إيران وآلة الحرب الدائمة: الدولة الحديثة كجريمة منظمة

طوال حملته الرئاسية، كان المرشح ترامب وذوو الأسماء الكبيرة من مؤيّديه البارزين قد وعدوا الناخبين "بصدق" أنّ ترامب هو الرجل الذي لن يُشعل حروباً جديدة "حمقاء"، بعكس خصومه الديمقراطيين.

0:00
  • الحرب على إيران.. الدولة الحديثة كجريمة منظمة.
    الحرب على إيران.. الدولة الحديثة كجريمة منظمة.

لم يكد العالم يفيق من هول الجريمة الأميركية في فنزويلا، غزواً للبلاد واعتداءً على سيادتها واختطافاً لرئيسها الشرعي المنتخب وقتلاً لمئات من الجنود والأفراد، حتى صُدم بانطلاق تهديدات التدخّل العسكري والأمني في إيران بذريعة أحداث داخلية فيها، وبقرع طبول الحرب عليها، وتحريك الأساطيل والطائرات الحربية.

بل وبدأ العد التنازلي لبدء عدوان جديد وشيك على طهران، بينما العالم في غاية الذهول والدهشة من غياب أيّ استفزاز إيراني أو مبرّر أو تفسير لكلّ هذه الجلبة وقعقعة السلاح وغياب العقل والمنطق والعدالة، وسيطرة البلطجة وسلوكيات عصابات المافيا على مسار الأحداث وتهديد السلم والأمن دولياً وإقليمياً.

في محاولة لفهم هذا التوجّه الإمبريالي الجنوني نحو الحرب الدائمة والمفاهيم الكامنة وراءه، يحاول الفيلسوف السياسي الأميركي، بول غرينييه، الإجابة عن السؤال المركزي في هذا السياق: كيف أصبحت الأكاذيب والخيانة عقيدة صريحة للحكومة الأميركية؟!

اقصف إيران!

من المفارقات السياسية المتكرّرة في كلّ انتخابات أميركية مقولة: "مهما كان المرشح الذي تنتخبه أو تصوّت له، فستحصل دائماً على جون ماكين". هذه العبارة المُتداولة بكثرة قد تُثير الملل، لكنها مع ذلك تبقى صحيحة فعلاً.

في 13 أيار/مايو 2025، أي قبل شهر بالضبط من إعطاء الضوء الأخضر لنتنياهو لبدء قصف إيران في حزيران/يونيو 2025، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العاصمة السعودية، الرياض، بأنه لا يجمعه أيّ شيء مع دعاة الحروب من هؤلاء المحافظين الجدد.

"لقد دمّر ما يُدعى "بناة الدول" دولاً أكثر بكثير مما بنوا"، هكذا صرّح ترامب. "لقد كان المُتدخّلون يتدخّلون في مجتمعات مُعقّدة لم يفهموها هم أنفسهم".

بل إنّ ترامب هاجم المحافظين الجدد بالاسم قائلاً: "لم تُبنَ روائع الرياض وأبو ظبي البرّاقة على يد من يُسمّون أنفسهم "بناة الدول"، أو المحافظين الجدد، أو المنظمات الليبرالية غير الربحية".

طوال حملته الرئاسية، كان المرشّح ترامب وذوو الأسماء الكبيرة من مؤيديه البارزين قد وعدوا الناخبين "بصدق" أنّ ترامب هو الرجل الذي لن يُشعل حروباً جديدة "حمقاء"، بعكس خصومه الديمقراطيين. وفي خطاب تنصيبه، كرّر ترامب هذا الوعد.

وبعد أقلّ من خمسة أشهر، أشعل ترامب حرباً حمقاء – بل إنه أشعل الحرب نفسها التي طالما نادى بها المحافظون الجدد أنفسهم على مدى العقود الثلاثة الماضية، الحرب نفسها التي كانت عزيزة على قلب السيناتور ماكين. كانت الأغنية المفضّلة للسيناتور المحافظ الراحل تقول: "اقصف، اقصف، اقصف؛ اقصف إيران!"

تواطؤ كامل على العدوان

من الواضح أنّ الولايات المتحدة لم تكن متفرّجة على العدوان الإسرائيلي، أولاً، من حيث التعقيد اللوجستي للضربات بعيدة المدى، والتي لم يكن ممكناً تنفيذها ببساطة من دون دعم أميركي مركّب من الاستخبارات، والرادارات، والأقمار الاصطناعية، والأسلحة المتطورة، وغيرها من أشكال الدعم التقني.

أما بالنسبة لمن لم يقتنعوا بهذه القرائن أو الأدلة "الظرفية"، فما عليهم إلا قراءة ما كتبه ترامب نفسه على موقع "تروث سوشيال" في اليوم التالي لبدء الهجمات: "لقد أعطيت إيران فرصة بعد فرصة لعقد صفقة... أخبرتهم أنّ الأمر سيكون أسوأ بكثير من أي شيء يعرفونه أو يتوقّعونه أو أُخبروا به، وأنّ الولايات المتحدة تصنع أفضل العتاد العسكري وأكثره فتكاً في العالم، وبفارق شاسع، وأنّ "إسرائيل" تملك الكثير منه، والمزيد في الطريق – وهم يعرفون كيف يستخدمونه. لقد تحدّث بعض المتشدّدين الإيرانيين بشجاعة، لكنهم لم يكونوا يعلمون ما سيحدث. لقد لقوا حتفهم جميعاً الآن، ولن يزداد الأمر إلا سوءاً!... يجب على إيران إبرام اتفاق قبل فوات الأوان حيث لن يتبقّى شيء...".

هنا يمكن استخلاص استنتاجين مما سبق؛ الأول هو أنّ الديمقراطية في أميركا اليوم أصبحت في جوهرها بلا معنى، فالناخبون الأميركيون يُعلنون مراراً وتكراراً أنهم سئموا الحرب، ويُصوّتون مراراً وتكراراً لمرشحين يَعِدُون بعدم إشعالها. ومع ذلك، يتمّ تجاهل رغبات الناخبين بشكل ممنهج. وقد تمّ تجاهلها مرة أخرى، وبأوضح وأفدح صورة ممكنة، من قِبَل ترامب في الـ 13 من حزيران/يونيو 2025.

أما الاستنتاج الثاني – وهو بكل تأكيد، كالأول، ليس بالأمر الجديد تحديداً– فهو أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تثق الحكومات الأخرى بالحكومة الأميركية.

الأكاذيب والخيانة

وكان الفيلسوف الألماني، إيمانويل كانط (1724-1804)، في كتابه "نحو سلام دائم: مخطط فلسفي" (1795)، Zum ewigen Frieden. Ein philosophischer Entwurf، قد أطلق إعلانه الشهير حول عدم جواز، بل وعدم عقلانية، انخراط أي دولة في "أنماط من العداء تجعل الثقة المتبادلة مستحيلة في حالة سلام لاحقة". ومن بين "أنماط العداء" هذه، بحسب كانط، "استخدام الخيانة".

ومع ذلك، ما هو سلوك ترامب إن لم يكن مُركّباً من الكذب والخيانة؟ وماذا كان سلوك الحكومة الأميركية تجاه روسيا خلال الإدارات السابقة (انظر مثلاً اتفاقيات مينسك المُتجاهَلة، والوعود بعدم توسيع حلف الناتو، وتدمير خطوط أنابيب الغاز نورد ستريم، وغيرها) إن لم يكن أكاذيب وخيانة مماثلة؟

في الأيام التي سبقت العدوان الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية يوم الجمعة في الـ 13 من حزيران/يونيو 2025، تظاهرت إدارة ترامب بأنها لا تزال منخرطة في عملية مفاوضات نشطة مع إيران. وكان مقرراً أن يستأنف مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، ما وُصف أميركياً ومن قبل المبعوث نفسه، بأنه مفاوضات بنّاءة مع نظرائه الإيرانيين ستُعقَد يوم الأحد في الـ 15 من حزيران/يونيو.

لذلك، كان من المنطقي أو العقلاني أن يفهم الجانب الإيراني بالحد الأدنى أنّ الولايات المتحدة ووكيلها الإسرائيلي، على الأقل، لن يبدآ أعمالاً عدائية قبل يوم الأحد. وربما لن يفعلا ذلك على الإطلاق.

ومع ذلك، كان ترامب يعلم طوال الوقت، وقد اعترف بأنه كان يعلم، أنّ الهجمات على إيران ستبدأ يوم الجمعة، قبل يومين من موعد استئناف المفاوضات!

عصابات الجريمة المنظّمة

يُقدّم التحليل الدقيق لتغريدة ترامب على موقع "تروث سوشيال" درساً ثالثاً إضافياً. فأسلوبها الخطابي يُشبه أسلوب زعيم عصابة عندما يقول: "افعلوا ما أقوله تماماً؛ وبهذه الطريقة لن أضطر لقتلكم جميعاً". يا له من أسلوب تفاوض!

قبل أربعين عاماً، خلص عالم الاجتماع الأميركي، تشارلز تيلي، إلى أنّ صياغة الدولة الحديثة قد تنطوي – في كثير من الأحيان – على سمات مشتركة، بنيوية ومفاهيمية وسلوكية، مع عصابات الجريمة المنظّمة. ويصدق هذا بشكل خاصّ عندما تقوم الدول أولاً باختلاق "التهديدات" ثمّ تفرض أو تزعم "حماية" رعاياها من هذه التهديدات المختلقة ذاتها.

يتساءل غرينييه: ألا يصف هذا إذاً بدقة الأوضاع السياسية الأميركية الراهنة – بل التي طال أمدها – في أحوال كثيرة وليس فقط فيما يتعلّق بإيران؟!