أزمة السيولة المالية ومحاولات الابتكار
هل يمكن للمؤسسات الدولية العمل على إنشاء صندوق طوارئ للسيولة المالية بالنسيق مع سلطة النقد؟ وهل يمكن دعم البنوك المحلية لتستعيد قدرتها على العمل؟
-
السياسة المالية تستطيع إغلاق المعابر من دون أن تعلن عن ذلك.
قبل أيام أخبرني زميلي في الجامعة، أنّ أحد طلبة الدكتوراة ممن يشرف على دراستهم، يبحث في موضوع السيولة المالية والابتكار، خصوصاً في مناطق النزاع؛ كالأراضي الفلسطينية ومخيمات اللجوء في السودان وبنغلاديش وكينيا وأوغندا وتشاد وغيرها، طالباً مني السماح له بتقديمي لذلك الطالب من أجل عقد مقابلة حول معضلة النقد في ظلّ الحصار على قطاع غزة كأحد بيئات الدراسة.
ولا أكذب إن قلت إنّ ذلك الحديث المقتضب عن الأزمة المالية، أعادني إلى القلق والخوف مرة أخرى؛ ليواجهني بما أوشكت على نسيانه في ظلّ انسيابية الحياة في أوروبا.
حينذاك كان سؤالنا في شمال غزة: كيف نستطيع الوصول إلى المال؟ وليس: هل نمتلك المال؟ حيث كان الموظف بانتظار وصول الراتب إلى البنك، وآخر كان بانتظار وصول حوالة مالية من مؤسسة إغاثية أو دولية، وآخر بعث لعائلته بعض الدولارات لأجل إسنادهم مالياً في ظلّ حصار القطاع، لكنّ تلك الأموال ظلت ولوقت طويل مجرّد أرقام معلّقة في الهاتف، أو وعد مؤجّل خلف أبواب البنوك المغلقة.
وبالحديث عن هذا الموضوع اليوم مع الحديث عن توقّف الشراكة بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية، لا تبدو أزمة السيولة النقدية مجرّد تفصيل اقتصادي في بلد أنهكته الحرب، بل أداة من أكثر صور الحصار فتكاً، حيث عجزنا في حينه عن توفير متطلبات الحياة، من طعام أو شراب. والأكثر عجزاً حين أصبح النقد نفسه سلعة، فمن أراد أن يحصل على ماله نقداً، وجب عليه أن يدفع عمولة وصلت إلى ما نسبته 40% من قيمة المبلغ. فهل للمرء أن يتخيّل كيف يمكن للمواطن المذبوح أن يتنازل عن هذه النسبة في ظلّ ظروف استثنائية وارتفاع كبير في الأسعار؟
كان يعيش قطاع غزة قبيل الحرب على نكبات وأزمات مالية غير عادية، لكنّ بعض قنوات السيولة المالية مثل دخول شحنات محدودة من النقد الورقي إلى البنوك من الضفة الغربية، ورواتب بعض المؤسسات الدولية، وصولاً إلى تحويلات عمال الأراضي المحتلة المالية لفروع بنك فلسطين وغيره بقطاع غزة، إضافة إلى المساعدات النقدية التي كانت تدخل بالحقيبة عبر السفارة القطرية؛ فهي لم تكن مثالية، لكنها كانت كافية لإبقاء دورة الحياة المالية اليومية قيد الحركة.
مع اندلاع الحرب على غزة، تمّ إغلاق النوافذ تدريجياً، تعليق التحويلات، تدمير معظم الفروع المصرفية، وتعطّل العمل البنكي، وانهيار الثقة.. هكذا اختفت السيولة من كلّ مدن قطاع غزة، ليس لأنها غير موجودة نظرياً، ولكن لأنها لم تعد قادرة على الحركة، وبدأ الاقتصاد يعود إلى أشكال بدائية وقاسية: عملاء ووسطاء وسوق موازية واحتكار وخوف دائم من الغد.
وبدأت طبقة جديدة من المعاناة، فإلى جانب شحّ الطعام والدواء والوقود، ظهرت ندرة النقد، ليس ذلك فقط، بل عمد الاحتلال إلى استخدام عملائه على الأرض بصناعة مزيد من الأزمات التي تراكمت لاحقاً لتزيد الطين بِلّة. إذ صار بعض التجار يرفضون فئة "عشرة شواكل" المعدنية، وباتت كأنها بلا قيمة، وصار امتلاكها يشبه امتلاك عملة بائدة، لا تساوي شيئاً. كما حاول آخرون رفض التعامل مع فئة "عشرين شيكلاً" الورقية، وحين عجزوا عن تحقيق ذلك، صاروا يرفضون العملات المهترئة، إذ إنّ وجود ثقب صغير، يدمّر القيمة المالية لأيّ عملة حتى لو كانت جديدة، والأدهى من ذلك صار التجار الصغار والباعة يرفضون العملات التي يوجد بها أيّ تمزّق حتى لو كان صغيراً، وهو ما يخالف قوانين وتشريعات الاقتصاد والنقد العالمي؛ فراجت حرفة جديدة تتمثّل في إصلاح العملات الورقية في الأسواق، لكنها أيضاً كانت عاجزة عن إصلاح كلّ المبالغ المتوفّرة في القطاع، والتي لم يتمّ استبدالها قبيل الحرب.
لذلك، ومع كلّ أزمة مالية، تظهر أسواق الظلّ، وباتت خطورة السوق النقدية الموازية أنها لا تبيع سلعة كمالية، بل القدرة على الحياة اليومية، حتى التطبيق الإلكتروني "بنكي" أو "بال بي" لا يمكنه تعويض النقد، في ظلّ انقطاع الكهرباء والإنترنت، وعدم امتلاك الكثير من المواطنين للأجهزة الذكية.
ولعلنا بهذا المعنى ندرك أنّ السياسة المالية تستطيع إغلاق المعابر من دون أن تعلن عن ذلك، فتوقّف استيراد البضائع يتمّ من خلال وقف التحويلات المالية، وخنق السوق بصناعة الندرة والمزيد من الغلاء ومزيد من الارتهان للوسطاء الذين لا يأبهون بما يجري على الأرض. إذ مع شحّ السيولة وجد بعض التجار فرصة لاحتكار النقد وبيعه بعمولات مرتفعة.
والسؤال الذي راودني عندما تحدّث معي زميلي فيما يتعلّق بالابتكار هو: هل عندما لجأ المواطن الغزّي إلى تطبيق بال بي" أو "بنكي" هو نوع من التكيّف القسري؟ خصوصاً بعد فشل نظام المقايضة؟ ثمّ وعلى النقيض من هذه الأسئلة: ما هو الهدف من التضييق المالي؟ هل هو محاولة لتجاوز النظام المصرفي الفلسطيني ورغبة بإنشاء عملية محلية رقمية خاصة بقطاع غزة كما تتمّ الإشارة إليه مؤخّراً لأسباب أمنية وعسكرية؟
أعرف أنّ العالم يتحدّث عن التحوّل الرقمي والمحافظ الإلكترونية والابتكار المالي، لكنّ غزة ليست مختبراً تقنياً محايداً، لأنّ أيّ حلّ يجب قياسه بالسيادة وليس الحداثة. فالابتكار لا يبدأ من اختراع نظام مالي جديد، بل حماية ما تبقّى من النظام القائم وتطويره، باختصار: إسناد المنظومة المصرفية الفلسطينية المتمثّلة بسلطة النقد الفلسطينية وحماية العلاقات المصرفية وتنظيم السوق النقدية ومنع الاحتكار، وليس استبدال تلك المنظومة.
أمر آخر يجب تسليط الضوء عليه، خصوصاً بعد إعلان وقف إطلاق النار، والتزام الأطراف الفلسطينيين بالاتفاق، هل يمكن للمؤسسات الدولية العمل على إنشاء صندوق طوارئ للسيولة المالية بالتنسيق مع سلطة النقد؟ وهل يمكن دعم البنوك المحلية لتستعيد قدرتها على العمل؟ كما أنه بالإمكان استثمار الطاقة الشمسية لضمان استمرار الخدمة المالية الرقمية مع إمكانية تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني القائمة، على أن تخضع للرقابة الفلسطينية مع حماية خصوصية المواطن وحقوقه.