اقتصاد المسارات: من يملك الطريق يملك القرار

هذه الحرب، أيقظت العالم من الوهم الاقتصادي الذي سبقها، وهم أن الاقتصاد أصبح رقميًا بما يكفي ليتحرر من الجغرافيا.

0:00
  • الاقتصاد يتعطل حين تتعثر الطرق التي توصله.
    الاقتصاد يتعطل حين تتعثر الطرق التي توصله.

في محطة وقود على أطراف مدينة أميركية، في مشهد يتكرر يوميًا، وقفت سيدة أمام المضخة تراقب الأرقام ترتفع ببطء. لم يكن الأمر جديدًا، لكنها هذه المرة توقفت قبل أن يمتلئ الخزان. ما تبقى في حسابها لم يعد يكفي. أعادت المضخة إلى مكانها، ونظرت إلى هاتفها تنتظر إشعارًا برحلة جديدة عبر تطبيق "أوبر"، وأدركت أنها ستعمل اليوم ساعات إضافية لتؤمّن قوت يومها. لم تكن تعرف أن ما تفعله في تلك اللحظة مرتبط بخريطة حرب.

تساءلت بريبة: لماذا ترتفع أسعار الوقود؟ ولماذا أصبح دخلها اليومي أقل، رغم أنها لا زالت تمارس العمل نفسه بالطريقة نفسها؟ لم تكن تكترث لأسعار النفط العالمية، ولا تعني لها المضائق أو المسارات البحرية شيئًا. لم تكن تدرك أن ما يحدث أمامها يرتبط بمضيق يبعد آلاف الكيلومترات، وأن قرارًا بالحرب اتُّخذ في بلدها استدعى ردودًا عطّلت ممرات حيوية، لينعكس ذلك مباشرة على يومها. لم يتغير النفط، ولم يتراجع الطلب عليه، لكن الطريق الذي يوصله أصبح أقل استقرارًا. هكذا، تتحول الجغرافيا، مهما بدت بعيدة، إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية للإنسان العادي.

الاقتصاد يتعطل حين تتعثر الطرق التي توصله

لوقت طويل، تصرّف العالم وكأنه تخلّص من الجغرافيا. بدا أن الاقتصاد يُدار من الشاشات؛ من خوارزميات التداول ومنصات التكنولوجيا، ومن وعود العملات الرقمية التي قيل إنها ستعيد تعريف القيمة. ضمن هذا الإطار، تراجعت أهمية الطرق، وصار يُنظر إلى الممرات البحرية باعتبارها إرثًا من زمن سابق.

هذه الصورة بدت مقنعة، لكنها لم تصمد أمام اختبارين متتاليين؛ جائحة عطّلت الحركة، ثم حرب هزّت الممرات. في الحالتين، ظهر الاقتصاد وكأنه يعود إلى شروطه المادية الأساسية؛ حركة السلع، واستقرار المسارات، وإمكانية الوصول.

خلال جائحة كورونا، لم يكن الخلل في الإنتاج بقدر ما كان في النقل. المصانع واصلت العمل، لكن الحاويات تأخرت، والموانئ تحولت إلى نقاط اختناق. سلاسل التوريد التي بدت لسنوات محكمة التنظيم كشفت هشاشتها عند أول اضطراب واسع. وقد أظهرت تقارير صندوق النقد الدولي، خلال الجائحة، أن التضخم لم يكن نتيجة نقص الإنتاج، بقدر ما كان انعكاسًا لتعطل سلاسل التوريد.

الحرب كشفت طبقة أعمق من هذه الأزمة. في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يكفي التهديد، ولو من دون إغلاق فعلي، ليدخل الاقتصاد العالمي في حالة ترقّب. ترتفع الأسعار، تعيد الشركات حساباتها، وتبدأ المسارات بالتحول. المسألة هنا تتصل بالطريق الذي يسلكه وبمدى أمانه.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن تحويل المسارات ليس حلًا كافيًا. غالبًا ما تكون الخطوط البديلة محدودة القدرة، وليست معزولة عن المخاطر، ما يجعل أي اضطراب في الممرات الرئيسية ذا أثر ممتد يصعب تجاوزه بسرعة.

ولا تتوقف الأزمة عند التعطّل الفوري للتدفقات، بل تمتد إلى زمن تعافيها. فحتى في حال توقف القتال، لا يعود هذا النظام المعقد إلى العمل مباشرة. شركات التأمين تحتاج إلى وقت لإعادة تقييم المخاطر، والمخزونات يجب أن تُفرغ قبل استئناف الضخ، والمصافي تعود تدريجيًا إلى طاقتها الكاملة. تجارب سابقة تُظهر أن الممرات التي تتعطل قد تستغرق وقتًا طويلًا، وأحيانًا سنوات لاستعادة مستوياتها الطبيعية، حتى بعد انتهاء التهديد المباشر.

عند هذه النقطة، يتغير السؤال، من: متى تنتهي الحرب؟ إلى: متى يعود الطريق إلى العمل كما كان؟

حين تصبح الطرق هي السلعة

في هذه اللحظة، تفقد المناطق عالية المخاطر جاذبيتها، مهما كانت قريبة جغرافيًا، فيما تُكافأ جغرافيات أخرى أكثر أمانًا، حتى وإن كانت أبعد. خام نفط من خارج منطقة التوتر يصبح أكثر طلبًا، رغم ارتفاع كلفته. مسارات أطول تتحول إلى خيار مفضل لأنها أكثر استقرارًا، وموانئ هامشية تكتسب وزنًا استراتيجيًا لمجرد أنها تقع خارج دائرة الخطر.

هذا التحول لا يقتصر على الطاقة. قطاع السياحة يقدم مثالًا واضحًا. فبعض المدن لم تُقصف، لكن الرحلات إليها توقفت، والمسافرون ترددوا، والمنطقة تحولت إلى مساحة غير مستقرة. الخسارة هنا لا تُقاس بما دُمّر، وإنما بارتدادات غير مرئية؛ رحلة لم تُحجز، زيارة أُجّلت، ونشاط اقتصادي تباطأ قبل أن يتضرر مباشرة. وقد اضطرت شركات الطيران إلى تغيير مسارات رحلاتها لتفادي مناطق التوتر، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وكلفتها، في مثال واضح على أن الطريق نفسه بات عاملًا حاسمًا في القرار الاقتصادي.

ويمتد ذلك إلى قطاع الشحن البحري، حيث ترتفع كلفة التأمين على السفن العابرة للممرات الخطرة، أو يُمنع بعض الرحلات بالكامل، ما يجعل الوصول إلى الأسواق مسألة مرتبطة بمستوى المخاطر، لا بالمسافة وحدها. وعند هذا المستوى، لا تعود المسألة مرتبطة بالكلفة أو الزمن، إنما بالسيطرة،  فمن يسيطر على الطريق يحدد من يستطيع الوصول، ومتى، وبأي كلفة.

ولا يتوقف هذا المنطق عند الطرق المادية، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي نفسه، حيث تتصاعد الهجمات السيبرانية ومحاولات اختراق البنى التحتية للمعلومات. هكذا يتضح أن العالم الرقمي، الذي بدا منفصلًا عن الجغرافيا، بدأ يكشف حدوده، وتحولت الخوادم ومراكز البيانات والتخزين إلى أهداف ضمن معادلة الصراع.

حتى الدول التي تبدو خارج خط المواجهة تتحرك وفق هذا المنطق. فقراراتها الدبلوماسية ترتبط بحسابات دقيقة تتعلق بالممرات الحيوية وتدفقات الطاقة، وأي اضطراب في هذه المسارات يتحول إلى تهديد مباشر لبنية اقتصادية تقوم على استقرارها. وتشير تحليلات شركة ماكنزي إلى أن الشركات العالمية باتت تعيد تصميم سلاسل التوريد لتقليل الاعتماد على المسارات عالية المخاطر، حتى لو أدى ذلك إلى رفع التكاليف، مقابل ضمان مستوى أعلى من الاستقرار.

وفي النهاية، لا تبقى هذه التحولات في حدود الأسواق، بل تنعكس على تفاصيل الحياة اليومية، حيث تصل كلفة الطريق إلى جيب المستهلك، وتعيد تشكيل أنماط استهلاكه واختياراته.

القوة في الاقتصاد الحديث تُقاس بقدرتك على إبقاء طرقك مفتوحة

هذا كله يعيد طرح السؤال مجددًا، هل تجاوز العالم الجغرافيا فعلًا؟! لسنوات، بدا أن التكنولوجيا تخفف هذا الاعتماد، وأن الاقتصاد الرقمي قادر على العمل بمعزل عن قيود المكان. غير أن ما كشفته الجائحة، وأكدته الحرب، هو أن هذا التحرر ظل محدودًا.  ويتضح ذلك جليًا في أكثر القطاعات حداثة. فالذكاء الاصطناعي، الذي يُقدَّم بوصفه ذروة الاقتصاد الرقمي، يقوم على بنية مادية معقدة؛ مراكز بيانات، وطاقة مستقرة، وسلاسل توريد صناعية. وأي اضطراب في هذه المنظومة يرفع كلفة التشغيل ويبطئ النمو.

في هذا السياق، تتحول الحرب إلى اختبار لقدرة الاقتصاد العالمي على الاستمرار. لم تعد المسألة من يربح أو يخسر، بل من يحافظ على تدفقه قائمًا. 

في النهاية، هذه الحرب، أيقظت العالم من الوهم الاقتصادي الذي سبقها، وهم أن الاقتصاد أصبح رقميًا بما يكفي ليتحرر من الجغرافيا، وأن الأسواق قادرة على العمل بمعزل عن الطرق التي تحملها. ما تكشف اليوم هو أن من يملك الطريق، يملك القرار، ويحدد من يربح ومن يخسر، ويعيد تشكيل التحالفات.

فربما لم تكن العولمة نهاية الجغرافيا… بل مرحلة مؤقتة قبل عودتها كقوة حاكمة من جديد.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.