع الحرب وطول أمدها.

قبل نحو شهر من اندلاع الحرب، نشرنا مقالاً بعنوان الحرب القادمة ... متى ستندلع؟ وجاء فيه نصّ بأن "قرار الحرب على إيران قد اتخذ، وما يجري بحثه في الأروقة الأميركية والإسرائيلية الضيّقة، هو الإجابة عن أسئلة متى وكيف وما هي أهداف الحرب، وليس هل ستقع الحرب؟ الحرب ستندلع خلال أيام أو أسابيع أو على الأكثر خلال بضعة أشهر، وما سيحدد ساعة البداية استغلال الفرص والجاهزية".

ما إن بدأت الحرب حتى سارعت الأوساط الإسرائيلية للاحتفال باغتيال المرشد علي خامنئي، بيد أن الاحتفال لم يقتصر على نجاح عملية الاغتيال، بل بنجاح "إسرائيل" في جرّ الولايات المتحدة للحرب على إيران، الأمر الذي فشلت فيه الحكومات الإسرائيلية السابقة كافة، وبينما تحظى الحرب على إيران بشبه إجماع إسرائيلي، فإن الحرب لا تروق لأغلب الأميركيين، إلا في أوساط اليمين المسياني ودوائر ضيقة حول الرئيس دونالد ترمب، كما أن الحزب الجمهوري الحاكم ليس لديه إجماع حول الحرب وجدواها والخشية من تداعياتها، لا في الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية فقط، بل وانعكاساتها على حظوظ الحزب في الانتخابات النصفية المقبلة نهاية العام الجاري.

أجواء الانقسام حول الحرب تعم مختلف الأوساط الأميركية، حتى داخل البنتاغون، بعدما ترددت معلومات تفيد بأن الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، كان قد حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مهاجمة إيران، خشية أن تؤدي إلى حرب طويلة قد تشعل صراعاً إقليمياً واسعاً، وأن مخزون الذخائر الدفاعية والهجومية الأميركية قد لا يكفي في حال استمرت المواجهة لفترة طويلة.

على الرغم من الوعود التي قطعها ترمب أمام ناخبيه بألا يشارك في حروب خارجية، تثقل كاهل الأميركيين، على غرار ما فعله أسلافه في العراق وأفغانستان، مضى ترامب في قرار الحرب على إيران، متجاهلاً تحذيرات جهات وازنة في إدارته، والمعارضة الشعبية الواسعة، والانقسام داخل حزبه حول قرار الحرب.

إيران لم تفاجأ بالحرب، واستطاعت امتصاص الضربة الأولى رغم استهداف المرشد وعدد من القيادات، وتواصل إطلاق الصواريخ  والمسيرات على أهداف نوعية مثل الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي والمواقع العسكرية والاستخبارية الأميركية المنتشرة في المنطقة، إضافة إلى الحفاظ على وتيرة متناسقة من الرشقات الصاروخية تجاه أهداف إسرائيلية.

إن مآلات الحرب الصهيو-أميركية على إيران تعتمد على قدرة الطرفين على تحمل الأعباء والأكلاف، ففي حال قدّر  الطرف الأميركي أن الحرب بعيدة عن الحسم السريع وأنها ستطول وتتحول إلى حرب استنزاف، وأن إيران ماضية في خيار المواجهة ورفض الإخضاع، من دون مؤشرات اضطراب في الجبهة الداخلية الإيرانية تهدد استقرار النظام، فقد يفكّر الرئيس الأميركي ترامب بإنهاء سريع للحرب، وإعلانه "الانتصار"، والعودة إلى المفاوضات بعد "إضعاف" إيران وفقاً للتقدير الأميركي، بيد أن قرار ترامب النهائي سيتأثر بتوجهات نتنياهو وحلفائه في الإدارة الأميركية والكونغرس، وقدرتهم على إقناع ترامب في المضي في مسار الحرب حتى الحسم، وإسقاط النظام الإيراني، وأن الإعلان عن إنهاء الحرب مبكراً من دون تحقيق الأهداف، سيعتبر نصراً لإيران.

إن الفشل الصهيو-أميركي في الحسم العسكري السريع، والفشل في فرض قيادة إيرانية مهادنة ومواتية لرغبات ترامب، بعد الإعلان عن اختيار مجتبى خامنئي مرشداً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وضعت ترامب أمام معادلة صعبة بين تحقيق إنجاز عسكري سريع يمكن تقديمه كنصر سياسي، وبين تجنب الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة. 

إن مصير الحرب الصهيو-أميركية على إيران، مرتبط بقدرتها على امتصاص العدوان والحفاظ على التماسك الداخلي من جهة، والقدرة على رفع مستوى وحجم الخسائر الصهيو-أميركية، واستنزاف الذخائر الدقيقة من جهة أخرى، وما يصاحبها من تأثيرات اقتصادية عالمية خاصة في ضوء تعثر الملاحة في مضيق هرمز.

إن التوجهات الإسرائيلية، وداعميها في التيار اليميني الأميركي المسياني، يرون في الحرب على إيران، فرصة نادرة يجب أن تنتهي بالقضاء على القدرات الإيرانية، وصولاً لا إلى إسقاط النظام الإيراني وحسب، بل تفكيك وتقسيم الدولة الإيرانية وتحويلها إلى دولة فاشلة، أو فرض نظام عميل لـ "إسرائيل" والولايات المتحدة، الأمر الذي تدركه إيران، بأنها باتت أمام حرب وجودية ومفصلية فُرضت عليها، ولا خيار لها إلا المواجهة والدفاع عن كرامتها ومستقبلها ومستقبل المنطقة برمتها.

تتجه الحرب إلى التوسع التدريجي، وبعد مشاركة المقاومة اللبنانية، يُنتظر مشاركة اليمن، ما يشي بأن المعركة ستطول وستتحول إلى حرب استنزاف، سترفع كلفة الأطراف المشاركين في الحرب كافة، بيد أن الطرف الإيراني وجبهات المقاومة في لبنان واليمن، ليس لديهم خيار سوى المواجهة، حتى إجهاض الأهداف الصهيو-أميركية.

إن التصريحات الروسية التي أكدت أنها لا تقف على الحياد تجاه العدوان على إيران، وأنها تقف إلى جانبها، وتحمل المسؤولية للإدارة الأميركية على قرارها المتهور، تدلل على أن مسارات توسع الحرب قائمة، ولا سيما أن عدداً من المصادر أكد أن روسيا تزوّد إيران بمعلومات استخبارية عن مواقع السفن الحربية والطائرات الأميركية في الشرق الأوسط.

إن حالة الاستنزاف وطول أمد الحرب وانعكاساتها السياسية والاقتصادية تترك المجال واسعاً للتكهنات، في ضوء تطورات الحرب ومساراتها، التي قد لا تخلو من أحداث غير متوقعة،  فالمنطقة بدت قبل الحرب وكأنها تجلس على برميل بارود، والآن بدأ يشتعل، ونيرانه تتمدد وتتسع، لتشمل الأطراف كافة.

إن مآلات الحرب ستنعكس آثارها على واشنطن و "تل أبيب"، ولا سيما بعد الاستنزاف المتوقع للدفاعات الجوية والذخائر، ورفع كلفة الخسائر البشرية والعسكرية والاقتصادية،  كما ستنعكس على جيب المواطن الأميركي، الذي لا يعرف لماذا أشعل رئيسه الحرب!

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد قائد الثورة والجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها.