الصين وتايوان.. خطوات نحو الوحدة
بكين ترى أن الولايات المتحدة الأميركية تلعب دوراً كبيراً في تأجيج الصراعات في منطقة بحر الصين الجنوبي بشكل عام، وفي قضية تايوان بشكل خاص.
-
فضية تايوان... قضية الأمة الصينية.
فيما انشغل العالم بمتابعة ما يجري في إسلام آباد، إلتقى الرئيس الصيني شي جين بينغ زعيمة المعارضة التايوانية تشنغ لي وون التي قامت بزيارة تاريخية للصين، الهدف منها تقليل حدة التوترات مع الصين التي أعلنت مؤخراً إغلاق الأجواء البحرية وبدء مناورات عسكرية تستمر لمدة أربعين يوماً في محيط الجزيرة.
هذه الزيارة، والتي جاءت بعد الحرب على إيران، تكشف حجم القلق وفقدان الثقة لدى قيادة تايوان تجاه علاقتها مع الولايات المتحدة، ولا سيما بعد عجز واشنطن عن حماية حلفائها في الخليج من ضربات طهران. فكيف ستحمي تايوان من الصين؟
زعيمة المعارضة التايوانية استطاعت تعطيل صفقة السلاح التي وقعتها تايوان مع الولايات المتحدة الأميركية (بقيمة 40 مليار دولار) عشر مرات داخل البرلمان التايواني.
ووصفت تشنغ زيارتها بأنها مهمة سلام تهدف إلى تخفيف التوتر، وأبلغت شي بأنها تتطلع إلى أن يقدم كل من حزبها كومينتانج والحزب الشيوعي الصيني على تعزيز "إضفاء الطابع المؤسسي" للسلام بين الصين وتايوان. بينما أكد الرئيس شي أن "الصين لن تتهاون إطلاقاً في مسألة استقلال الجزيرة، التي تعدها بكين جزءاً من أراضيها".
ما حدث في بكين لا يقل أهمية عن المفاوضات الجارية في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران، بل إن الصين نجحت في "اقتناص اللحظة" نتيجة انشغال الولايات المتحدة بحربها على إيران، وحاجتها لنقل أعداد كبيرة من جنودها الموجودين في اليابان ومنطقة بحر الصين الجنوبي.
لذلك، تحاول تايوان اليوم إعادة تموضعها، والاقتراب من الصين بشكل أوثق، وهو ما يمنح بكين مكسباً استراتيجياً كبيراً، وقد يفتح الباب أمام احتمال ضم تايوان سلمياً في المستقبل.
قضية تايوان... قضية الأمة الصينية
لم يعد السؤال حول "هل ستعود تايوان" مطروحاً لدى الشعب الصيني، بل بات "متى ستعود" هو السؤال الأكثر إلحاحاً لدى القيادة الصينية التي لم تترك مناسبة إلا وأكدت التزامها بحتمية عودة تايوان إلى الوطن الأم.
وكان الرئيس ماو قد أكد أن تايوان ستعود حتماً، وأن ذلك ربما سيحتاج إلى مئة عام، وهو ما يعكس الصبر والإصرار على تحقيق الهدف لدى الشعب الصيني الذي "يحفر البئر بإبرة".
تايوان تجد نفسها اليوم أمام خيارات واضحة، وعليها الاختيار بين أن تصبح "هونغ كونغ" أخرى، أو أن تتحول إلى "أوكرانيا" جديدة.
حزب الكومينتانغ (KMT) هو أحد أكبر الأحزاب السياسية في تايوان. تأسس في عام 1912 بقيادة سون يات سين في الصين القارية، وكان له دور مهم في تاريخ الصين الحديث.
بعد هزيمته في الحرب الأهلية الصينية في عام 1949، فرّ قادة الحزب إلى تايوان، وأصبح الحزب الحاكم فيها من عام 1949 إلى عام 2000. عاد الحزب إلى السلطة في عام 2008، وظل في الحكم حتى عام 2016.
يؤمن الحزب بوحدة الصين، ويتبنى سياسة "الصين الواحدة"، ويعتبر تايوان جزءاً من الصين. ويميل إلى سياسات السوق الحرة والاقتصاد الليبرالي.
زعيمة المعارضة تشينج لي وون هي زعيمة حزب الكومينتانغ، وهي أول امرأة تتولى هذا المنصب. وقد كانت رئيسة تايوان من عام 2012 إلى عام 2016.
يلعب حزب الكومينتانغ دوراً مهماً في السياسة التايوانية، ويعتبر منافساً رئيسياً للحزب الديمقراطي التقدمي (DPP) الحاكم الحالي للبلاد.
المساعي الصينية لاستعادة تايوان...
وفي سعيها لاستعادة تايوان، ركّزت بكين جهودها على محاور داخلية وخارجية، فعلى الصعيد الداخلي اتخذت سلسلة من المبادرات البارزة، من بينها:
- العمل على دعم المعارضة السياسية التايوانية، وخاصة حزب الكومينتانغ، الذي تحوّل إلى أحد أبرز الداعمين لفكرة العودة إلى الوطن الأم، بعد أن كان طرف الانقسام الذي أدّى إلى الحرب الأهلية الصينية (1927–1950) والتي انتهت بهروب قياداته إلى الجزيرة وفصلها عن البر الرئيسي.
- استضافت بكين زعيم حزب الكومينتانغ في الفترة الممتدة من الـ27 من آذار/مارس حتى الـ7 من نيسان/أبريل 2023، وهي الزيارة الأولى له منذ انفصال الجزيرة.
- جرت الزيارة بعيداً عن التغطية الإعلامية التفصيلية أو الإعلان عن لقاءات رسمية مع المسؤولين الصينيين، مع إشارات إلى أن جدول الزيارة شمل عدداً من المناطق والمدن الصينية.
- سعت بكين إلى دعم حزب الكومينتانغ في الانتخابات الرئاسية التي جرت في نهاية عام 2023، لكنه خسر الانتخابات.
- تسعى بكين إلى جذب الشباب التايواني عبر منح دراسية وفرص عمل، وكذلك من خلال إرسال أعداد كبيرة من الطلاب الصينيين للدراسة أو العمل في تايوان.
- يقطن في الصين رجال أعمال تايوانيون يتجاوز عددهم مليون شخص، وتنشط شركاتهم الكبيرة داخل البلاد.
أما على الصعيد الخارجي، فقد اتبعت بكين استراتيجية تقضي بتقليص عدد الدول التي تعترف بتايوان، حيث تشترط لإقامة أي علاقات دبلوماسية مع الصين أن تقطع تلك الدول علاقاتها مع تايوان. فعلى سبيل المثال، كان عدد الدول التي تعترف بتايوان عام 1971 56 دولة. وفي العام 2016، وعند تولّي تساي الرئاسة بلغ هذا العدد 22 دولة. أما في الوقت الحالي فقد تقلص إلى 13 دولة فقط، ومعظمها دول صغيرة أو جزر معزولة.
في العام 2023 قطعت هندوراس علاقاتها مع تايوان، ما اضطر تساي إلى القيام بزيارة ادول أميركا الوسطى، حيث لم يتبقَّ منها سوى دولتين تعترفان بتايوان، وهما بليز وغواتيمالا.
وكانت ناورو آخر دولة ألغت اعترافها بتايوان في يناير 2024، في إطار الاستجابة للضغوط الدبلوماسية الصينية الرامية إلى تقليل عدد الدول التي تعترف بتايوان كدولة مستقلة.
الكتاب الأبيض حول تايوان
تعتبر الصين تايوان جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وتعتبر إعادة توحيد تايوان مع الصين هدفاً استراتيجياً. كما أن موقع تايوان الجغرافي الاستراتيجي في مضيق تايوان يجعلها نقطة مهمة للتحكم في حركة الملاحة البحرية في المنطقة. ولتايوان أهمية اقتصادية، فهي شريك تجاري مهم للصين، وهناك روابط اقتصادية قوية بين البلدين. كما أنها مركز مهم لصناعة التكنولوجيا، وخاصة في مجال صناعة أشباه الموصلات.
في العام 2022 أصدرت الحكومة الصينية "الكتاب الأبيض" بخصوص تايوان، والذي يعد وثيقة رسمية حملت عنوان: "قضية تايوان وإعادة توحيد الصين في العصر الجديد"، الهدف منه شرح موقف الصين وسياساتها بشأن تايوان.
أكد الكتاب أن تايوان جزء لا يتجزأ من الدولة الصينية، وأن هذا الأمر غير قابل للتغيير. وشدد على أهمية إعادة التوحيد السلمي بين الصين وتايوان، وعرض مبدأ "دولة واحدة ونظامان" كحل للمشكلة. كما يرفض الكتاب أي محاولات للاستقلال التايواني، ويعتبرها غير مقبولة. ويشير إلى أن الصين تحتفظ بالحق في استخدام القوة إذا لزم الأمر، لتحقيق إعادة التوحيد.
الهدف من الكتاب تأكيد موقف الصين بشأن قضية تايوان، وإظهار عزمها على تحقيق إعادة التوحيد. ورفض أي تدخل خارجي في قضية تايوان، ويعتبره غير مقبول.
ترى بكين أن الولايات المتحدة الأميركية تلعب دوراً كبيراً في تأجيج الصراعات في منطقة بحر الصين الجنوبي بشكل عام، وفي قضية تايوان بشكل خاص.
مع ذلك، يجب ملاحظة أن الصين تفضل الحذر والتدرج في تعاملها مع تايوان، وتجنب التصعيد الذي قد يؤدي إلى مواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية.