بعد 9 سنوات… لماذا وصل ترامب إلى الصين الآن؟

العلاقات الصينية الأميركية هي واحدة من أهمّ العلاقات الثنائية في العالم اليوم، والخيارات الاستراتيجية للبلدين تؤثّر على مسار التاريخ العالمي.

0:00
  • لماذا يعود ترامب إلى الصين الآن؟
    لماذا يعود ترامب إلى الصين الآن؟

هذه الزيارة هي الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين منذ بدء ولايته الثانية، كما أنها المرة الأولى التي تطأ فيها قدماه الأراضي الصينية منذ أكثر من 8 سنوات. وكان ترامب قد زار الصين للمرة الأولى بصفته رئيساً للولايات المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر 2017.

تأتي هذه الزيارة في وقت تمرّ فيه العلاقات الصينية الأميركية بمرحلة شديدة الحساسية، وسط احتدام التنافس الاستراتيجي بين البلدين وتصاعد الاضطرابات الجيوسياسية عالمياً، ما يجعل الزيارة بمثابة "نافذة مهمّة" لفهم اتجاه العلاقات بين بكين وواشنطن في المرحلة المقبلة.

وقد شهدت ترتيبات زيارة ترامب الكثير من التغييرات والتأجيلات قبل أن يتمّ الإعلان الرسمي عنها مطلع أيار/مايو. ويُنظر إلى تحقّق هذه الزيارة في نهاية المطاف باعتبارها بداية فعلية لـ"عام القمم الرئاسية" بين الصين والولايات المتحدة. والسبب الجوهري وراء هذه الزيارة هو إدراك كلّ من بكين وواشنطن أنه رغم حدّة التنافس بينهما، فإنّ الدبلوماسية الرئاسية لا تزال ضرورية لتوفير التوجيه الاستراتيجي.

بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، يسعى الرئيس الأميركي ترامب إلى إظهار قدرته على إدارة "الدبلوماسية القائمة على الصفقات" خلال ولايته الثانية، عبر تحقيق مكاسب ملموسة في ملفات التجارة، والمعادن النادرة، والطائرات، والمشتريات الزراعية. أما الصين، فتأمل في أن يسهم لقاء بين الرئيسين في استقرار البيئة الخارجية ومنع تصاعد الاحتكاكات الاقتصادية والتكنولوجية.

وهناك خلفيّتان أساسيّتان تستحقّان اهتماماً خاصاً في هذه الزيارة.

الأولى هي التصعيد المتسارع في الملف الإيراني؛ فالشرق الأوسط يشهد حالة توتر متزايدة، فيما بات أمن مضيق هرمز عاملاً حساساً بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية. وتريد واشنطن من بكين أن تؤدّي دوراً بنّاءً في الملف الإيراني لتجنّب توسّع الصراع وانعكاساته على الاقتصاد العالمي. كما أنّ الصين والولايات المتحدة لا ترغبان في خروج الأوضاع في المنطقة عن السيطرة، ما يجعل الملف الإيراني مرشحاً ليكون أحد أهمّ محاور اللقاء.

أما الخلفية الثانية فتتمثّل في الضغوط السياسية الداخلية التي يواجهها ترامب؛ فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يعاني من تراجع معدلات التأييد، وسط احتدام الصراع الحزبي واقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026. لذلك يحتاج ترامب إلى "إنجاز دبلوماسي" واضح يعزّز موقعه السياسي ويرفع من معنويات مؤيّديه. كما أنّ عام 2026 يصادف الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، ما يمنح هذه الزيارة أهمية سياسية إضافية بالنسبة له.

ومن المتوقّع خلال هذه الزيارة أن تكون القضايا الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية، والملف الإيراني، والقضايا الناشئة مثل حوكمة الذكاء الاصطناعي، أبرز المحاور بين الجانبين.

التجارة والتكنولوجيا هما ركيزتان أساسيتان في العلاقات الصينية الأميركية. ورغم الخلافات المتواصلة، بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين والولايات المتحدة نحو 560 مليار دولار في عام 2025، ولا تزال كلّ دولة تمثّل شريكاً تجارياً أساسيا للأخرى. أما التكنولوجيا، فقد أصبحت الساحة الأكثر حساسية في التنافس الاستراتيجي، خصوصاً في مجالات أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية وغيرها من التكنولوجيا العالية.

حالياً، أصبحت المنافسة التكنولوجية الأميركية تجاه الصين ذات طابع أمنيّ بدرجة كبيرة. فبينما تشكّل الولايات المتحدة "تحالف الرقائق الرباعي"، وتقدّم إعانات حصرية لسلاسل التوريد، وتدفع بقوة نحو ما يسمّى "إزالة الاعتماد على الصين"، لم تتراجع الصين أو تتنازل، بل ثبتّت سلاسل الصناعة، ووسّعت سوقها المحلية، وعزّزت تنويع تجارتها. لم تنجح الصين فقط في امتصاص صدمات التعريفات الجمركية وضغوط قطع الإمدادات التكنولوجية، بل دفعت أيضاً الصناعة المحلية إلى التسريع بالارتقاء والتحديث، وعزّزت تفوّقها كدولة تمتلك كامل التصنيفات الصناعية في العالم.

وفما يتعلّق بالملف الإيراني، ترى بكين وواشنطن أنّ المنطقة تقف عند نقطة تحوّل خطيرة بين الحرب والتهدئة. فالولايات المتحدة لا تريد استنزاف مواردها الاستراتيجية في مواجهة مفتوحة مع إيران، بينما تخشى الصين من أن يؤدّي استمرار الفوضى في الشرق الأوسط إلى تهديد طرق الطاقة ومصالحها الخارجية الحيوية.

وقد أكّدت الصين مراراً أنّ الأولوية يجب أن تكون لوقف شامل وفوري لإطلاق النار، وعلى القوى الكبرى أن تؤدّي دوراً بنّاءً، وأن تستخدم قوتها بحسن نيّة لتخفيف التصعيد وفتح المجال أمام الحوار والحفاظ على الحد الأدنى لتحقيق السلام.

أما الذكاء الاصطناعي، فقد تحوّل إلى أحد أهمّ عناصر الصراع الدولي المعاصر. فبعد عودة ترامب إلى السلطة، أكّدت الوثائق الرسمية الأميركية ضرورة "الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي"، واعتبرت هذه التكنولوجيا عنصراً حاسماً للأمن القومي والتفوّق العسكري والتنافس الاقتصادي.

وبات الذكاء الاصطناعي جزءاً رئيسياً من التنافس الجيوسياسي العالمي، ولم تعد التكنولوجيا مجرّد مسألة تتعلّق بالكفاءة أو الابتكار، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن القومي وموازين القوة الدولية.

ورغم أزمة الثقة العميقة بين الصين والولايات المتحدة في هذا المجال، لا تزال هناك فرص للتعاون في قضايا مثل أمن الذكاء الاصطناعي، وحوكمة الخوارزميات، ووضع المعايير التنظيمية للتقنيات مفتوحة المصدر.

إلى جانب ذلك، تبقى مسألة تايوان الملف الأكثر حساسية في العلاقات الصينية الأميركية. وتأمل بكين أن تؤكّد واشنطن مجدّداً التزامها بمبدأ "الصين الواحدة"، وألّا تتجاوز الخطوط الحمر فيما يتعلّق بمبيعات السلاح أو الاتصالات السياسية مع تايوان.

وفي 7 أيار/مايو، أكّد المتحدّث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان أنّ مسألة تايوان تمثّل "جوهر المصالح الأساسية للصين"، وأنّ الالتزام بمبدأ "الصين الواحدة" والبيانات المشتركة الثلاثة بين البلدين يعدّ شرطاً أساسياً للحفاظ على استقرار العلاقات الصينية الأميركية.

وبشكل عامّ، قد تسهم زيارة ترامب إلى الصين في تهدئة الأسواق، وتقليل مخاطر سوء التقدير، وتهيئة الظروف لمزيد من التواصل بين قيادتي البلدين مستقبلاً.

العلاقات الصينية الأميركية هي واحدة من أهمّ العلاقات الثنائية في العالم اليوم، والخيارات الاستراتيجية للبلدين تؤثّر على مسار التاريخ العالمي. ولن يتمّ تحقيق المصالح المشتركة للبلدين ومواكبة الاتجاه العامّ للتنمية العالمية إلّا بالعودة إلى طاولة المفاوضات والتمسّك بمبدأ الاحترام المتبادل.