الصراع الإيراني-الصهيوني الأميركي

مركز المواجهة مع المشروع الصهيوني-الإمبريالي ينتقل من المشروع القومي العربي في عهد عبد الناصر إلى إيران، التي باتت تمثل، بحكم استقلالها وتحالفاتها وموقعها الجيوسياسي، أبرز قوة إقليمية منخرطة في الصدام المباشر مع هذا المشروع.

  • الصراع الإيراني-الصهيوني الأميركي
    الصراع الإيراني-الصهيوني الأميركي

على مدى ثمانية عقود، كان العنوان الأبرز في "الشرق الأوسط" هو الصراع العربي - الصهيوني بامتداداته الدولية والإقليمية، قبل أن تأخذه المفارقة التاريخية إلى عنوان جديد هو الصراع الإيراني - الصهيوني.

ولهذه المفارقة حيثياتها ووجاهتها وحقائقها النابعة من ظروف تأسيس الحركة الصهيونية وسياقاتها، ودعم القوى الإمبريالية لها، من الإمبريالية البريطانية إلى الإمبريالية الأميركية.

فالوظيفة الصهيونية تطال المنطقة كلها، وقوى التحرر المشتبكة، بمستويات مختلفة، مع المعسكر الصهيوني - الإمبريالي وأدواته وامتداداته وأبعاده.

وعلى الرغم من خطورة المزاعم الصهيونية بشأن فلسطين في العقل التوراتي، فإن الأبعاد العربية والدولية الأخرى احتلت مكانة أساسية في المشروع الصهيوني ووظائفه، ضمن السياق الجيوسياسي وحرب الطاقة في مجمل الشرق العربي والإسلامي.

من طريق الهند إلى مشروع الدولة العازلة

كانت البداية مع التنافس البريطاني - الفرنسي على السيطرة على طريق الهند الشرقية، ثم على وراثة "الرجل العثماني المريض"، والحاجة إلى إقامة "محطة أو ثكنة" على الساحل الجنوبي لبلاد الشام، أي فلسطين.

وأصبحت هذه الحاجة أكثر إلحاحاً بعد صعود محمد علي باشا في مصر خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر، وتقدم قواته نحو بلاد الشام، وهزيمتها القوات العثمانية ووصولها إلى مشارف الأناضول، وإعلانه عزمه بناء مركز إقليمي قوي انطلاقاً من القاهرة.

وفي هذه اللحظة، عقدت القوى الأوروبية مؤتمر لندن عام 1840، لمنع محمد علي من توسيع دولته ووراثة مناطق واسعة من السلطنة العثمانية.

وانتقل القلق إلى فرنسا، التي كانت أقرب إلى محمد علي، لكنها عُزلت عن اتفاق لندن، فيما حشدت بريطانيا والنمسا والدولة العثمانية قواتها البحرية، وجرى توجيه إنذار إلى محمد علي وإجباره على الانسحاب من بلاد الشام، مقابل تثبيت حكم أسرته وراثياً في مصر. ولم تكتفِ المراكز الاستعمارية الأوروبية بذلك، بل غذّت ودعمت التصورات الصهيونية الرامية إلى إنشاء دولة يهودية عازلة، تفصل مصر عن بلاد الشام.

وفي هذا السياق، ترد رواية متداولة عن مؤتمر آخر يُنسب إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق هنري كامبل بنرمان، ويقال إنه مهّد عملياً لاتفاقية "سايكس - بيكو" ووعد بلفور، لكن وجود هذا المؤتمر والوثيقة المنسوبة إليه لم يثبت تاريخياً بصورة موثوقة.

إسقاط التجربتين المصرية والسورية

استكمالاً لإسقاط التجربة المصرية، أجمعت المراكز الأوروبية الاستعمارية على إسقاط تجربة المؤتمر السوري العام عام 1920، الذي دعا إلى إقامة دولة عربية مشرقية موحدة ورفض المشروع الصهيوني.

وكما انتهت التجربة المصرية بالإنذار الأوروبي والضغط العسكري والبحري، انتهت التجربة السورية بالاحتلال الفرنسي لسوريا، بعد القتال البطولي لأبنائها في معركة ميسلون عام 1920.

ما بعد الحرب العالمية الثانية

بعد الحرب العالمية الثانية، تشكلت معطيات جديدة في السياق العام لأطماع الاستعمار الأوروبي القديم والاستعمار الأميركي الصاعد في المنطقة، كان من أبرزها تعاظم أهمية الموقع الجيوسياسي للمنطقة، وبدايات الاكتشافات النفطية الكبرى، وصعود الاتحاد السوفياتي.

وكان المفكر الجيوسياسي البريطاني هالفورد ماكندر قد وضع، خلال الحرب العالمية الأولى، تصور "الهارتلاند" الأوراسي، الذي تمثل روسيا وآسيا الوسطى قلبه الرئيسي.

كما تحدث عن "هارتلاند جنوبي" يرتبط أساساً بالداخل الأفريقي، في حين وضع منطقة "الشرق الأوسط" ضمن الهلال الداخلي المحيط بالقلب الأوراسي، بوصفها منطقة اتصال وصراع بين القوى البرية والبحرية. وتزايدت الحاجة الإمبريالية إلى مشروع الدولة اليهودية العازلة، حيث أُقيم الكيان الصهيوني فعلياً عام 1948.

وخلال العقد التالي لنهاية الحرب العالمية الثانية، أحكم الإمبرياليون سيطرتهم على الجغرافيا والنفط في المنطقة، عبر إنشاء الكيان الصهيوني، وترسيخ التحالف الأميركي - السعودي بعد لقاء الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس فرانكلين روزفلت، واستبدال الحياد التركي الأتاتوركي بنظام أطلسي فتح تركيا أمام القواعد الأميركية والمؤسسات المالية الغربية والتغلغل الصهيوني.

كما أُسقطت حكومة محمد مصدق في إيران عام 1953، وأُعيد الشاه محمد رضا بهلوي، الذي كان قد غادر البلاد، إلى السلطة.

عبد الناصر وتغيير معادلات المنطقة

بعد أعوام قليلة من ثورة تموز/يوليو في مصر، بدأ المشهد ينقلب، وأخذت المنطقة تفلت تدريجياً من السيطرة الإمبريالية. فإضافة إلى تحرر مصر، أمسك جمال عبد الناصر بعدد من البوابات البحرية والسياسية الأساسية في المنطقة: قناة السويس بعد تأميمها، وباب المندب من خلال دعم الثورة اليمنية، والموانئ السورية بعد الوحدة مع سوريا.

كما دعم القوى الوطنية في لبنان في مواجهة حكم كميل شمعون المدعوم أميركياً، بالتوازي مع إسقاط حكم نوري السعيد في العراق، وإفشال مشاريع الأحلاف الاستعمارية، وسقوط حكومة عدنان مندريس في تركيا.

وتقاطعت السياسة المصرية آنذاك مع عدد من قوى المعارضة الإيرانية المناهضة لنظام الشاه، وإن كانت طبيعة العلاقات المباشرة مع الإمام روح الله الخميني والسيد علي خامنئي، خلال فترات اعتقالهما، تحتاج إلى توثيق أكثر تحديداً. وفي المقابل، لم تتوقف الإمبريالية والتحالف الصهيوني - النفطي عن الدسائس، وصولاً إلى الانفصال السوري عام 1961، وعدوان حزيران/يونيو 1967 وتداعياته المتدحرجة.

وفي كل ذلك، شكّلت إيران في عهد الشاه مفتاحاً أساسياً في المعركة الأميركية على المنطقة وفي الحملة المضادة للمشروع التحرري العربي. وبدأ مصير المنطقة والشرقين العربي والإسلامي يتأثر بالدور الإيراني، بوصف نظام الشاه حليفاً للكيان الصهيوني، وشرطياً إقليمياً ورافعة سياسية وأمنية للأنظمة العربية الرجعية.

إضافة إلى أوجه التعاون الاستخباراتي والسياسي والاقتصادي والعسكري المعروفة بين الأنظمة العربية التابعة للمراكز الإمبريالية وشاه إيران وحليفه الصهيوني، برزت محطات أخرى لهذا التعاون الاستخباراتي، بمشاركة جهاز "الموساد" الصهيوني.

مشروع الاتحاد الكونفدرالي المشرقي

كان من بين هذه المحطات مشروع الاتحاد الكونفدرالي المشرقي، الذي قدمه جهاز مخابرات الشاه، "السافاك"، عام 1958، رداً على الوحدة المصرية - السورية، واستهدافاً للرئيس جمال عبد الناصر ومشروعه.

وبحسب شلومو نكديمون في كتابه "الموساد ودول الجوار"، قُدم اقتراح الاتحاد عبر كردي يدعى بدرخان، كان يؤدي دور قناة سرية مشتركة بين "السافاك" و"الموساد".

ودعا المشروع إلى إقامة كونفدرالية تضم إيران في عهد الشاه وبلدان الهلال الخصيب، أي سوريا ولبنان والعراق، إلى جانب كيان كردي. وهو مشروع شبيه بتصورات كان رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري السعيد، أحد أبرز رجال النفوذ البريطاني في المنطقة، قد طرحها قبل مقتله عقب ثورة تموز/يوليو العراقية عام 1958.

"نادي السفاري"

أما المحطة الثانية، فكانت "نادي السفاري"، الذي تأسس عام 1976، وضم أجهزة استخبارات فرنسا وإيران في عهد الشاه ومصر والسعودية والمغرب، مع روابط غير رسمية بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وأجهزة غربية أخرى.

وكان هدفه الأساسي مواجهة النفوذ السوفياتي وحركات التحرر الوطني والتقدمي، ولا سيما في أفريقيا، عبر تبادل المعلومات ودعم العمليات السرية والقوى المناهضة للحركات اليسارية والوطنية.

وأخذ الحلف اسمه من منتجع في كينيا كانت تُعقد فيه بعض اللقاءات، وكان مرتبطاً أيضاً برحلات صيد للحيوانات البرية. ويذكر ديفيد آيك في كتابه "السر الأكبر" أن "نادي السفاري" ارتبط بهيئة استخباراتية أطلسية تُعرف باسم "دائرة بيناي"، أسسها الكونت ألكسندر دو مارانش، المدير الأسبق لجهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي.

وبحسب روايته، كانت هذه الدائرة على تواصل مع الاستخبارات البريطانية الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وممثلين عن أجهزة استخبارات أوروبية وعربية، إلا أن هذه التفاصيل تستند إلى مصدر خلافي، ولا تحظى بتوثيق أكاديمي كافٍ.

ولم يقتصر نشاط "نادي السفاري" على دعم الانقلابات والتحركات العسكرية المضادة لحركات التحرر، بل ارتبط أيضاً بتحركات سياسية واستخباراتية مهدت لتغيرات إقليمية مهمة، بينها مسار التسوية المصرية - الإسرائيلية واتفاقيات إقليمية أخرى.

مرحلة ما بعد سقوط الشاه

ارتبطت هذه المرحلة بمعركة النفط والحرب العراقية - الإيرانية، التي أخذت بعداً لا يقل خطورة عن المرحلة الأولى في ما يتعلق بالموقف من الكيان الصهيوني.

فإذا كان مشروع الاتحاد المشرقي الكونفدرالي بين إيران الشاه وأنظمة التبعية جزءاً من تحالف غير مباشر مع الكيان الصهيوني، ومثله "نادي السفاري"، فإن المرحلة الثانية تأسست على فكرة إزاحة الخطر الصهيوني والتناقض التناحري معه، واستبداله بما سُمي "الخطر الإيراني". وجاء ذلك بعد إسقاط نظام الشاه واستبداله بالجمهورية الإسلامية، وفك ارتباط طهران بالمعسكر الغربي - الصهيوني، بل وتأسيسها مساراً للاشتباك مع هذا المعسكر.

وتمثلت هذه المرحلة، في سياق الحرب العراقية - الإيرانية ومعركة النفط وتداعياتها، بالإعلان عن مجلسين للتعاون العربي:

مجلس التعاون الخليجي عام 1981، الذي جاء بعد سقوط نظام الشاه واندلاع الحرب العراقية - الإيرانية، في ظل مخاوف الأنظمة الخليجية من امتداد تأثير الثورة الإيرانية وتداعيات الحرب. ومجلس التعاون العربي عام 1989، الذي أُعلن في بغداد وضم الأردن والعراق واليمن الشمالي ومصر، وكان إطاراً للتعاون السياسي والاقتصادي بين الدول الأربع.

خلاصات الصراع على المنطقة

في ضوء ما تقدم، نخلص إلى ما يأتي:

أولاً: إضافة إلى السمات الخاصة للصراع العربي - الصهيوني، والوظيفة الصهيونية المتمثلة بقطع الطريق على تطور أي مشروع عربي وحدوي تحرري، فإن الصراع على المنطقة هو أيضاً صراع متداخل على الشرقين العربي والإسلامي، ضمن التنافس على الممرات البرية والبحرية للتجارة والطاقة والمفاتيح الجيوسياسية.

ثانياً: استناداً إلى الطبيعة الاجتماعية - السياسية للدولة الإيرانية، من حيث الحضور الكبير للقطاع العام وتأمين قسم كبير من الخدمات والسلع الأساسية، ومن حيث القطيعة مع الوجود الأطلسي والصهيوني، ومحدودية تأثير البنك وصندوق النقد الدوليين، والطبيعة اللوجستية للدولة أكثر من اعتمادها على فلسفة الأسواق الخارجية والتنافس عليها، فإن إيران تقع موضوعياً في موقع الاشتباك مع التحالف الإمبريالي - الصهيوني ومحميات النفط والغاز المسال.

ثالثاً: استناداً إلى علاقاتها الواسعة بدول مجموعة "بريكس"، ولا سيما روسيا والصين، فإن إيران من أكثر دول المنطقة ارتباطاً بالصراع على الممرات الجيوسياسية والطاقة والتجارة، وتداعيات المواجهة الدولية بشأن أوراسيا ومحيطها.

رابعاً: إذا كان العرب في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بقيادة جمال عبد الناصر، قد مثلوا حالة التناقض الموضوعي مع التحالف الإمبريالي - الصهيوني، فإن إيران اليوم هي التجسيد الحيوي لهذه الحالة، بدرجات أشد وأعنف من الصدام المباشر مع هذا التحالف.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.