"Responsible Statecraft": هل سينجو "الناتو" من حكم ترامب؟

إنّ التكتيكات العدائية التي يتبعها البيت الأبيض بشأن غرينلاند تُسرّع من تباعد وجودي، إن لم يكن تباعداً لا يمكن تجاوزه، مع أوروبا بسبب روسيا.

  • "Responsible Statecraft": هل سينجو "الناتو" من حكم ترامب؟

مجلة "Responsible Statecraft" الأميركية تنشر مقالاً يناقش الأسباب الحقيقية والعميقة التي قد تؤدي إلى انهيار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، معتبراً أن الخلاف حول "غرينلاند" ليس إلا القشة التي قد تقصم ظهر البعير.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

خلال عطلة نهاية الأسبوع، هدد الرئيس دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية عقابية جديدة على الحلفاء الأوروبيين حتى يرضخوا لمخططاته بشأن غرينلاند، في تصعيد لمحاولاته المستمرة للاستيلاء على هذه الجزيرة القطبية الكبيرة لصالح الولايات المتحدة.

استنكر النقاد بشدة هذه الخطوة، واصفين إياها بأنها مدمرة للعلاقات عبر الأطلسي، مرددين تحذير رئيسة وزراء الدنمارك، ميتي فريدريكسن، السابق من أنّ الاستيلاء الأميركي القسري على الإقليم الدنماركي شبه المستقل سيؤدي إلى نهاية حلف "الناتو".

يبدو أنّ سلامة هذا الحلف، الذي يبلغ من العمر 76 عاماً، على المحك، لكن الخلاف حول غرينلاند ليس إلا عرضاً، وليس السبب. يواجه حلف "الناتو" اليوم تحدياً وجودياً عميقاً: انقسام جوهري بين الولايات المتحدة والأعضاء الأوروبيين في الحلف حول طبيعة ومدى التهديد الذي تشكله روسيا. في نهاية المطاف، هذا الانقسام - وليس نتيجة النزاع الإقليمي الحالي - هو ما سيؤدي إلى انهيار الحلف.

جوهر هذا الشرخ عبر الأطلسي بسيط. بينما يقتنع جزء كبير من أوروبا بأن الحرب المستقبلية مع روسيا باتت شبه حتمية، فإن بعض الجهات في واشنطن ومراكز القوى الرئيسية في إدارة ترامب لا تنظر إلى روسيا على نحو متزايد كتهديد عسكري تقليدي للولايات المتحدة، ولا تعتقد أن موسكو تُضمر نيات إمبريالية تجاه بقية أوروبا.

وقد فاقم خطاب ترامب الحاد هذا الانقسام بشكل خطير، وفرض ضغوطاً جديدة على حلف "الناتو"، وعجّل من ضعفه. ومع ذلك، فقد برزت الخلافات عبر الأطلسي حول مدى خطورة "التهديد الروسي" بوضوح خلال إدارة بايدن، لا سيما في سياق النقاشات عبر الأطلسي حول أفضل السبل لدعم أوكرانيا.

إذ اعتبر القادة الأوروبيون الغزو الروسي لأوكرانيا تهديداً وجودياً للأمن القومي، دعوا منذ عام 2022 إلى تقديم المزيد من المساعدات العسكرية الأميركية، وتوسيع نطاق استخدام أوكرانيا للصواريخ بعيدة المدى، بل وحتى إلى تدخل أميركي مباشر في شكل مناطق حظر طيران أو دعم للدفاع الجوي. وبينما أعلن الرئيس جو بايدن استعداده لتقديم "كل ما يلزم" لأوكرانيا لتحقيق النصر، إلا أنه فضّل اتباع نهج أكثر حذراً وتدريجياً، بما يتماشى مع تقييم واشنطن بأن الهجوم الروسي على أوكرانيا، على الرغم من خطورته، لا يُشكّل تهديداً للمصالح الأميركية الجوهرية أو مصالح أوروبا. وبغض النظر عن تصريحاته، لو كان بايدن ومستشاروه يرون حقاً تهديداً وجودياً للولايات المتحدة، لأرسلوا قوات برية لخوض الحرب مباشرة.

بذل فريق بايدن قصارى جهده لإخفاء هذا التباين داخل التحالف في إدراك التهديد، ساعياً إلى إظهار جبهة موحدة، حتى مع تحويل قطاعات واسعة من جهاز الأمن القومي الأميركي تركيزها بعيداً عن روسيا ونحو الصين.

من جهة أخرى، زادت إدارة ترامب من حدة الخلافات بين الحلفاء بشأن روسيا.

ففي شباط/فبراير 2025، على سبيل المثال، وبعد أقل من شهر على توليه منصبه الثاني، أجرى ترامب أولى مكالماته الهاتفية العديدة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث ناقش الرجلان "الفوائد الجمة التي ستعود على البلدين من التعاون". وقد مثّلت هذه الرسالة تناقضاً صارخاً مع موقف القادة الأوروبيين الذين لم يكن لهم تواصل يُذكر مع الرئيس الروسي، وسعوا بالدرجة الأولى إلى عزله وعزل نظامه.

في عهد ترامب، استمر الخلاف عبر الأطلسي في التفاقم، لا سيما في ما يتعلق بقضية أوكرانيا. فقد سعت واشنطن جاهدةً لتحقيق سلام سريع لا يُلزم موسكو إلا بتقديم تنازلات قليلة، انطلاقاً من اعتقادها بأن روسيا لا تُشكل تهديداً طويل الأمد للولايات المتحدة أو أوروبا، بغض النظر عن نتيجة الحرب الدائرة. في المقابل، لعبت أوروبا دور المُعرقِل باستمرار، خشية أن يُشجع أي شيء أقل من "هزيمة استراتيجية" لروسيا على العدوان العسكري الروسي، الذي سيستهدف أوروبا في المرة القادمة. وبغض النظر عن صحة أي الرأيين، فقد أدى الانقسام بين المعسكرين إلى توتر التحالف وعرقلة السلام.

ويبرز الانقسام داخل التحالف حول كيفية الرد على روسيا  بالقدر نفسه في ما يتعلق بحملة موسكو الهجينة، بما في ذلك حوادث التخريب واختراقات الطائرات المُسيّرة والطائرات العادية للمجال الجوي لحلف "الناتو". وقد أبدى حلفاء "الناتو" الأوروبيون قلقهم البالغ إزاء الاستفزازات الروسية المتزايدة، حيث لجأوا إلى المادة الرابعة من حلف "الناتو" عدة مرات، ودعوا إلى ردود أقوى على ما يعتبرونه "المرحلة الصفرية" في حرب مُحتملة بين روسيا وأوروبا.

رفضت إدارة ترامب الدعوات الموجهة إلى القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى "إغلاق الأجواء" فوق أوكرانيا، وإسقاط الطائرات المقاتلة الروسية التي تدخل المجال الجوي لـ"الناتو"، وغيرها من الإجراءات المماثلة، معتبرةً إياها متطرفة وغير ضرورية. في الواقع، كان رد ترامب على دخول نحو عشرين طائرة مسيرة المجال الجوي البولندي في سبتمبر/أيلول 2025 أشبه بتجاهل، إذ ترك الباب مفتوحاً أمام احتمال أن يكون الحادث خطأً.

كما أشارت إدارة ترامب إلى عدم اكتراثها بأي تهديد تشكله روسيا على المصالح الأميركية والأوروبية بطرق أخرى. فقد قررت سحب الوجود العسكري الأميركي الدوري من رومانيا، التي لطالما اعتُبرت موقعاً استراتيجياً أساسياً لردع العدوان الروسي على أوروبا. وبدأت أيضاً في تقليص المساعدات العسكرية للدول الواقعة على حدود "الناتو"، والحد من مشاركتها في المناورات العسكرية لـ"الناتو". وهكذا، بدأ بالفعل انسحاب الولايات المتحدة من "الناتو" بسبب اختلاف موقفه تجاه روسيا.

وعلى الصعيد الخطابي، يبدو الانفصال الوشيك للولايات المتحدة عن "الناتو" أكثر وضوحاً. إن نظرة ترامب إلى الالتزام بالمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) أضيق نطاقاً وأكثر تقييداً من نظرة أسلافه. فخلال حملته الانتخابية، أشار ترامب بوضوح إلى أنه قد لا يرسل القوات الأميركية إلا للدفاع عن الحلفاء الذين يموّلون دفاعهم الوطني بشكل كافٍ.

وفي الآونة الأخيرة، عندما سُئل عما إذا كان سيدعم حلفاء "الناتو" الذين يتخذون إجراءات ضد الطائرات الروسية التي تدخل مجالهم الجوي، أجاب ترامب بصراحة: "الأمر يعتمد على الظروف". ورغم أن هذا الموقف يختلف عن مواقف الرؤساء السابقين، إلا أن نفوره من خوض حروب طويلة الأمد (كما يتضح في هذا الرد) كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت العديد من الأميركيين إلى تأييده في المقام الأول.

إذا كانت لا تزال هناك شكوك حول أن تباين المواقف تجاه روسيا يدفع حلف "الناتو" إلى حافة الانهيار، فإن استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها ترامب في مطلع ديسمبر 2025 كفيلة بتبديد هذه الشكوك. ففي البداية، لم تُصنّف الوثيقة روسيا كتهديد رئيسي للولايات المتحدة أو لأوروبا، وتخلّت عن إطار التنافس بين القوى العظمى الذي استُخدم سابقاً لتوجيه السياسة الأميركية تجاه روسيا.

والأهم من ذلك، أن الوثيقة أشارت إلى حلف "الناتو" كما لو أن الولايات المتحدة لم تكن عضواً فيه، مستخدمةً مصطلحات الاتحاد الأوروبي وأوروبا وحلف "الناتو" بشكل شبه مترادف في بعض الأحيان. بالطبع، هذا بعيد كل البعد عن الواقع، إذ تحتفظ الولايات المتحدة بالسيطرة المؤسسية على حلف "الناتو"، مع وجود جنرال أميركي في منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة في أوروبا. لكن الاستراتيجية أوضحت مسار السياسة الخارجية الأميركية، ويبدو أن هذا المسار ينأى بشكل حاد عن حلف "الناتو".

من هذا المنظور، إذا ما وجّهت مساعي ترامب القسرية للاستحواذ على غرينلاند ضربة قاضية لحلف "الناتو"، فلن تكون سوى الشرارة المباشرة ودليلاً على اتساع الهوة بين أميركا وحلفائها القدامى، وليست السبب الجذري لانهيار "الناتو".

علاوة على ذلك، حتى لو تم حل الخلاف حول غرينلاند من دون تدمير الحلف، فإن مستقبل "الناتو" يبدو غامضاً في أحسن الأحوال. ببساطة، يبدو من غير المرجح أن يستمر تحالف عسكري في ظل اختلاف أعضائه اختلافاً جوهرياً حول طبيعة وحجم التهديدات المستقبلية، لا سيما عندما يتعلق هذا الخلاف بروسيا، الخصم الرئيسي للحلف. كيف سيبدو تخطيط "الناتو"، على سبيل المثال، إذا كانت معظم دول أوروبا تخشى هجوماً روسياً على دول البلطيق، بينما لا تخشى الولايات المتحدة، المالكة لمعظم الأصول العسكرية لـ"الناتو"، ذلك؟

عندما حذّره صحفيو صحيفة "نيويورك تايمز" من أنه قد يضطر للاختيار بين الاستحواذ على غرينلاند واستمرار "الناتو"، لم يُعر ترامب الأمر اهتماماً، مكتفياً بالقول: "قد يكون هذا هو الخيار". في الواقع، يبدو أن قراره قد حُسم إلى حد كبير. فتحركات ترامب العدوانية تجاه غرينلاند والعقوبات التي فرضها على حلفائه التاريخيين تشير إلى أن إدارته ربما تكون قد تقبّلت بالفعل فكرة تفكك حلف "الناتو" الوشيك، وأدرجتها ضمن خططها وسياساتها.

لا ينبغي لواشنطن أن تتسرع في التخلي عن حلفائها الأوروبيين القدامى أو تحويلهم إلى أعداء. قد تتباين المصالح الأمنية الأميركية والأوروبية، لكن وجود شراكة قوية مع أوروبا يمكن أن يوفر للولايات المتحدة فوائد أخرى، لا سيما في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي. يجب أن يكون تركيز إدارة ترامب خلال السنوات الثلاث المقبلة على إعادة ترسيخ العلاقات عبر الأطلسية حول هذه الركائز، وعدم السعي وراء التوسع الإمبريالي على حساب أوروبا.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.