التحويلات المالية الخارجية... ضحية أخرى للحرب على إيران
يوماً بعد يوم، تتكشّف أكثر فأكثر تبعات حرب ترامب ونتنياهو على إيران، وما جرّته على البشرية من ويلات وأزمات اقتصادية ومعيشية يصعب تجاوزها خلال فترة زمنية قصيرة أو متوسطة.
-
هناك من يجزم بأنّ العودة إلى ما قبل الثامن والعشرين من شباط/فبراير باتت مستحيلة.
لا تقف تأثيرات خسائر اقتصادات الخليج عند حدود دولها فقط، فالبنية الهيكلية لهذه الاقتصادات وعلاقاتها المتشعّبة مع اقتصادات العالم تجعل تداعيات ما تعرّضت له من خسائر اقتصادية بفعل الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من إغلاق مضيق هرمز، تصل إلى كثير من الدول.
فهناك، مثلاً، دول سوف تتأثّر من جهة تراجع حجم الاستثمارات الخليجية فيها، ودول ثانية ستكون صادراتها السلعية الاستهلاكية إلى أسواق الخليج معرّضة أيضاً لخطر التراجع، ودول ثالثة ستنخفض تحويلات عامليها في الخليج، وهذا ما بدأ فعلاً منذ الأسابيع الأولى لبدء الحرب، ونبّه إليه صراحة صندوق النقد الدولي في تقريره "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر في شهر نيسان/أبريل الماضي، إذ أشار إلى أنّ التحويلات المالية ستتراجع في الدول المُصدّرة للعمالة إلى منطقة الخليج.
ملايين فرص العمل مهدّدة
يعمل في دول الخليج ما يقرب من 19 مليون عامل عربي وأجنبي، ونتيجة لتوقّف أو تراجع عمل كثير من الشركات والمنشآت من جرّاء الأضرار المباشرة وغير المباشرة للحرب، فإنّ جزءاً ليس بالقليل من هؤلاء العمال إما أنهم فقدوا وظائفهم بالكامل، أو أنّ دخلهم الشهري تراجع من جرّاء انخفاض إنتاجيّة شركاتهم، أو أنهم باتوا أقلّ قدرة على الادخار بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة.
وبالتالي، فإنّ فرصة هؤلاء جميعاً في تحويل فائض مدخّراتهم الشخصية الشهرية إلى ذويهم وأسرهم في بلدانهم باتت أقلّ من ذي قبل.
وبحسب ما تذهب إليه بعض المصادر العالمية، فإنّ التحويلات المالية من الخليج انخفضت بنحو 22% خلال الربع الأول من العام الحالي، وهذا، بنظر بعض الاقتصاديين، قد يمهّد الطريق أمام عملية ترحيل جماعي للعمال الذين فقدوا وظائفهم وإعادتهم إلى بلدانهم، التي تعاني أصلاً من تضخّم مرتفع وأزمات طاقة وغيرها.
وتأكيداً لخطورة الضرر الذي لحق -وسيلحق- بالتحويلات المالية، توقّع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير له بنهاية شهر آذار/مارس الماضي، أن تؤدّي الحرب إلى خسارة ما يقرب من 3.7 ملايين فرصة عمل.
وهو رقم سيكون لمنطقة الخليج، من دون شكّ، الحصة الأكبر منه، بالنظر إلى تأثّرها المباشر بمجريات الحرب، وتضرّر قطاعات واسعة تمتد من النفط والغاز إلى السياحة والسفر والعقارات والبناء وغيرها، فضلاً عن تردّد أسر كثيرة في تحمّل تكاليف استقدام عاملات وعاملين أجانب في ظلّ ارتفاع مستوى الغلاء، والمخاوف من تأثّر أنشطتها ومشاريعها الاقتصادية التي تعتمد عليها في تأمين مصدر دخلها الشهري.
ووفقاً لتركيبة العمالة الأجنبية في منطقة الخليج، فإنّ العمالة الآسيوية الأكبر ستكون الأولى من حيث تأثّرها بفقدان فرص العمل وانخفاض الأجور. فالهند، مثلاً، لديها وحدها ما يقرب من 9 ملايين عامل في الخليج، وهناك أيضاً عمالة ليست بالقليلة من باكستان وسريلانكا وبنغلادش والفلبين وغيرها، الأمر الذي يجعل هذه الدول، دون غيرها، تتأثّر سريعاً وعميقاً بتراجع حجم التحويلات المالية لعامليها في الخارج.
إذ بحسب بيانات صندوق النقد الدولي، فإنّ التحويلات المالية تشكّل ما نسبته نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي لنيبال، ونحو 3% لكلّ من بنغلادش وسريلانكا، ونحو 2% للهند.
وليست الدول العربية بعيدة عن هذا التأثّر، ولا سيما الدول المعروفة بتصديرها للعمالة إلى دول الخليج، أو التي تعتمد على تصدير مستوى معيّن من العمالة الفنية والعلمية. وخلال الفترة الماضية صدرت تصريحات رسمية في بعض الدول العربية تحذّر بوضوح من خطورة تراجع إجمالي التحويلات المالية للعاملين في دول الخليج.
وتتصدّر مصر قائمة الدول العربية بعدد عامليها في الخليج، إلّا أنّ البيانات المالية لشهر آذار/مارس الماضي أشارت إلى وجود ارتفاع في إجمالي تحويلات عامليها، إذ بلغت مستوى قياسياً وصل إلى 5.5 مليارات دولار، وهو تحوّل فُسِّر على أنه محاولة من العاملين لتسريع تحويل مدخّراتهم تحسّباً من حدوث تدهور مفاجئ في الأوضاع الاقتصادية، أو فرض قيود على التحويل الخارجي للأموال.
إلّا أنّ جميع التقديرات تشير إلى أنّ الفترة المقبلة ستشهد انخفاضاً ملحوظاً في إجمالي تلك التحويلات، تماماً كما هو الحال بالنسبة للبنان، الذي يواجه أساساً أزمة اقتصادية هائلة ناجمة عن العدوان الإسرائيلي المستمر منذ بداية شهر آذار/مارس الماضي. وفي القائمة أيضاً دول أخرى، كسوريا التي لديها أعداد كبيرة من العمالة في الخليج، وبدرجة أقل الأردن والمغرب وغيرهما.
المصدر الأول عالمياً
لا تتوفّر بيانات دقيقة وحديثة عن إجمالي التحويلات المالية الصادرة عن دول الخليج، فما هو متاح يعود إلى عام 2023، إذ قدّر المركز الإحصائي الخليجي آنذاك إجمالي تحويلات العاملين في دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 131.5 مليار دولار، وهو ما جعل مجلس التعاون يحتلّ المرتبة الأولى عالمياً في إجمالي تحويلاته الخارجية، متقدّماً بذلك على الولايات المتحدة الأميركية التي جاءت في المرتبة الثانية.
وحدها المملكة العربية السعودية تنشر بيانات دورية عن تحويلات العمالة الأجنبية لديها إلى الخارج. ففي عام 2023 بلغ إجمالي هذه التحويلات نحو 33.8 مليار دولار، ثمّ ارتفع في العام التالي ليصل إلى 38.4 مليار دولار، بنسبة زيادة قدرها 13.6%. وفي الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي بلغ إجمالي تلك التحويلات نحو 33.3 مليار دولار، وبنسبة زيادة قدرها 19.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وعليه، وفي خضمّ البيانات السابقة، فإنّ أيّ تراجع في سوق العمل الخليجي، وفقاً لما هو متوقّع عالمياً، سيؤدّي إلى حدوث صدمة مالية حقيقية لعشرات الدول المستقبلة للتحويلات الخارجية من الخليج. صدمة ستطال تأثيراتها احتياطيات الدول من القطع الأجنبي ومشاريعها التنموية، والأهمّ أنها ستؤثّر مباشرة في معيشة ملايين الأسر التي ستفقد مصدراً رئيسياً للدخل كانت تعتمد عليه في تأمين أبسط احتياجات البقاء. وهذا سيكون أحد الأسباب الأساسية لزيادة عدد الأسر الفقيرة حول العالم، ودخول أسر أخرى في حالة من الفقر المدقع والحرمان.
وللأسف، فإنّ ما سبق ذكره لم يعد مجرّد احتمالات أو سيناريوهات متوقّعة، فالواقع يشير إلى أنّ هناك شركات خليجية بدأت فعلاً بتخفيض عدد عمالها، وأخرى أوقفت أنشطتها، وثالثة أغلقت نهائياً، إضافة إلى تشدّد دول الخليج في منح تأشيرات الدخول للعديد من حاملي الجنسيات والمشتبه بسعيهم إلى البحث عن فرص عمل.
ويوماً بعد يوم، تتكشّف أكثر فأكثر تبعات حرب ترامب ونتنياهو على إيران، وما جرّته على البشرية من ويلات وأزمات اقتصادية ومعيشية يصعب تجاوزها خلال فترة زمنية قصيرة أو متوسطة. بل إنّ هناك من يجزم بأنّ العودة إلى ما قبل الثامن والعشرين من شباط/فبراير باتت مستحيلة، أو أشبه بالوهم.