استراتيجية ترامب: لا تماسك إيديولوجياً وبراغماتية مطلقة

يمكن وصف استراتيجية دونالد ترامب تجاه الشرق الأوسط بأنها تتميز بنهج "أميركا أولاً" (America First)، هو ركز على صفقات المعاملات الفورية، وقلل العبء العسكري الأميركي، وركز على مواجهة إيران.

0:00
  • سياق السياسة في الشرق الاوسط.
    سياق السياسة في الشرق الاوسط.

وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وثيقة استراتيجية الأمن القومي، الوثيقة مكونة من 33 صفحة من الواضح تأكيد الانسحاب الأميركي من الالتزامات تجاه الحلفاء باعتماد شعار أميركا أولاً.

لا يهتم ترامب بسياسات الدول ما مام أنها لا تهدد مصالح أميركا. يرى الصين كمنافس اقتصادي وليست تهديداً عسكرياً. ويؤكد أن الصين، يجب أن تكون متوازنة وخاصة في موضوع سلاسل التوريد والتكنولوجيا.

يعطي الأولوية لإنهاء حرب أوكرانيا وضمان الاستقرار الاستراتيجي مع روسيا، ويحذر من أن الحضارة الأوروبية ستُمحى حضارياً بفضل زيادة عدد المهاجرين واقتصادياً بسبب اقتصاد مثل الصين والهند، وهي دعوة إلى استنهاض الأحزاب اليمينية.

ينتقد ترامب الأوروبيين لرؤيتهم روسيا تهديداً وجودياً، ويريد إنهاء الحرب في أوكرانيا. يدّعي أن الشرق الأوسط لن يكون له نصيب الأسد في اهتمامات أميركا، وسيفعل كل ما يهم مصالح أميركا، ويتخلى عن كل ما لا يفيدها، لكن لا يعني هذا الأمر أن الولايات المتحدة ستنسحب من المنافسة والسيطرة.

سياق السياسة في الشرق الاوسط

لن يعود نفط الشرق الأوسط محور اهتمام أميركا، لكن المنطقة يمكن أن تصبح وجهة للاستثمار الدولي عبر الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي وتقنيات الدفاع، وعبر تعزيز المصالح الأميركية الاقتصادية مع شركائها في الشرق الأوسط من تأمين سلاسل التوريد إلى الأسواق النامية في أفريقيا.

 لم تعد الطاقة مهمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فهي نفسها أصبحت مصدراً للطاقة، أما المنافسة بين القوى العظمى فهي أصبحت موضوع تفاوض، وعلى الرغم من الصراعات في المنطقة ستعزز أميركا تحالفاتها مع العرب و"إسرائيل" من أجل حفظ موقعها.

لا تزال الصراعات هي الديناميكية الأكثر إشكالية، بالرغم من أن هدف إضعاف إيران تحقق بشكل جزئي، وما زال الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قضية إشكالية، أما سوريا، ما زالت مشكلة حقيقية إلا أن الوثيقة تعتبر أن الدعم العربي وإلإسرائيلي والتركي سيؤدي إلى تقدم السلام، ولكل شريك إقليمي دور يتوافق مع المصالح الأميركية.

المهم هو أن يكون الشرق الأوسط الجديد من دون مقاومة، فقط التزام الدول الشريكة بالاتفاقات الإبراهيمية. لن تتدخل الولايات المتحدة في السياسات الداخلية لدول الخليج وفي حكمها، لكنها تشجع الإصلاح، والعلاقات الناجحة مع الشرق الأوسط هي قبول  رؤساء المنطقة كما هم  وكما يمارسون سياستهم.

الولايات المتحدة لم تواجه مشكلات مع الشيوخ أو الأمراء في الخليج  أو مموّلي الانقلابات.

كانت السياسية الخارجية مجرد أداة في حرب الاستنزاف ضد الأعداء المشتركين، فما هي المصالح الأميركية بحسب الوثيقة في الشرق الأوسط؟

أولاً عدم وقوع موارد الطاقة في الخليج في يد عدوها. بقاء مضيق هرمز مفتوحاً وعدم إغلاق البحر الأحمر . يجب ألا تكون المنطقة مصدراً للإرهاب ضد المصالح الأميركية. أمن "إسرائيل" ودفع اتفاقيات إبراهيم. 

لكن خيار معالجة المشاكل عسكرياً يبقى مطروحاً. يبقى أن نفوذ الصين وروسيا، ومن هم ضد المصالح الأميركية الأساسية، يجب أن يكون محدوداً في الشرق الأوسط، كالحد من سلطة إيران ودفعها إلى الانكفاء داخلياً، وتقييد حركة اليمن  والقضاء على حزب الله والحشد الشعبي.

من الواضح لأن الولايات المتحدة سترفع من قدراتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية في الشرق الأوسط، أما الدولار والنفط فهما عماد الهيمنة ومن دونهما لا قوة، سيتم نقل الموارد المالية للخليج إلى الاستثمارات في الولايات المتحدة وجعل الشركات الأميركية شريكة في الاستثمارات التقنية المتقدمة في الخليج، ماذا عن "إسرائيل" ؟ "التدخلات الجراحية" ستحل مكان الحروب وتتحول إلى خلق محور عربي-إسرائيلي في المنطقة، أما اتفاقيات إبراهيم فهي تهدف إلى الحفاظ على أمن "إسرائيل". 

الالتزام الصريح بأمن "إسرائيل" يجعل الرؤساء الأميركيين رعاة للحروب. في ظل هذه الوثيقة، لا تتوقف "إسرائيل" عن هجماتها على لبنان وتحافظ على تهديدها بالعودة إلى الحرب ومهاجمة إيران مرة أخرى عند أول فرصة. وهي تريد أن تفرض منطقة عازلة على سوريا بالقوة.

العدوان الإسرائيلي يمثل نقطة أساسية في العقيدة الأميركية، يدين ترامب التدخلات الأميركية التقليدية، لكنه يقول بالسلام بالقوة". سوريا ولبنان لهما نصيبهما من هذه السياسة.

أهمية دور تركيا 

يركز ترامب على شركاء في آليات حل النزاعات مثل تركيا. يعتبر أن تركيا كطرف جيوسياسي لا غنى عنه في سوريا، ساعدت في تحول هيئة تحرير الشام واستعادة النظام والحوار مع النظام الأميركي، لكن الأمر يتطلب مساهمات تركيا في تمهيد الطريق لسوريا من أجل إقامة علاقات مع "إسرائيل".

تهدف الاستراتيجية إلى بناء قوة وأمن يجمعان أولويات تركيا و "إسرائيل". إدخال قوات سوريا الديمقراطية في النظام بطريقة تمزج بين حساسيات أنقرة والدور الذي أوكلته الولايات المتحدة للكرد.

تظهر المهمة الموكلة إلى تركيا في ملف فلسطين في جعل حماس تقبل خطة غزة. بينما يوصي السفير براك "تل أبيب" بالسماح للقوات التركية بدخول غزة، يجادل بأن ذلك سيحقق هدف "إسرائيل" في نزع سلاح المقاومة الفلسطينية.

يمكن وصف استراتيجية دونالد ترامب تجاه الشرق الأوسط بأنها تتميز بنهج "أميركا أولاً" (America First)، هو ركز على صفقات المعاملات الفورية، وقلل العبء العسكري الأميركي، وركز على مواجهة إيران، ودعم "إسرائيل" بشكل غير مشروط تقريباً.

استراتيجيته تفتقر إلى إطار أيديولوجي متماسك، وبدلاً من ذلك مدفوعة بالبراغماتية والتركيز على المصالح الاقتصادية والأمنية المباشرة.