التقريب بين المذاهب الإسلامية في المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي: من بناء الأمة الواحدة إلى مشروع الحضارة الإسلامية الحديثة (1)

التقريب بين المذاهب الإسلامية مشروعٌ وحدويٌّ يرسّخ التفاهم ويعزّز وحدة الأمة ونهضتها الحضارية، لدى السيد علي خامنئي.

0:00
  • التقريب بين المذاهب الإسلامية في المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي: من بناء الأمة الواحدة إلى مشروع الحضارة الإسلامية الحديثة (1)
    التقريب بين المذاهب الإسلامية في المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي: من بناء الأمة الواحدة إلى مشروع الحضارة الإسلامية الحديثة (1)

إنّ ذكرى مولد النبي الأكرم محمد المصطفى(ص)، وما تحمله من معاني الرحمة والهداية ووحدة الصف، وحلول أسبوع الوحدة الإسلامية، يشكّلان مناسبةً استثنائية لاستحضار واحدة من أعظم القضايا التي قامت عليها الرسالة المحمدية، وهي قضية بناء الأمة وتوحيد طاقاتها حول أصولها الجامعة وغاياتها الكبرى. فقد جاء الإسلام في بيئةٍ كانت تتنازعها العصبيات القبلية والانقسامات الاجتماعية، فجاءت الرسالة المحمدية لتعيد تشكيل الإنسان والمجتمع على أساس التوحيد والإيمان والأخوّة، وتنقل الجماعات المتفرقة من منطق العصبية إلى منطق الأمة.

ومن هنا، فإنّ الوحدة الإسلامية في المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي لا تُفهم بوصفها شعاراً موسمياً أو دعوةً إلى مجاملة مذهبية عابرة، وإنما باعتبارها حقيقةً تأسيسية في هوية الأمة الإسلامية، وضرورةً لحفظ وجودها، ومدخلاً لاستعادة دورها التاريخي والحضاري. فالمسلمون، على اختلاف مدارسهم الفقهية والكلامية، ينتمون إلى فضاء إيماني وحضاري واحد، وتجمعهم أصول ومقومات كبرى تتجاوز حدود الاختلافات الجزئية.

ومن هذا المنطلق، يأتي مفهوم التقريب بين المذاهب الإسلامية بوصفه أداةً عملية لإدارة الاختلاف داخل إطار الوحدة، لا بوصفه مشروعاً لإلغاء الاختلاف أو صهر المذاهب في مذهب واحد. فالتقريب لا ينكر الخصوصيات العقدية والفقهية لكل مذهب، ولا يطالب المسلمين بالتخلي عن تراثهم العلمي، وإنما يسعى إلى تنظيم العلاقة بين مكونات الأمة على أساس الاحترام المتبادل، وتعزيز المشتركات، وتحويل التنوع المذهبي من مصدر للفرقة والصراع إلى عنصر من عناصر الغنى والتكامل الحضاري.

وهنا تتضح العلاقة العميقة بين الوحدة والتقريب: فالوحدة تمثل الغاية، بينما يمثل التقريب المنهج والطريق. ولا يمكن بناء وحدة حقيقية ما لم تُدَر الاختلافات المذهبية بعقلانية ووعي، وما لم تُبنَ ثقافةٌ تقوم على احترام الآخر، والابتعاد عن التكفير والإساءة إلى المقدسات، وتقديم المصالح العليا للأمة على النزاعات التاريخية والهويات الفرعية.

إنّ هذه الرؤية تنطلق من فهمٍ عميق لطبيعة الأمة الإسلامية؛ فالأمة ليست مجرد مجموع الدول والمجتمعات التي يسكنها المسلمون، وإنما هي هويةٌ مشتركة ووعيٌ تاريخي ومصيرٌ متداخل ومصالحٌ عليا مشتركة.

وكلما تحولت الاختلافات الجزئية إلى جدران تفصل المسلمين عن بعضهم، ضعفت قدرتهم على مواجهة التحديات الكبرى. أما حين تُدار هذه الاختلافات في إطار الهوية الجامعة، فإنّ التنوع يمكن أن يتحول إلى مصدر إثراء فكري وعلمي وحضاري.

ومن هنا، فإنّ مشروع التقريب يتجاوز الحوار بين العلماء والنخب ليصبح مشروعاً لبناء الوعي الوحدوي داخل الأمة. فالمطلوب ليس فقط أن يلتقي العلماء في المؤتمرات، بل أن ينتقل خطاب الوحدة إلى المجتمع والإعلام والمؤسسات والتعليم والعلاقات السياسية والثقافية، بحيث تصبح الوحدة ثقافةً اجتماعية راسخة وسلوكاً عاماً في حياة المسلمين.

وفي المقابل، فإنّ أهمّ عوائق وموانع تحقّق هذا المشروع يتمثل في التكفير والتطرف المذهبي. فالتكفير لا يهدد طرفاً واحداً، بل يضرب النسيج الاجتماعي للأمة بأكملها، ويفتح الباب أمام الحروب الداخلية، ويقوّض الثقة التاريخية بين مكونات العالم الإسلامي، ويستنزف الطاقات التي كان ينبغي أن تُوجَّه إلى البناء والتنمية ومواجهة التحديات الكبرى.

كما أنّ الانقسامات المذهبية، في هذا التصور، لا يمكن فصلها عن السياق التاريخي للهيمنة والاستعمار. فقد أدركت القوى الاستعمارية أنّ وحدة المسلمين تمثل عقبةً أمام مشاريع السيطرة والتوسع، ولذلك عملت على تغذية الانقسامات وإحياء العصبيات وإثارة الهويات الفرعية. ومن هنا، فإنّ مواجهة مشاريع التفريق لا تكون بمجرد رفضها نظرياً، بل ببناء وعيٍ إسلامي جامع قادر على اكتشاف أدوات الفرقة ومواجهة آثارها.

وعلى هذا الأساس، فإنّ التقريب بين المذاهب ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة حضارية واستراتيجية؛ لأنّ الأمة التي تستنزف طاقاتها في صراعاتها الداخلية تعجز عن توظيف إمكاناتها في صناعة مستقبلها. أما الأمة التي تعرف كيف تدير اختلافاتها وتحافظ على وحدتها، فإنها تستطيع تحويل تعددها إلى قوة، وتنوعها إلى ثراء، واختلافها إلى تكامل.

وهنا تبرز دلالة أسبوع الوحدة الإسلامية بصورة أعمق؛ فهو ليس مجرد مناسبة للتذكير بالأخوّة بين المسلمين، بل مناسبة لاستعادة المنطق النبوي في بناء الأمة:

توحيد القلوب حول الإيمان، وتوجيه الاختلافات نحو التكامل، وتحويل الجماعة المؤمنة إلى قوةٍ اجتماعية وتاريخية قادرة على حمل رسالة الإسلام.