الإمارات والهند... شراكة تتقدم على وقع التوترات الإقليمية
من شأن تنامي العلاقات بين الهند والإمارات أن تصبح نيودلهي قوة فاعلة في الشرق الأوسط، ويكون لها نفوذ كبير فيه من دون أن تنخرط في صراعاته، وتسعى أبو ظبي إلى إعادة رسم ملامح الدور الإماراتي إقليمياً.
-
تعكس زيارة الشيخ محمد بن زايد للهند عمق العلاقات الاستراتيجية التي تجمع البلدين.
نادراً ما يقوم رؤساء الدول بزيارات سريعة لدول أخرى ، إلا بدافع الضرورة أو الحاجة إلى إيصال رسائل معينة. وهذا ما حصل مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الذي زار الهند بشكل مفاجئ ولمدة لم تتجاوز الثلاث ساعات حيث التقى برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الذي استقبله بعناق حار في المطار، واستقلّ الزعيمان السيارة الخاصة بالرئيس مودي واجتمعا في مكان إقامة الزعيم الهندي.
تحمل زيارة الشيخ محمد بن زايد للهند دلالات تتجاوز تعزيز العلاقات الثنائية لتفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول اتجاهات السياسة الإماراتية في المرحلة الراهنة التي تشهد فيها منطقة غرب آسيا توترات إقليمية. واختيار الهند تحديداً بثقلها الاقتصادي والسياسي والعسكري يوحي بأن أبو ظبي تبحث عن بدائل استراتيجية، ورسالة واضحة مفادها أن علاقاتها الإقليمية لم تعد حبيسة الجغرافيا أو التحالفات التقليدية، وأن سعيها لتوسيع هامش المناورة السياسية والانفتاح على قوى صاعدة مثل الهند تضعها ضمن أولوياتها.
أثارت زيارة محمد بن زايد للهند جدلاً واسعاً بالنظر إلى مدتها وتوقيتها. فقد حصلت بصورة مفاجئة، إذ أن الخارجية الهندية لم تعلن عن الزيارة إلا قبل يوم واحد من وصول الرئيس الإماراتي إلى الهند، أي في الـ18 من كانون الثاني/ يناير الجاري. علاوة على ذلك لم تستغرق الزيارة سوى ثلاث ساعات من وقت وصول محمد بن زايد إلى قاعدة بالام الجوية إلى حين مغادرته بعد اجتماعه مع مودي عائداً إلى بلاده.
أما بالنسبة إلى توقيت الزيارة فتأتي في ظل تصاعد التوترات بين الإمارات والسعودية بشأن اليمن والسودان في الأشهر الأخيرة، وذلك بسبب اختلاف نهجيهما تجاه الصراع فيهما. وبلغت التوترات ذروتها وظهرت إلى العلن في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بعد أن شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات عمليات عسكرية قرب حدود السعودية مع اليمن، فردت الرياض بقصف ما وصفته بشحنة أسلحة تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي مصدرها الإمارات، وطالبت القوات الإماراتية بمغادرة اليمن.
كما اتهمت أبو ظبي بتشجع الأعمال الانفصالية التي تهدد الأمن السعودي، واتهمت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض أبو ظبي بإدارة سجن سري داخل قاعدة جوية قرب مدينة المكلا الساحلية جنوبي اليمن وهي مزاعم نفتها الإمارات، كما أعلنت سحب قواتها من اليمن.
وفي الشهر الجاري قصفت طائرات سعودية مواقع المجلس الانتقالي الجنوبي بعد أن تغيب زعيمه عيدروس الزبيدي عن المحادثات في الرياض. وقام المجلس الرئاسي اليمني بعزل الزبيدي ووجه إليه تهمة الخيانة، ثم اتهم التحالف الذي تديره السعودية في اليمن الإمارات بتهريب الزبيدي من اليمن عبر الصومال إلى أبو ظبي. وفي إطار آخر، قام الصومال بإلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات بما في ذلك اتفاقيات الموانئ والتعاون الدفاعي والأمني.
كما تأتي الزيارة بعد أشهر من توقيع اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك بين السعودية وباكستان. وقد أثارت هذه الخطوة قلق نيودلهي، إذ إنها أتت بعد أشهر من اندلاع الأعمال العسكرية بين باكستان والهند. وتتضمن الاتفاقية بنداً ينص على أن أي عدوان على أي من البلدين يعتبر عدواناً على كليهما، ما يرسي التزاماً دفاعياً مشتركاً. كما تهدف الاتفاقية إلى تعزيز قدرات الردع المشتركة، وتوسيع التعاون العسكري، وتبادل المعلومات الاستخبارية، ومع ذلك قد لا تقدم الرياض دعماً عسكرياً لإسلام آباد في حال حصول نزاع بين باكستان والهند، بالنظر إلى تنامي العلاقات الاقتصادية بين السعودية والهند.
وفي سياق متصل، أعدت السعودية وباكستان وتركيا مسودة اتفاق دفاعي بعد مفاوضات استغرقت عاماً وهو اتفاق منفصل عن الاتفاق الثنائي السعودي الباكستاني. وأثار احتمال قيام هذا التحالف قلق الإمارات ما دفعها إلى البحث عن شريك أمني. وبالنظر إلى أن الهند قوة نووية وعسكرية كبيرة وتربطها بالإمارات شراكة استراتيجية شاملة، كان الخيار هو التوجه نحو نيودلهي التي تسعى إلى تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط.
ومن العوامل الأخرى التي دفعت محمد بن زايد لزيارة الهند، التوترات في إيران والتهديدات الأميركية بإجراء عمل عسكري ضد طهران. ومع أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يشن أي هجوم على إيران حتى الآن، إلا أنه لا يمكن استبعاد العمل العسكري تماماً. وبحسب التقارير فقد تمكنت السعودية وقطر وعمان وتركيا من إقناع الرئيس ترامب بالعدول عن شن أي هجوم عسكري على إيران، ولم يكن للإمارات أي دور يذكر إلى جانب هذه الدول. وبالنظر إلى أن أي هجوم عسكري على إيران سيؤدي إلى اشتعال المنطقة برمتها، وبالنظر أيضاً إلى أن للهند علاقات متينة مع كل من إيران والولايات المتحدة، فتأمل أبو ظبي أن تسهم هذه العلاقات الودية في منع احتمال القيام بأعمال عسكرية ضد إيران.
وتكتسب زيارة الرئيس الإماراتي أهمية خاصة أيضاً، في ظل سعي الرئيس ترامب إلى ضم قادة دول العالم إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطته للسلام، وقد وجّه ترامب دعوة إلى الهند للانضمام إلى المجلس.
نجحت زيارة محمد بن زايد في تعزيز العلاقات بين الهند والإمارات، حيث جرى توقيع العديد من الاتفاقيات والإعلانات، شملت مجالات الدفاع والفضاء والطاقة والأمن الغذائي والاستثمار. ويعد خطاب النوايا الخاص بالشراكة الدفاعية الاستراتيجية أبز نتائج هذه الزيارة، إذ يهدف إلى توسيع التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب والأمن البحري والأمن السيبراني والتعاون في الصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة وتدريب القوات الخاصة، ومن المقرر أن يتفاوض الجانبان على اتفاقية إطارية. وعلى الرغم من أن هذه الشراكة الدفاعية ستعزز العلاقات العسكرية والدفاعية والأمنية بين البلدين، إلا أنها لم تتضمن التزاماً بالدفاع المشترك في حال تعرض أي منهما لعدوان، كما في اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان.
ولعلّ ذلك يعود إلى أن الهند لا تريد أن يؤثر تقاربها مع الإمارات على علاقاتها المتنامية مع السعودية، التي ربما أرسلت تطمينات للهند بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان، بأن الاتفاقية ليست موجهة لها، وبأن الرياض ستعمل على تعزيز علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع نيودلهي.
وفي هذا السياق أكد مسؤول في وزارة الخارجية الهندية عند سؤاله حول ما إذا كان انخراط الهند في التعاون الدفاعي مع دولة من المنطقة قد يورّطها في صراعات الخليج، أكد أن التعاون الدفاعي بين البلدين لا يؤدي بالضرورة إلى التورط في النزاعات الإقليمية، حيث قال" إن انخراطنا في المجال الدفاعي والأمني مع دولة في المنطقة لا يعني بالضرورة أننا سنتدخل بشكل مباشر في صراعات المنطقة، فهناك بالفعل قدر كبير من التعاون والتنسيق الدفاعي بين الهند والإمارات، وبين الهند وعدد من الدول الأخرى في المنطقة أيضاً". ووصف تعزيز التعاون الدفاعي بين بلاده والإمارات بأنه امتداد طبيعي للتعاون الدفاعي الكبير القائم بين البلدين، وليس بالضرورة رد فعل على أي حدث محدد قد يكون وقع في المنطقة.
إضافة إلى ذلك، تم توقيع اتفاقية طويلة الأجل لتزويد الهند بالغاز الطبيعي المسال لمدة عشر سنوات تبدأ في العام 2028. وبهذه الاتفاقية أصبحت الهند أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال من الإمارات وتستحوذ على 20% من مبيعاتها بحلول 2029، كما جرى النقاش بين مودي وابن زايد على التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية.
وإلى جانب التعاون في مجالات الدفاع والطاقة النووية والغاز، اتفق الطرفان على رفع التبادل التجاري ليبلغ 200 مليار دولار بحلول 2032، إذ تمثل الإمارات حالياً نحو 55% من إجمالي تجارة الهند مع مجلس التعاون الخليجي، حيث يتجاوز حجم التبادل التجاري بينهما 100 مليار دولار أميركي بعد اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة لعام 2022، واتفقا أيضاً على توسيع نظام تسوية العملات المحلية لتسهيل التجارة بالعملات الوطنية فضلاً عن التعاون في مجال الفضاء.
تعكس زيارة الشيخ محمد بن زاي للهند عمق العلاقات الاستراتيجية التي تجمع البلدين، وفرصة لتعزيز التعاون في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والاستثمارية والدفاعية، ومع ذلك تحرص الهند على انتهاج سياسة خارجية متوازنة في علاقاتها مع دول المنطقة، تقوم على تعزيز الشراكات الاستراتيجية من دون الانخراط في محاور متصارعة. وتعكس هذه المقاربة حرص نيودلهي على الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والأمنية، والمساهمة في دعم الاستقرار الإقليمي عبر التعاون والحوار، بما يعزز مكانتها كشريك موثوق في محيط إقليمي يشهد تحولات متسارعة.
وتدرك نيودلهي أن توتر الأوضاع في الشرق الأوسط سيلحق خسائر كبيرة بها نظراً لعلاقاتها الاقتصادية والتجارية والاستثمارية الضخمة في المنطقة، فضلاً عن وجود أعداد كبيرة من الجالية الهندية فيها، ولا سيما في دول الخليج، فضلاً عن الممرات المائية التي تمر عبرها السفن وناقلات النفط المتجهة من وإلى الهند. فمنطقة الشرق الأوسط تعتبر مورداً رئيسياً للنفط إلى الهند، التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط لسد احتياجاتها المحلية، بالنظر لأن إنتاجها المحلي لا يغطي سوى جزء بسيط من استهلاكها. ففي كانون الأول/ديسمبر الماضي أظهرت البيانات أن حصة النفط من الشرق الأوسط في واردات الهند من النفط الخام وصلت إلى 52%. إضافة إلى الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي الذي أُعلن عنه في قمة العشرين عام 2023 كبديل لطريق الحرير الصيني.
بالمجمل، من شأن تنامي العلاقات بين الهند والإمارات أن تصبح نيودلهي قوة فاعلة في الشرق الأوسط، ويكون لها نفوذ كبير فيه من دون أن تنخرط في صراعاته، وتسعى أبو ظبي إلى إعادة رسم ملامح الدور الإماراتي إقليمياً.