إيران... من تحدي السردية الأميركية إلى إعادة تعريف الصراع
النظام الدولي، وفق الرؤية الإيرانية، لا يشكل إطاراً مستقلاً تنتظم فيه العلاقات بين الدول بطريقة تحفظ مفهوم السيادة بمعناه التقليدي، وإنما تعتبره مجرد بنية غير متوازنة صُممت لتخدم المصالح الأميركية والغربية.
-
من تحدي السردية الأميركية إلى إعادة تعريف الصراع.
في لحظة انهيار الاتحاد السوفياتي، سارع المفكرون الأميركيون إلى إنتاج نظريات تسعى إلى تأطير لحظة التفوق الأميركي نظرياً، وتقديم سردية للمرحلة المقبلة تنسجم مع مشروع الهيمنة المطلقة الذي تطلعت إليه واشنطن.
فمن خلال أطروحة نهاية التاريخ، أعلن فرنسيس فوكوياما انتصار الليبرالية، وأكد قدرتها على إحكام قبضتها وهيمنتها الإيديولوجية على مختلف الميادين، ثم قدّم صامويل هنتنغتون فيما بعد نظرية صراع الحضارات، التي اعتبر فيها أن الصراعات الإيديولوجية قد طُويت صفحتها مع هزيمة الشيوعية أمام الرأسمالية.
من خلال هاتين النظريتين، ورغم عدم توافقهما على الرؤية المستقبلية لأي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وأي قوة أخرى، حيث يعتبر فوكوياما أنه لم يعد من الممكن ظهور أي نموذج إيديولوجي قادر على مواجهة الليبرالية، في حين أن هنتنغتون قد اعتبر أن المعايير الحضارية ستكون هي الحاكمة في أي مواجهة مستقبلية، وبالتالي فالصراعات التي ستقع في المستقبل ستتخطى الإطار الإيديولوجي التقليدي لتستند إلى معايير أكثر تجذراً في الوعي الجمعي للشعوب، فقد حاول كل منهما بناء مرتكز نظري يختلف عن الآخر في مضمونه، ولكنه يلتقي معه في الهدف المركزي ذاته، والذي يتمثل في تقديم الولايات المتحدة كنموذج متفوق لا يمكن مواجهته، أو على الأقل لا يمكن هزيمته.
في مقابل ذلك، برزت الجمهورية الإسلامية كنموذج فريد، استطاع في مرحلة ما بعد الحرب الباردة أن يفرض على الولايات المتحدة تحدي إثبات قدرتها على فرض نموذجها بوصفه قادراً على احتواء أي حالة شاذة وإسقاطها، أو في الحد الأدنى تطويعها ودمجها في المنظومة الدولية الخادمة لمصالحها. في هذا الإطار، ارتكزت السردية الأميركية الموجهة ضد الجمهورية الإسلامية على اعتبار الأخيرة نموذجاً إيديولوجياً دينياً رافضاً لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا يخرج عن كونه حالة مؤقتة داخل النظام الدولي، يُفترض أن ينهار تلقائياً تحت وطأة عدم القدرة على مقاومة العولمة وسياسة الاحتواء المنهك، التي تستهدف بنية نظامه ومشروعه السياسي.
من ناحيتها، بلورت الجمهورية الإسلامية الإيرانية سرديتها انطلاقاً من قراءة خاصة لطبيعة النظام الدولي، حيث تعتبر أن استهدافها ومحاولة تطويعها لا تعبران عن مجرد صراع إيديولوجي، أو مواجهة ظرفية يمكن تسويتها من خلال تقديم بعض التنازلات التكتيكية، وإنما تعبر في مضمونها عن سياق بنيوي يستهدف إخضاعها لمنظومة هيمنة تشكل تهديداً مباشراً لمبادئها.
فالنظام الدولي، وفق الرؤية الإيرانية، لا يشكل إطاراً مستقلاً تنتظم فيه العلاقات بين الدول بطريقة تحفظ مفهوم السيادة بمعناه التقليدي، وإنما تعتبره مجرد بنية غير متوازنة صُممت لتخدم المصالح الأميركية والغربية.
وإذا عدنا إلى النظريات التي تسعى إلى تأطير لحظة التفوق الأميركي، فإن السردية الإيرانية، إضافة إلى قدرتها على الصمود في وجه كل المحاولات الأميركية التي استهدفت إضعافها أو إسقاطها، يمكن القول إن الجمهورية الإسلامية قد نجحت في نقض السردية الأميركية، وذلك من خلال إثبات قابلية نموذجها على الاستمرار، وكذلك من خلال قدرتها على فرض تعريف مختلف للاستقرار بمفهومه الأميركي المتمثل في الخضوع للضوابط الأميركية.
من ناحية أخرى، نجحت الجمهورية الإسلامية في القفز فوق نظرية صراع الحضارات، وبيّنت حقيقة الصراع مع الولايات المتحدة على أنه صراع سياسي بنيوي، يتعلق بإثبات الذات الثورية الإيرانية في الدرجة الأولى. فالمواجهة بين الطرفين لا تتعلق، وفق الرؤية الإيرانية، بمنافسة بين حضارتين متباعدتين في القيم والمثل والمبادئ، رغم صحة هذا التوصيف، وإنما تتعلق بإصرار الجمهورية الإسلامية على حقها في تقرير مصيرها، وكذلك حقها في صياغة علاقاتها الدولية والإقليمية بالطريقة التي تراها مناسبة.
وعليه، نتيجة تراكم عوامل الفشل وعدم فاعلية المسارات الأميركية التي استهدفت إسقاط الجمهورية الإسلامية بطريقة ناعمة، في أحيان كثيرة، كالعقوبات وإثارة الشغب في الداخل الإيراني، وبطريقة خشنة، كما حصل في حرب الـ12 يوماً في حزيران الماضي، من دون أن نهمل عوامل أخرى تتعلق بالواقع الأميركي، حيث تراكمت الأحداث التي لا يمكن أن تُفسر إلا في إطار عدم قدرة الولايات المتحدة على ضمان أحاديتها بالشكل التقليدي الذي ساد بعد الحرب الباردة، يمكن تفسير التصعيد الأميركي الحالي في وجه الجمهورية الإسلامية.
فالتحليل الواقعي للتحشيد الأميركي الحالي حول إيران، والتحضير غير المسبوق لعملية عسكرية تستهدف إسقاط النظام بالقوة العسكرية الصلبة، مع ما يعنيه هذا التوجه من احتمال تعرض القوات الأميركية لرد إيراني غير محدود، يؤكد وجود تحول في القراءة الأميركية للخطر الإيراني.
فبعد أن كانت الولايات المتحدة تعتبر أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تشكل قوة صاعدة قادرة على الهيمنة، وإنما تعتبرها مجرد قوة إزعاج تعرقل بشكل محدود تنفيذ مشروع الهيمنة الأميركية في المنطقة، باتت تصنّفها اليوم في خانة التهديد الاستراتيجي الذي يجب التخلص منه.
وعليه، تطرح هذه الخلاصة على الجمهورية الإسلامية ضرورة إعادة تعريف استراتيجية المواجهة التي كانت تقوم على منطق الاستنزاف البطيء، وإدارة الصراع بطريقة هادئة تؤدي إلى رفع الكلفة الأميركية.
ففي ظل الشكوك العالمية حول المسار الأميركي الذي لم يعد يأبه بالسلم والأمن الدوليين، وفي ظل فقدان القدرة الأميركية على إثبات جدوى الالتزام الدولي بتوجهاتها، خصوصاً في مجال شرعية العقوبات الأحادية والعبث بالاقتصاد العالمي من خلال هيمنة الدولار، وكذلك تحييد المنظمات الأممية وتحييد دورها، بات بإمكان الجمهورية الإسلامية أن تعمل على تحويل المعادلة العسكرية الى معادلة إدراكية مركبة، تربك سردية الولايات المتحدة، وتقدم دليلاً إضافياً على اختلال النظام الأحادي الأميركي.
فمن خلال عدم تراجع الجمهورية الإسلامية أمام الحشود العسكرية الأميركية وإصرارها على التحكم بمستوى الرد وساحاته، رغم التهويل الأميركي، بما أدى إلى تجميد التحرك العسكري الأميركي، حتى لا نقول إلى إلغائه، يمكن القول إن الجمهورية الإسلامية قد خطت خطوتها الأولى في مواجهة تراجع أميركي تُرجم بالتوجه نحو مفاوضات مباشرة. وعليه، يمكن القول إن الخطوة الثانية يُفترض أن تتم على طاولة التفاوض، وذلك من خلال الإصرار على إبقاء التفاوض تحت سقف الثوابت الإيرانية، ووفق هدف أسمى يمكن تعريفه بسعي إيراني لتثبيت نفسها في الوعي الأميركي ككيان قادر على الجمع بين منطق الثورة ومنطق الدولة، بمعنى تأكيد قدرتها على إنتاج شرعية داخلية تشكل رافعة لسلوك دولي يتكامل مع جهود القوى الصاعدة، كالصين وروسيا ودول المنطقة، تحت عنوان التعددية والمشاركة في حفظ الأمن الدولي والإقليمي. فالصمود الذي أظهرته الجمهورية الإسلامية في الأيام القليلة الماضية، يشكل تجربة نادرة لتمرد حقيقي على قوة هيمنت على الواقع الدولي لفترة طويلة.