النظام الدولي الليبرالي القائم على القواعد لم يمت لأنه لم يكن!

دائمًا كان النظام الدولي القائم على القواعد والمبادئ مجرد عرضٍ تقدمه مجموعة من الدول بقيادة قائد السيرك أمام عالمٍ أُجبر على المشاهدة!

  • العالم الإسلامي مسرح الموت والدمار!
    العالم الإسلامي مسرح الموت والدمار!

كان النظام الدولي الليبرالي القائم على القواعد والمبادئ أعظم عرض مسرحي على وجه الأرض، وهو لم يمت، لأنه لم يعش قط!

يقول المفكر الإيرلندي، شين فيتزجيرالد، لكي يموت شيء ما، لا بد أنه عاش في المقام الأول. ولكي ينهار شيء ما، لا بد أنه كان قائمًا شامخًا في وقت ما. لكن النظام الدولي الليبرالي القائم على القواعد، كأساس أخلاقي سياسي لارتقاء البشرية – للجميع وبالجميع – لم يكن موجودًا قط. 

ما حصلنا عليه بدلًا من ذلك هو نظام انتقائي مُنتزع من شريحةٍ مُحددةٍ من البشرية. ما حصلنا عليه هو الرعب والفزع والغطرسة والنفاق، وكل شيءٍ وأي شيء يُمكن تبريره لأنه لم يكن هناك سوى قاضٍ واحدٍ مؤهلٍ ليُخبرنا من يقف على الجانب الصواب ومن يقف على الجانب الخطأ من التاريخ والإنسانية. 

كلماتٌ مُنمقة، ووجوهٌ مُبتسمة، ومُجردات عظيمة، مجيدة، مُذهّبة يُمكنها إخفاء أي شيء تقريبًا عند استخدامها بشكلٍ صحيح – الديمقراطية، حقوق الإنسان، الليبرالية، العدالة، الحرية – هذا ما كان يُقدّم إلينا يوميًا بلا انقطاع على مدى 75 سنة.

نيات السيرك

ما حصلنا عليه كان أضخم استعراض مسرحي على وجه الأرض، وقائد سيرك يُصوَّر كحارس أخلاقي.

بعض المؤدين للأدوار انغمس تمامًا في مشهد فرضه على العالم، بينما استخدمه آخرون وسيلة لترويج صفقة خاسرة. راوحت نيات السيرك بين الصدق والشك والخيانة.

عندما كانت النيات صادقة، اعتقد البعض أن قوة أقوى دولة في التاريخ، الولايات المتحدة، يُمكن تسخيرها لإرساء عهدٍ جديد من السلام والازدهار، والارتقاء بالإنسانية لآفاقٍ لم تخطر على بال.

أما عندما كانت النيات مشكوكًا فيها، فقد دخل المال والسلطة في المعادلة. 

وعندما كانت النيات خبيثة، سيطرت نزعة قومية شوفينية متطرفة، متعطشة للسلطة، ومتعصبة حضاريًا.

مهما حاولنا تطبيق ذلك، فإن إعادة تأهيل المجتمع الدولي كان محكومًا عليها ابتداءً بالفشل، لأنها تناقض الطبيعة البشرية، وتتنافى مع عدة قوى أساسية تربط السياسي بالاجتماعي والنفسي: الشرعية، تقرير المصير، السيادة، القدرة على الفعل.

كما شكلت ثوابت كالبُعد الجغرافي قيودًا كبيرة، وكذلك الاختلافات الثقافية وتباين القيم الشاسع، فضلًا عن مزيج جهل وغطرسة انطلقت منه الولايات المتحدة في مشروعها الضخم، والإفراط في تقدير ما يمكن تحقيقه بالقوة. 

إنّ "سيرك الليبرالية" في جوهره تناقض صارخ وانحراف عن الليبرالية. فهو يدوس على الحقوق والحريات التي يُمارس باسمها تجارته. لكنّ أشدّ ما يُدين هذا السيرك هو حجم الموت والدمار الذي خلّفه وراءه. 

العالم الإسلامي مسرح الموت والدمار

يرصد فيتزجيرالد تقديرات تظهر مقتل 940 ألف شخص بشكل مباشر بأعمال العنف الناجمة عن حروب الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن وباكستان بين عامي 2001 و2023. وكلها وقعت في العالم الإسلامي.

ويراوح القتلى بشكل غير مباشر بين 3.6 و3.8 ملايين شخص. وبذلك، يصل إجمالي القتلى لنحو 5 ملايين، وهذا لا يشمل ليبيا والصومال.

ونزح 38 مليون شخص في أفغانستان والعراق وباكستان واليمن والصومال والفيليبين وليبيا وسوريا. ولا يزال 7.6 ملايين طفل دون الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد حتى عام 2023 كنتيجة مباشرة لحروب أميركا في الشرق الأوسط وأفريقيا. 

هل يوجد ما يبرر القتل والمجازر بهذا المستوى؟ كلا، لا مبرر، لكن لو كانت هناك تحسينات واضحة وملموسة في حياة الناس والمجتمع ككل، كما فعلت الصين، لأمكن تبرير جوانب إيجابية. لكن لا وجود لها هنا. 

لم يتحقق أي من وعود قائد السيرك، أو ما يُعرف بالأمة التي لا غنى عنها. بل أصبح الوضع أسوأ بكثير الآن  للأطراف المعنيين كافة، مما كان عليه قبل بدء كل هذا. 

قُتل خلق كثير من الناس؛ وكل دولة طالتها يد التمدن الأميركية تفاقمت حالها سوءًا؛ فانتشر وتفاقم التطرف والإرهاب وعدم الاستقرار؛ والديمقراطية لم تترسخ في الشرق الأوسط فقط، بل تراجعت باستمرار عالميًا خلال العقود الماضية؛ ونشهد أوقاتًا أكثر اضطرابًا وانقسامًا مما كانت عند بدء حروب الولايات المتحدة. هذه هي ثمار الحرب على الإرهاب ومشروع أميركا العالمي الضخم لعولمة نموذجها. 

كذبة النظام الليبرالي الكبرى

والآن يُقذف بالعالم إلى ما كان نظامًا دوليًا قائمًا على القواعد، وما الغاية منه؟ 

فإذا كان بإمكان بعض الدول خرق كل قاعدة وقتما تشاء، وتبرير ذلك بإعلان رؤى غامضة كبرى لمستقبل لم يتحقق بعد، رغم كل الأدلة الحالية على الدمار الذي لحق به، وكل ما يشير لاستحالة وجود هذا المستقبل، فإننا لا نعيش في ظل نظام قائم على القواعد مسبقًا. لقد شهدنا، وما زلنا نشهد، نظامًا طبقيًا مكتوبًا ومفروضًا دوليًا، مع كاهن أعلى يستحضر قانونًا كونيًا كهنوتيًا لإبقاء الوضع القائم. هذا ما كان عليه الوضع، وما هو عليه الآن، وما سيؤول إليه.

هذه هي الكذبة الكبرى التي تكمن في صميم النظام الليبرالي القائم على القواعد:

بالنسبة لقائد السيرك: يمكنه دائمًا كسر جميع القواعد، ولا تنطبق أي منها عليه. 

بالنسبة لكم: إياكم وكسر أي قاعدة، وتنطبق جميعها دائمًا عليكم. 

هذا ما سمح لقائد السيرك بفعل ما يشاء، وأتاح لمن يحظى برضاه الإفلات من العقاب حتى على جرائم القتل. دولة واحدة تجسد الجوهر المظلم لنظام طبقات السيرك، والذي اختزل في خلاصة مظلمة متغولة: "إسرائيل" الصهيونية. 

كانت الحركة الصهيونية مشروع الغرب الأثير على مدى القرن الماضي، حيث لعبت بريطانيا دور الراعي قبل أن تسلمه للولايات المتحدة.

تأسست الدولة الإسرائيلية على خطيئة أصلية وجريمة شنيعة. إنها التجسيد العلماني للاستثنائية السماوية، وتتغذى على أيديولوجية تفوق عنصري متغولة لأقصى حد. لقد تفاقمت ممارساتها اللاإنسانية والمروعة باطراد، وبلغت ذروتها في محرقة الشعب الفلسطيني بغزة، واعتداءاتها المتفرقة على جيرانها، وبلغ عددها ستة على الأقل عام 2025، إضافة إلى هجمات قبالة سواحل ثلاث دول أخرى. 

البنية الفوقية الليبرالية

وبمزيج غير مسبوق من المال والأيديولوجيا، استطاعت الصهيونية ترسيخ نفسها في أعماق العقل السياسي الغربي الجمعي. وقد أسهمت النزعة الليبرالية الراديكالية الدوغمائية، التي تُعلن "إسرائيل" مثالاً يُحتذى به في الفضيلة الديمقراطية مهما فعلت، في جعل الكيان مُتقبَلاً تماماً لهذه العملية. تضافرت هذه الخيوط المختلفة لتشكل بنية ذاتية الدفع، تسير بثبات بالاتجاه نفسه. وكلما ازداد تطرف "إسرائيل"، ازداد تطرف المؤسسة السياسية الأميركية والأوروبية في حمايتها. كلما ازدادت جرائم القاتل المتسلسل سوءًا، ازداد دعم الغرب وتحريضه على الإبادة الجماعية، وازداد قمعه لكل من تجرأ على الكلام. وكلما سحقت "إسرائيل" كل قانون، ازداد الجهد المنسق للسماح بذلك، والاعتذار عنه، وتبريره. 

يشبّه فيتزجيرالد "إسرائيل" بسيرك شاذ غريب الأطوار. ويجب أن يكون بغيضًا وكريهًا لأقصى حد، لأن الحقيقة الوحيدة في أضخم عرض على وجه الأرض هي مشهدية المشهد نفسه. إلى أي مدى يمكن أن تتسع الهوة بين القول والفعل، بين المجرد والملموس، بين الواقع والحقيقي؟ 

إن المسافة الشاسعة بين هذه النقاط هي جوهر خيمة السيرك الليبرالية، وسبب وجودها توسيع الفجوة لأبعد مدى. "إسرائيل" الصهيونية ليست شذوذًا؛ إنها نوع متطرف ناتج عن التطور الطبيعي للبنية الفوقية الليبرالية. 

الفرق بين الآن وبداية السيرك هو ببساطة أنه لم يتبقَّ سوى العرض غريب الأطوار. انهارت كلّ مظاهر البذخ والأكروبات والاستعراضات البراقة. وسُحقت أفكار ساذجة ملأت رؤوسنا لآلاف الأشلاء. قد لا يزال بعضنا يؤمن بشيءٍ ما، وبعضنا الآخر لا يؤمن ولن يؤمن أبدًا. وبعضنا الآخر أدرك منذ البداية أن الأمر برمّته لم يكن سوى قسوة وكذب وحماقة وخبث. 

مسرح مرعب للوحشية

قال رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، هذا الكلام عن النظام الدولي الليبرالي القائم على القواعد في دافوس منذ أسبوعين (20 كانون الأول): 

"كنا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت زائفة "جزئيًا". وأن الأقوياء سيستثنون أنفسهم متى كان ذلك مناسبًا لهم. وأن قواعد التجارة تُطبّق بشكل غير متماثل. ونعلم أن القانون الدولي يُطبّق بصرامة متفاوتة تبعًا لهوية المتهم والضحية". 

يستطرد فيتزجيرالد، من المثير للاهتمام كيف أن كيانات قوية كالأنظمة والإمبراطوريات تُفصح أحيانًا عن حقيقتها، وما كانت عليه، غالبًا في لحظات احتضارها. ويُقدّر لكارني شجاعته وصراحته، وتصدّيه البليغ لكذبة الليبرالية الدولية الأساسية. مع ذلك، وبكل احترام للسيد كارني، ينبغي حذف كلمة "جزئيًا". 

دائمًا كان النظام الدولي القائم على القواعد والمبادئ مجرد عرضٍ تقدمه مجموعةٌ من الدول بقيادة قائد السيرك أمام عالمٍ أُجبر على المشاهدة. بعض من يؤدون الأدوار انغمسوا تمامًا في التمثيل، وبعض المشاهدين أدركوا أنه مجرد تمثيل منذ اليوم الأول. كانت قوة الحياة الأساسية لهذا النظام هي دفع الحدود بين الأقوال والأفعال لأقصى مستويات السخف، لينهار كل شيء كاشفًا فظاعة مُطلقة في جوهره. 

وإن كنا صادقين، فربما عرف معظمنا منذ زمنٍ طويل أن أضخم عرضٍ على وجه الأرض لم يكن سوى مسرح مرعب للوحشية، استغل أنبل تطلعاتنا الإنسانية ضدنا.