البرازيل تختار لولا.. حين تهزم إرادة الشعوب حسابات الهيمنة

في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2026، انتزع لولا ولاية رئاسية رابعة بـ51.8% من الأصوات، متجاوزًا تقدّم منافسه في الجولة الأولى. بذلك، جدّدت الأغلبية ثقتها بالعامل السابق، وبمشروع يربط التنمية بحقوق البسطاء واستقلال القرار الوطني.

0:00
  • اختارت البرازيل لولا، وتركت لنا سؤالنا: ماذا نصنع نحن بما نملك من بشر وثروات وحق؟
    اختارت البرازيل لولا، وتركت لنا سؤالنا: ماذا نصنع نحن بما نملك من بشر وثروات وحق؟

أثقل ما في الهيمنة أنها تريد للشعوب أن تصدّق عجزها، وأن ترى مستقبلها مكتوبًا في حسابات الآخرين. ومن هنا، تأتي القيمة التي تتجاوز حدود البرازيل في انتصار لولا دا سيلفا: قدرة الناس على كسر هذا الوهم، والدفاع عن نصيبهم في الثروة، وعن حقهم في اختيار مَن يحكمهم. ففي مواجهة المال والابتزاز، أعادت أغلبية الناخبين الثقة إلى رجل خرج من صفوف العمال، وحمل معه إلى الحكم سؤالًا لم يفقد راهنيته: لِمَن تعمل الدولة، ومَن يجني ثمار نموّها؟

في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2026، انتزع لولا ولاية رئاسية رابعة بـ51.8% من الأصوات، متجاوزًا تقدّم منافسه في الجولة الأولى. بذلك، جدّدت الأغلبية ثقتها بالعامل السابق، وبمشروع يربط التنمية بحقوق البسطاء واستقلال القرار الوطني.

إننا أمام معركة تتصل فيها عدالة توزيع الثروة بحرية القرار. فكلما استرد المجتمع نصيبه في خيرات وطنه، اتسعت قدرته على الدفاع عن استقلاله. ومن هذا الموقع نفسه يحضر الانحياز إلى فلسطين: رفضًا لنظام يمنح الأقوياء حق تقرير مصائر الآخرين، ويطالب المظلومين بأن يسمّوا التنازل عن حقوقهم واقعية.

حين يتحوّل الفقراء إلى قوة سياسية

خرج لولا من عالم العمل، وقاد نقابة عمال المعادن، وشارك في تأسيس حزب العمال عام 1980. وتكمن الدلالة الأعمق لهذه السيرة في تنظيم الغضب الاجتماعي، ومنحه قدرة على التأثير في الحكم. فحين تدخل الفئات المحرومة السياسة بتنظيماتها وبرامجها، ينتقل وجعها من هامش الشكوى إلى صلب القرار، ويصبح تجاهلها مكلفًا.

فالإفقار يستنزف وقت الإنسان وأمانه، ويضيّق قدرته على المشاركة والدفاع عن حقوقه. وحين تتسع الحماية الاجتماعية، يسترد العامل شيئًا من حريته في الاعتراض، ومن قدرته على مقاومة الابتزاز بالحاجة. لهذا، يتجاوز الصراع على الأجور والخدمات حسابات الموازنة؛ إنه صراع على توزيع القوة داخل المجتمع، وعلى مَن يملك أن يحدد أولويات الدولة.

وقد أكد تقرير الأمن الغذائي العالمي لعام 2025 خروج البرازيل من خريطة الجوع، بعد انخفاض متوسط نقص التغذية خلال الفترة من 2022 إلى 2024 إلى أقل من 2.5%. وراء هذا المؤشر بشر استعادوا قدرًا من الطمأنينة إلى قوتهم، ودليل على أن ما يُقدَّم للمحرومين بوصفه قدرًا يمكن تغييره بسياسات تعيد ترتيب الأولويات. وفي بلد غني بالموارد، يغدو استمرار الجوع إدانة لطريقة توزيع الثروة.

هنا تتجسد قوة الانحياز الذي يمثله لولا. فحين يدخل الفقراء في حساب الدولة، يتعلّمون أن السياسة يمكن أن تكون أداة لاسترداد حقوقهم. ويصبح الدفاع عن التجربة دفاعًا عن مكاسب يعرفونها في بيوتهم، وعن مستقبل لهم مصلحة في صنعه.

حين تريد واشنطن أن تختار عن الشعوب

حين تُستخدم العقوبات لإضعاف رئيس منتخب وترجيح حظوظ خصومه، تصبح السيادة نفسها موضع استهداف: مَن يختار الحكم، أصحاب الوطن أم القوة القادرة على إيذائهم؟ هذا هو المعنى السياسي الذي يكشفه تحقيق "رويترز" عن تحرّك مسؤولين في الخارجية الأميركية لدعم عودة عائلة بولسونارو إلى السلطة، عبر إجراءات تستهدف إضعاف لولا. فالضغط، هنا، محاولة لإعادة تشكيل الاختيار الشعبي بما يلائم مصالح المتدخّل.

وفي خلفية هذا التدخل تنازعٌ على موقع البرازيل: بلد يوسّع شراكاته ويحتفظ بحق الاعتراض، أم حليف أقرب إلى أولويات واشنطن؟ وقد عكس البرنامجان هذا التباين؛ إذ شدّد لولا على التعاون مع الجنوب العالمي ورفض التبعية، بينما اتجه فلافيو إلى توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والأرجنتين.

وتعمل الهيمنة الإمبريالية، في مثل هذه الحالات، على تحويل كلفة الاستقلال إلى حجة ضده. تُضيَّق فرص الاقتصاد، ثم يُقدَّم الاقتراب من القوة الضاغطة بوصفه طريق الخلاص. وبذلك، تستطيع المصالح المحلية المتحالفة معها تسويق التنازل عن القرار باعتباره ثمنًا لاستعادة الرخاء. إنها محاولة لجعل المجتمع يدفع كلفة إخضاعه، ثم يُمنح حق التصديق عليها في صناديق الاقتراع.

في مواجهة هذا المنطق، يلتقي الدفاع عن المعيشة بالدفاع عن الكرامة الوطنية. فالذي يرفض أن يُبتز في رزقه، يملك سببًا إضافيًا لرفض ابتزاز بلاده. ومن هنا، أقرأ فوز لولا بوصفه هزيمة لرهان على تحويل الأذى الاقتصادي إلى خضوع انتخابي، ودليلًا على أن الإرادة الشعبية المنظمة تستطيع إفساد حسابات أقوى منها مالًا ونفوذًا.

السيادة التي تبدأ من نصيب الناس

تكتسب السيادة مضمونها حين يملك المجتمع القرار في موارده وعمله ومستقبله. وقد عبّر لولا عن ذلك في خطابه الأممي الأخير، حين ربط الوصول إلى المعادن البرازيلية بنقل التكنولوجيا وإضافة قيمة داخل بلاده. فالدولة التي تصدّر خاماتها وتستورد المعرفة والتصنيع تظل مهددة بأن تتراكم ثمار ثروتها في اقتصادات الآخرين.

ويكتمل هذا الاستقلال حين يصل عائد التنمية إلى المجتمع. أما ترك الثروة في قبضة أقلية، وتحميل الأغلبية كلفة الأزمات، فيستنزف القوة التي تحتاجها البلاد لمقاومة الخارج. كيف نطلب من إنسان أن يذود عن ثروة وطنية لا يعرف منها سوى الحرمان؟ إن العدالة الاجتماعية تبني المصلحة التي تجعل الدفاع عن الوطن دفاعًا عن حياة المواطن وحقوق أبنائه.

وتضع تجربة لولا وظيفة الدولة وتوزيع ثمار النمو في قلب التنافس داخل اقتصاد السوق. فالمعركة على حدود سلطة رأس المال، وعلى قدرة المجتمع على إخضاع المصالح الخاصة لحقوقه. ويحتاج تثبيت المكاسب إلى إنتاج يموّلها، ونظام ضريبي عادل يحميها، ومؤسسات تمنع تحويل الثروة إلى امتياز محصّن ضد المساءلة.

وتجعل قوة اليمين في البرلمان ترجمة التفويض الشعبي إلى قوانين وموازنات معركة سياسية متجددة. هنا تظهر ضرورة بقاء التنظيمات الاجتماعية والنقابية قوة حية، تحمي المكاسب وتطالب بتوسيعها، وتحاسب الحكومة التي ساندتها. فحين ينسحب الناس من الفعل بعد التصويت، تستعيد المصالح الأقوى قدرتها على تضييق ما فتحته الانتخابات.

فلسطين في صميم معركة التحرر

ويبلغ الترابط بين العدالة والسيادة مداه الإنساني في فلسطين. فقد اعترفت البرازيل بالدولة الفلسطينية عام 2010 خلال رئاسة لولا، وواصل الرجل الدفاع عن حق شعبها في تقرير المصير. وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر 2026، أدان الإبادة التي ارتكبتها حكومة نتنياهو في غزة، وحذّر من تقويض المستوطنات إمكان قيام الدولتين.

إن رفض إخضاع البرازيل للإرادة الأميركية يجد امتداده في رفض إخضاع الفلسطينيين للاحتلال. فالتسليم بأن القوة تمنح صاحبها حق مصادرة أرض الآخرين وحياتهم يضرب أساس الاستقلال لدى الجميع. وفي فلسطين ينكشف النظام الدولي على حقيقته: قانون يُطالب الضعفاء باحترامه، وإفلات من العقاب يحتمي به الأقوياء وحلفاؤهم. والاعتراض على هذه المعادلة دفاع عن حق الشعوب في أن تكون صاحبة أرضها ومستقبلها.

وقد منح لولا موقفه مضمونًا عمليًا حين تعهد، في مؤتمر القضية الفلسطينية بالأمم المتحدة في سبتمبر 2025، بتشديد الرقابة على الواردات من المستوطنات، والإبقاء على تعليق صادرات مواد دفاعية يمكن استخدامها في جرائم ضد الإنسانية والإبادة. وتفتح هذه الالتزامات مجالًا للضغط والمساءلة، ولربط إدانة العدوان بسياسات تحدّ من أدواته ومكاسبه.

ولذلك، يحمل تجديد الثقة في لولا معنى يخص الفلسطينيين وكل المنحازين إلى حريتهم: استمرار صوت دولي يسمّي الجريمة، ويواجه تبريرها، ويدافع عن الدولة الفلسطينية في وجه مشروع الاقتلاع. ويمنح هذا الموقف التضامن الأممي قوته السياسية؛ إذ يصل حق الإنسان في العيش الكريم داخل وطنه بحق الشعوب في أن تملك أوطانها.

من فرحة الانتصار إلى مسؤولية الفعل

من حقنا أن نفرح بهذا الانتصار، والوفاء لمعناه يبدأ بتحويل الإسناد الذي تقدمه البرازيل ودول الجنوب لفلسطين إلى عمل عربي مشترك. فالموقف الشجاع يحتاج إلى شركاء يوسّعون أثره: في المؤسسات الدولية، وفي ملاحقة الجرائم، وفي الضغط لوقف تسليح العدوان وحرمان الاستيطان من مكاسبه. وأولى بالشعوب الأقرب إلى فلسطين أن تكون في مقدمة هذا الجهد.

وتحتاج هذه الشراكة إلى مصالح في الصناعة والتعليم والأمن الغذائي، تمنح الاستقلال أدواته المادية. فكل معرفة يجري توطينها، وكل قدرة إنتاجية مشتركة، توسّع مساحة القرار الحر. وهنا تستطيع مصر، بما لها من روابط عربية وأفريقية، أن تصل الدفاع عن فلسطين بمشروع تعاون يحمي استقلال المنطقة وحقها في التنمية.

أما الرسالة التي تخاطب مجتمعاتنا مباشرة، فهي أن الشعوب تملك ما تقدمه حين تُفتح أمامها أبواب الفعل. حرية التنظيم والمشاركة تمنح الوطن القدرة على اكتشاف قواه، وإعداد قياداته، وتصحيح أخطائه. ومن يريد مجتمعًا يصمد أمام الخارج، عليه أن يحترم صوته في الداخل؛ فالمواطن الذي يُعترف بحقه في القرار يصبح شريكًا في حماية استقلاله.

اختارت البرازيل لولا، وتركت لنا سؤالنا: ماذا نصنع نحن بما نملك من بشر وثروات وحق؟ من العامل الذي يطالب بثمرة عمله إلى الفلسطيني الذي يدافع عن بيته وأرضه، تتصل معركة الكرامة ورفض الاستباحة. وتبدأ هزيمة الهيمنة حين يمتلك أصحاب الحق تنظيمهم وإرادتهم، ويكفّون عن انتظار الإذن ليكونوا أحرارًا. للشعوب حق في أوطانها وخيراتها، وحق في الغد الذي تصنعه بأيديها؛ وهذا ما يستحق أن نناضل من أجله.