الصين ومذكرة تفاهم إسلام آباد: الدور الاستراتيجي في إنهاء الحرب على إيران

رحّبت بيجين بالاتفاق واعتبرته خطوة إيجابية نحو خفض التصعيد، لكنها أبدت في الوقت نفسه حذراً إزاء المرحلة المقبلة، معتبرة أنّ المفاوضات السياسية ستكون أكثر تعقيداً من التوصّل إلى وقف إطلاق النار.

0:00
  • : الدور الاستراتيجي في إنهاء الحرب على إيران.
     الصين: الدور الاستراتيجي في إنهاء الحرب على إيران.

في تطوّر وُصف بأنه اختراق دبلوماسي بارز لأزمة استمرت أكثر من ثلاثة أشهر، أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصّل إلى مذكّرة تفاهم تمهّد لوقف إطلاق النار وفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد. ورغم أنّ واشنطن وطهران تصدّرتا المشهد السياسي والإعلامي، فإنّ الوصول إلى هذا التفاهم جاء نتيجة تحرّكات دبلوماسية واسعة شاركت فيها عدة أطراف إقليمية ودولية.

فخلال الأشهر الماضية، نشطت الدبلوماسية الباكستانية عبر سلسلة من الاتصالات والزيارات الهادفة إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة. ومع تعنّت كلّ طرف بشروطه وتجدّد الضربات الأميركية على إيران، وتصاعد التوتر الإقليمي عقب استهداف "إسرائيل" للضاحية الجنوبية لبيروت وما تبعه من ردود متبادلة، ازدادت المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

كما أدّى تعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى تعميق القلق الدولي، بعدما انعكس ذلك على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. وفي هذا السياق، تحرّكت عدة دول إقليمية، من بينها قطر والسعودية ومصر وتركيا، سعياً إلى احتواء الأزمة، وأسفرت جهودها الدبلوماسية عن توافق مبدئي بين الأطراف المعنية على وقف إطلاق النار والشروع في مفاوضات تتناول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات المفروضة على طهران.

وجاء الاتفاق أيضاً بعد سلسلة من المشاورات المكثّفة بين إيران وكلّ من الصين وروسيا. فقد عقد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي اجتماعاً مع سفيري الصين وروسيا لدى إيران قبيل الإعلان عن التفاهم، جرى خلاله بحث التطوّرات السياسية وتبادل وجهات النظر بشأن مستقبل المفاوضات. وأكّد آبادي في منشور عبر منصة "إكس" استمرار الشراكة الاستراتيجية والتنسيق الوثيق بين الدول الثلاث.

ورغم أنّ بيجين لم تعلن رسمياً عن دور مباشر في بلورة التفاهم، فإنّ العديد من المؤشرات تعكس انخراطها الفاعل في جهود التهدئة. فقد عملت الصين بالتنسيق مع باكستان على طرح مبادرة مشتركة من خمس نقاط لاحتواء الأزمة، كما حافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف المعنية بالصراع.

وكان المتحدّث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قد أشار في أواخر أيار/مايو إلى أنّ الصين أدّت دوراً بنّاءً في مختلف المسارات المرتبطة بالمفاوضات النووية الإيرانية. كما استقبلت بيجين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي قبل زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إليها، في إطار مشاورات مكثّفة تناولت مستقبل الأزمة.

وشهدت العاصمة الصينية خلال الفترة نفسها سلسلة لقاءات رفيعة المستوى، من بينها اجتماعات للرئيس الصيني شي جين بينغ مع كلّ من ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إضافة إلى استقبال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، حيث كانت الحرب بين واشنطن وطهران من أبرز الملفات المطروحة على جدول الأعمال.

تعكس كثافة اللقاءات التي استضافتها بيجين خلال الأزمة سعي الصين إلى ترسيخ موقعها كقوة دبلوماسية قادرة على التواصل مع جميع الأطراف المتنافسة. فالصين تمتلك علاقات استراتيجية مع إيران، وشراكة اقتصادية واسعة مع دول الخليج، وقنوات اتصال مستقرة مع الولايات المتحدة وروسيا، ما يمنحها هامش حركة لا يتوافر لكثير من القوى الدولية الأخرى.

وقد لمّح ترامب نفسه إلى دور الصين في التوصّل إلى مذكّرة التفاهم عندما أشار إلى أنّ الرئيس الصيني أبدى اهتماماً بالمساعدة في احتواء الأزمة.

وبعد الإعلان عن التفاهم، رحّبت بيجين بالاتفاق واعتبرته خطوة إيجابية نحو خفض التصعيد، لكنها أبدت في الوقت نفسه حذراً إزاء المرحلة المقبلة، معتبرة أنّ المفاوضات السياسية ستكون أكثر تعقيداً من التوصّل إلى وقف إطلاق النار.

ويعود هذا الحذر إلى إدراك الصين لحجم التباينات القائمة بين واشنطن وطهران، سواء في ما يتعلّق بالبرنامج النووي الإيراني أو بالعقوبات الاقتصادية أو بالقضايا الإقليمية المرتبطة بأمن الخليج ولبنان.

كما أنّ أزمة الثقة المتراكمة بين الجانبين تظلّ أحد أبرز التحدّيات أمام أيّ اتفاق دائم خاصة أنّ إيران أظهرت مراراً خلال السنوات الأخيرة حسن نية ودخلت في مفاوضات غير مباشرة مع أميركا حول برنامجها النووي، ولكنّ واشنطن كانت تماطل وقامت بقصف إيران خلال عملية المفاوضات. فضلاً عن أنّ طهران لم تعد تعوّل على الخطاب السياسي للرئيس ترامب، إذ أصبحت مواقفه المتذبذبة تمثّل بالنسبة لها مؤشّراً على عدم الاستقرار، مما دفعها للبحث عن ضمانات وطلبت من بيجين أن تكون الضامن لأيّ اتفاق مع واشنطن.

ومن المحتمل أيضاً أن تنظر بيجين بقلق إلى العامل الإسرائيلي، إذ تخشى أن تؤدّي أيّ خطوات تصعيدية من جانب "تل أبيب" إلى تقويض مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، خصوصاً في ظلّ تمسّك طهران بربط أيّ تسوية إقليمية بوقف الحرب على الجبهة اللبنانية وانسحاب "إسرائيل" من الأراضي اللبنانية.

وتنسجم بنود مذكّرة التفاهم إلى حدّ كبير مع المبادئ التي تضمّنتها المبادرة الصينية ـــــ الباكستانية، وفي مقدّمتها الوقف الفوري للعمليات العسكرية، وإطلاق مسار تفاوضي مباشر، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة خلال المفاوضات، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى العمل تحت مظلة الأمم المتحدة لتوفير إطار دولي داعم للسلام. ومن المتوقّع أن يُحال الاتفاق النهائي، في حال التوصّل إليه، إلى مجلس الأمن الدولي لمنحه الشرعية الدولية اللازمة.

لقد انخرطت بيجين بشكل منفصل مع كلّ من طهران وواشنطن لدفع الطرفين نحو منتصف الطريق وتقديم تنازلات متبادلة. وربما بعد دخول الولايات المتحدة الأميركية وإيران في مفاوضات خلال مهلة الستين يوماً قد تسعى الصين إلى العمل لتطبيق المبادرة الصينية للسلام والتي طرحها الرئيس شي جين بينغ في نيسان/أبريل الماضي والمؤلفة من 4 نقاط لتعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج وتخفيف التوترات عبر استضافة مسؤولين إيرانيين وخليجيين.

وتنبع أهمية الاستقرار بالنسبة للصين من مصالحها الاقتصادية المباشرة، إذ تعتمد بصورة كبيرة على واردات النفط المقبلة من الخليج وإيران عبر مضيق هرمز. وقد أدّى التوتر الأمني خلال الأشهر الماضية إلى تراجع تدفّقات النفط الخام نحو السوق الصينية، ما انعكس على نشاط المصافي ومستويات الإنتاج الصناعي.

ولا يرتبط الموقف الصيني فقط بأمن إمدادات الطاقة، بل أيضاً برؤية أوسع تسعى من خلالها بيجين إلى حماية استثماراتها ومشاريعها المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. فاستمرار الحرب كان سيهدّد الاستقرار في واحدة من أهمّ المناطق التي تعتمد عليها الصين اقتصادياً، كما كان سيمنح الولايات المتحدة فرصة أكبر لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما لا يتوافق بالضرورة مع المصالح الصينية.

إنّ مذكّرة التفاهم الحالية لا تمثّل سوى خطوة أولى على طريق طويل ومعقّد. فالقضايا الجوهرية، وفي مقدّمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، ومستقبل النفوذ الإقليمي، والوجود العسكري الأميركي في الخليج، لا تزال مطروحة على طاولة التفاوض من دون حلول نهائية.

ومع ذلك، تبدو واشنطن معنية بخفض مستوى الانخراط في المواجهة مع إيران والتركيز على ملفات دولية أخرى، ولا سيما الحرب في أوكرانيا والتنافس مع القوى الكبرى. فقد أقرّ ترامب بفشل محاولة تغيير النظام في إيران وأعلن خلال قمة مجموعة السبع التي عقدت مؤخراً أنّ ملف إيران يتراجع إلى المرتبة الثانية وواشنطن ستركّز على النزاع مع أوكرانيا. إلا أنّ نجاح المفاوضات خلال مهلة الستين يوماً المقرّرة سيظل رهناً بقدرة الطرفين على تجاوز أزمة الثقة العميقة التي تراكمت على مدى سنوات.

حرصت طهران بشكل مستمر على التواصل والتنسيق الوثيق مع بيجين بشأن مسار المفاوضات مع واشنطن، وهو نهج يبدو مرشحاً للاستمرار خلال الجولات المقبلة، بما يعكس الأهمية المتزايدة للدور الصيني في معادلات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.