اليمن والخليج: ولادة "قوس المضائق" الاستراتيجية؟

الربط الحالي بين مضيق هرمز وباب المندب لا ينبغي فهمه فقط كترابط جغرافي بين نقطتين بحريتين، بل كتشكّل "محتمل" لمنظومة ردع جيواقتصادية تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.

0:00
  • اليمن. والخليج. بين باب المندب ومضيق هرمز.
    اليمن. والخليج. بين باب المندب ومضيق هرمز.

منذ عقود كانت أحد أهداف الاستراتيجية الكبرى الأميركية هي حرية الحركة في المناطق الحيوية والقدرة على السيطرة والتحكّم بممرات التجارة والطاقة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. وكانت منطقة الخليج هي أحد أهمّ هذه المناطق الحيوية.

وفي أواخر السبعينيات، تحدّث مستشار الأمن القومي الأميركي والمفكّر الاستراتيجي زبيغنيو بريجنسكي عن "قوس الأزمات" الممتدّ من القرن الأفريقي إلى جنوب آسيا باعتباره منطقة هشاشة سياسية قابلة للاختراق والتوظيف الجيوسياسي.

في سياق الحرب الباردة، رأى بريجنسكي أنّ هشاشة هذه المنطقة قد تتيح للاتحاد السوفياتي توسيع نفوذه جنوباً، بما يهدّد المصالح الاستراتيجية الأميركية والوصول إلى مناطق الطاقة والممرات البحرية في المحيط الهندي والخليج. 

ولا شكّ أنّ تطوّرات عام 2026 والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما تلاها، تعيد تأكيد أهمية تلك المنطقة استراتيجياً. وإذا كانت أفغانستان في الثمانينيات تمثّل أهمية بسبب موقعها البري داخل التنافس السوفياتي الأميركي، فإنّ اليمن في عام 2026 يكتسب أهميته من قدرته المحتملة على التأثير في واحد من أهمّ مسارات التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة تقدّم أنصار الله في الساحل الغربي اليمني والسيطرة على المخا وجزيرة ميون (بريم) وبعض الجزر الأخرى، باعتباره تحوّلاً في ميزان القوة على مستوى النظام الإقليمي بأكمله.

بين باب المندب ومضيق هرمز

بسبب التطوّر الجاري والاعتماد المتبادل بين الدول، فإنّ نقاط الربط الحيوية داخل الشبكات الاقتصادية العالمية باتت أدوات قوة بحدّ ذاتها، لأنّ تعطيلها أو التهديد بتعطيلها ينعكس فوراً على أسواق الطاقة والتجارة والتأمين والنقل البحري.

وتكمن الأهمية الاستراتيجية لمناطق الاختناقات البحرية في القدرة على بسط النفوذ عليها، حتى لو لم يتمّ إغلاقها. عملياً، لا يحتاج التأثير الاقتصادي العالمي إلى إغلاق كامل للممرات البحرية، بل يكفي رفع مستوى المخاطر، وزيادة كلفة التأمين، وإجبار الشركات على تعديل خطوط الملاحة، لكي تتحقّق نتائج استراتيجية كبيرة. 

وبناءً عليه، يشكّل تقدّم القوات المسلحة اليمنية وسيطرتها على المناطق الحيوية المشرفة على باب المندب، تحوّلاً دراماتيكياً في موازين القوى الإقليمية. إنّ القيمة الاستراتيجية لما حقّقه أنصار الله في اليمن لا تُشتقّ فقط من المساحة الجغرافية التي باتوا يسيطرون عليها، وإنما من كونهم باتوا يشرفون على إحدى "البوابات" التي تمرّ عبرها حركة التجارة بين الشرق والغرب.

"قوس" المضائق الاستراتيجية

تبرز الأهمية النوعية لباب المندب ومضيق هرمز باعتبارهما جزءاً من البنية التحتية للاقتصاد الدولي. فالعولمة المعاصرة لم تُلغِ الجغرافيا، بل زادت من قيمة بعض المناطق الحيوية، من خلال زيادة الاعتماد على سلاسل الإمداد البحرية. وبهذا المعنى، فإنّ السيطرة أو مجرّد القدرة على التأثير في مضيقَي هرمز وباب المندب تمثّل في الوقت نفسه تهديداً عسكرياً مباشراً وأداة ضغط هيكلية على الاقتصاد العالمي. 

إنّ التطوّرات الجارية بعد الحرب على إيران، تؤشّر إلى انتقال المنطقة من نموذج "قوس الأزمات" الذي وصفه بريجنسكي إلى نموذج حالي يمكن تسميته "قوس المضائق الاستراتيجية". خلال سبعينيات القرن الماضي كان مصدر القلق الأميركي يتمثّل في انهيار الأنظمة السياسية وصعود الفوضى داخل تلك المنطقة. أما اليوم، فإنّ التحدّي الأكثر خطورة لا يكمن في هشاشة الدول بقدر ما يكمن في قدرة الفاعلين الإقليميين وغير الدولتيين على التأثير في الممرات التي تربط الاقتصاد العالمي ببعضه البعض.

في هذا النموذج الجديد لم تعد السيطرة على الجغرافيا وحدها كافية لقياس القوة؛ فقد أصبحت القدرة على التأثير في نقاط العبور والبنية التحتية الحيوية مصدراً إضافياً للقوة، وهو ما يجعل صانع القرار الإيراني يضع السيطرة على مضيق هرمز وإقامة ترتيبات سيادية عليه بعد انتهاء الحرب أولوية تتقدّم على مسألة تغيير العقيدة النووية الإيرانية.

في النتيجة، إنّ الربط الحالي بين مضيق هرمز وباب المندب لا ينبغي فهمه فقط كترابط جغرافي بين نقطتين بحريتين، بل كتشكّل "محتمل" لمنظومة ردع جيواقتصادية تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.

وفي حال استطاعت إيران وحلفاؤها في تكريس هذا الترابط وإعادة تشكيل منظومة ردع جديدة مختلفة بنيوياً عمّا كانت عليه منظومة الردع القديمة، فإنه قد يفرض على القوى الكبرى إعادة النظر في بعض الافتراضات الاستراتيجية التي هيمنت على التفكير الغربي منذ نهاية الحرب الباردة، ومفادها أنّ التفوّق العسكري كافٍ لضمان أمن تدفّقات التجارة والطاقة العالمية، والهيمنة على توازن القوى في المنطقة.