باكستان في المعادلة الدولية الأوسع
ثمّة أدوار وساطة متبادلة تتنقل على خط طهران-إسلام أباد، ففي الوقت الذي تلعب فيه باكستان دور الوسيط بين طهران وواشنطن، كذلك طهران مؤهلة للعب دور وساطة وازن بين إسلام أباد وكابول.
-
باكستان لاعب إقليمي وازن تطوّرت طبيعة علاقاته الدولية خلال العقدين الماضيين.
في مقابلة أجرتها قناة الميادين مع عضو مجلس الشيوخ الباكستاني، ووزير الإعلام السابق مشاهد حسين سيد، تطرّق إلى عدد من النقاط المهمّة، التي تفتح الباب على مجموعة من التعليقات والملاحظات:
1. بالنسبة للمفاوضات، يقول مشاهد إن الكرة الآن في ملعب واشنطن، ولا سيّما مع ضرورة التوقف عن الحصار الأميركي. الأمر الذي يعني أن اطّلاعاً موضوعياً تمارسه باكستان على مجريات تمرير الرسائل والتفاوض.
2. لا يمكن اعتبار الإجراءات الإيرانية في مضيق هرمز هي المشكلة، ففي نهاية المطاف حدث ذلك ردّاً على العدوان الأميركي الإسرائيلي. لا يمكن اعتبار الحصار البحري خطوة ردّ على ما يجري في مضيق هرمز، فالعلة الأولى هي العدوان.
3. وصف مُشاهد نتنياهو برجل عصابة، واستخدم الصهيونية في التعبير عن "إسرائيل"، وعاد إلى التاريخ للحديث عن أدوار باكستانية في حرب 1967 وحرب 1973. وهو ما يوضّح طبيعة القراءة الباكستانية لـ"إسرائيل" ومشروعها.
4. تحدّث مُشاهد عن شمول لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار من زاويتين، الأولى تقنية لجهة أنه فعلاً تمّ إدراج لبنان في الاتفاق، والثانية سياسية تنطلق من رؤية باكستان للرابطة الإسلامية في مواجهة الاحتلال.
إذاً، هنا نتحدث عن دور باكستاني، يمارس دور الوساطة بأدوات مهنية، ولكن من دون تجاهل الرؤية الباكستانية للصراع، وطبيعة قراءتها الخاصة له. وهنا تجدر الإشارة إلى مجموعة من النقاط بشأن موقع باكستان في المعادلة الدولية الكبرى:
1. لباكستان خبرة طويلة في إدارة علاقة معقّدة مع الولايات المتحدة، وتحديداً خلال سنوات احتلال أفغانستان. الشريط الحدودي بين باكستان وأفغانستان يمتد إلى 2600 كم، ناهيك عن تداخلات عرقية بين البلدين (البشتون بشكل أساسي).
2. لباكستان علاقة مع إيران لا تنطلق فقط من الجغرافيا. على طول الحدود الممتدة إلى 900 كم، تتفق إيران وباكستان على ضرورة التصدّي للتنظيمات الإرهابية ( جند الله، جيش العدل، إلخ...). لذلك كان لباكستان دور في هذا الملف، ولا سيّما مع المحاولات الأميركية خلال العدوان لإحداث فوضى داخلية في إيران، سواء على محور شمال غرب عبر الكرد ، أم جنوب شرق عبر البلوش.
في باكستان يمثل الشيعة أكثر من 20% من السكّان، وعلى الرغم من ذلك، لم يصدر تاريخياً بيان باكستاني واحد يشكو أي تدخل إيراني في الشؤون الداخلية لباكستان، وفي هذا نموذج يمكن تقديمه للدول التي ما زالت متمسكة بالدعاية التضليلية بشأن سياسة إيران الخارجية في المنطقة.
عنوان "الرابطة الإسلامية" حاضر، رسمياً وشعبياً، في كل من إيران وباكستان، الأمر الذي يخلق حالة من التقارب بين الطرفين. وإذا كان لدى باكستان علاقات تتعمق مع تركيا والسعودية، وكذلك مصر، فإن ذلك يشكّل عاملاً إضافياً في تقريب المسافة أكثر بين كل هؤلاء اللاعبين مع إيران.
ثمة تكامل طاقوي كان له أن يرى النور بين باكستان وإيران، وقفت العقوبات الأميركية عائقاً أمامه. لكن التحولات التي تحدث على مستوى علاقات باكستان الدولية، قد تفتح الباب مجدداً أمام هذه المشروعات، ولا سيما مع التقارب الباكستاني الصيني الآخذ في التعمّق.
3. تجمع باكستان بالصين علاقة استراتيجية، ويمكن القول إن تنامي العلاقة بين البلدين منذ عام 2010، جعل من علاقة باكستان بالصين أكثر أهمية من العلاقة بواشنطن. فميناء غوادار الباكستاني يمثل عقدة مركزية في مبادرة الحزام والطريق، وحجم الاستثمارات الصينية في باكستان يتّسع على قاعدة توظيف شريحة واسعة من العمالة الباكستانية الماهرة، وعلى قاعدة الاستفادة التقنية المتبادلة.
4. ربما كانت الأيام القتالية المعدودة بين الهند وباكستان عام 2025، دليلاً على حجم التعاون الصيني الباكستاني في الميدان العسكري. يقرأ عدد من المراقبين التوتر بين باكستان والهند، لا كتوتر عابر بين بلدين، ولكن أيضاً تعبيراً عن توترات دولية، تمثل باكستان فيها اقتراباً أكبر للشرق، وتمثل فيها الهند اقتراباً أكبر لواشنطن و"إسرائيل".
5. ثمّة أدوار وساطة متبادلة تتنقل على خط طهران-إسلام أباد، ففي الوقت الذي تلعب فيه باكستان دور الوسيط بين طهران وواشنطن، كذلك طهران مؤهلة للعب دور وساطة وازن بين إسلام أباد وكابول.
باكستان لاعب إقليمي وازن، تطوّرت طبيعة علاقاته الدولية خلال العقدين الماضيين، تحديداً في شق العلاقة مع الصين، وقد يكون تصاعد انخراطه في قضايا المنطقة عاملاً مؤثراً يسير في عكس اتجاه المخططات الإسرائيلية.