إمبراطورية غير موثوقة: لماذا لم تعد أميركا مفاوضًا جادًا؟
لم تفقد أميركا قوتها، بل فقدت الصدقية والاستمرارية والانضباط المؤسسي، وهي ضرورات كي تُؤخذ بجِدية كشريك تفاوضي موثوق.
-
المفاوضات الأميركية.. انهيار الالتزام الموثوق.
بانتهاء فترة وقف إطلاق الأولى، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديدًا مفتوحًا لوقف إطلاق النار مع إيران، ناقضًا تصريحات سابقة أدلى بها للإعلام بأنه لا يرغب بالتمديد.
هذا التراجع ليس مجرد تكتيك، بل هو دليل واضح. فمنذ بداية ولايته الثانية، باتت السياسة الخارجية الأميركية تُنقل عبر تغريدات شخصية مرتجلة وعلنية ومتناقضة غالبا، بدل القنوات الدبلوماسية المنظمة. وما كان يُنقل سابقًا عبر بيانات تفاوض وإجراءات مؤسسية، أصبح الآن يُنقل كتصريحات رئاسية متقطعة، معرّضة للتراجع السريع.
بحسب جون ميرشايمر وبول غرينييه، هذا النمط لا يقتصر على قرار واحد. فالتقارير المتعلقة بجولة ثانية محتملة من المفاوضات الأميركية الإيرانية بإسلام أباد اتسمت بالارتباك وليس الترقب. يرفض المسؤولون الإيرانيون إجراء المحادثات تحت الإكراه، بينما تبقى مشاركة الجانب الأميركي غير مؤكدة. تُصدَر الإشارات، ثم تُسحب، ثم تُنقض بسرعة. والنتيجة ليست دبلوماسية بالمعنى التقليدي، بل مشهد متغيّر يتطلب إعادة تفسير باستمرار.
لا تُقاس جدية الدبلوماسية بأسلوبها، بل ببنيتها. تُقيّم الدول بقدرتها على تقديم التزامات دائمة. هذه القدرة كانت تُعرّف الولايات المتحدة، لكنها لم تعد كذلك. لم تصبح واشنطن مجرد مفاوض أكثر تقلبا، بل تحولت من دبلوماسية مؤسسية تراكمية إلى نظام شخصي متقطع وقابل للتراجع. أعراض هذا التحول المتجلية في مبعوثين غير تقليديين، وتراجعات مفاجئة، وتناقضات علنية، ليست هي السبب، بل هي تعبير عن تآكل أعمق: فبمرور الوقت، لم تعد أميركا تُؤخذ بجدية.
من دبلوماسية مؤسسية إلى صفقات شخصية
كثيراً ما يُساء فهم وجود شخصيات مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في مفاوضات حساسة، ويُعتبر هذا خطأً. فقد دأبت الدول على استخدام مبعوثين غير تقليديين. مارس هنري كيسنجر دبلوماسية سرية مع الصين خارج القنوات الرسمية، وكثيراً ما عملت قنوات الحرب الباردة الخلفية عبر شخصيات مثل أناتولي دوبرينين، السفير السوفياتي بواشنطن.
فبحسب ميرشايمر وغرينييه، يبقى الاختلاف بنيويًا. ففي الفترات السابقة، كان هؤلاء المبعوثون يُكمّلون الدبلوماسية المؤسسية، لا يحلون محلها. كانت مهام كيسنجر مُدمجة بمنظومة أوسع ركائزها وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي والاستخبارات. كانت الاستراتيجية تراكمية، والخبرات موزعة، والاستمرارية محفوظة رغم متطلبات السرية.
اليوم، انقلبت هذه العلاقة. فيحلّ المبعوث الشخصي محل العملية المؤسسية باطراد، بدل العمل جنباً إلى جنب. فأصبحت العلاقة بالرئيس أهم من الخبرة. تعكس المفاوضات غرائز دائرة داخلية ضيقة بدل الحكمة المتراكمة لمنظومة متكاملة. ما يتبلور ليس دبلوماسية حديثة، بل أقرب لسياسة البلاط – سائلة وشخصية ومنفصلة عن قيود المؤسسة.
بات غياب وزارة الخارجية عن الدبلوماسية الجادة أمرا ملموسا. فقد تم تسريح أكثر من 1350 موظفًا بالوزارة في يوليو/تموز 2025، ومنهم دبلوماسيون محترفون، بينما بلغ التخفيض الأوسع نطاقًا نحو 3000 موظف. وتجاوزت مناصب السفراء الشاغرة المئة، ما ترك نحو نصف مواقع سفراء أميركا بالعالم شاغرة. اتساع شواغر مناصب السفراء يكشف ضعفا إداريا، بل ويُظهر للحكومات الأجنبية أن الدبلوماسية لم تعد أداة رئيسة للقوة الأميركية. في هذا الفراغ، تتآكل المصداقية، وتضعف العلاقات، وتتلاشى الذاكرة المؤسسية، وتجد القوى المنافسة مساحة لتوسيع نفوذها.
فالمؤسسات ليست مجرد طبقات إدارية، بل آليات تضمن استمرارية الذاكرة والانضباط والتماسك عبر الزمن. عندما تُهمّش الدبلوماسية، تفقد قدرتها على تراكم المعرفة، واستدامة المواقف، ونقل الالتزامات من لحظة لأخرى. يصبح التفاوض متقطعًا، ومجرد رد فعل، ومنفصلًا باطراد عن الالتزامات السابقة. والنتيجة ليست مجرد دبلوماسية أضعف، بل دبلوماسية هشة الاستمرارية، والخبرة اختيارية، دون أن تتحدث الدولة بصوت موحد.
انهيار الالتزام الموثوق
إذا كان التآكل المؤسسي تغيرا بنيويا، ففقدان الالتزام الموثوق أخطر نتائجه. تستمد الاتفاقات الدولية قيمتها من توقع الامتثال لها. ويستند هذا التوقع على الاعتقاد بأن الدولة، لا الإدارة، تلتزم بتعهداتها. لم يعد هذا الافتراض قائمًا في الحالة الأميركية.
يُجسّد الاتفاق النووي الإيراني هذا الانقطاع. فقد مثّلت "خطة العمل الشاملة المشتركة" لعام 2015، التي تم التفاوض عليها سنوات بتنسيق متعدد الأطراف والخبرة التقنية والمثابرة الدبلوماسية، مثالاً نموذجياً للتفاوض المؤسسي. لكن انسحاب إدارة ترامب منه لاحقاً أظهر التزامات أميركا مرهونة بالدورات السياسية.
بالنسبة للأطراف الأجنبية، التداعيات واضحة لا لبس فيها. فلم تعد الاتفاقات مع الولايات المتحدة راسخة ضمن استمرارية الدولة، بل عرضة للتحولات الأيديولوجية وقابلة للتعديل الأحادي. يصبح التفاوض هنا أحد أشكال التحوّط الاستراتيجي، حيث تنتزع الدول تنازلات قصيرة الأجل مع الاستعداد للتراجع عنها لاحقاً. وتتجلى هذه الدينامية في الدبلوماسية الأميركية تجاه كوريا الشمالية في عهد كيم جونغ أون، حيث انتزعت كوريا الشمالية شرعية وحققت مكاسب تكتيكية مع الاحتفاظ بقدراتها النووية الأساسية، دون اعتبار الدبلوماسية حلًا، بل ضمانة ضد التراجع.
تتجاوز هذه التداعيات الاتفاقات الفردية. لا مجال أوضح لهذا التآكل من اتفاقات خفض التسلح، الذي كان يُعدّ يوما أسمى أشكال الدبلوماسية بين القوى العظمى. كانت العملية بطيئة، تقنية، مؤسسية، ومصممة لجعل التنافس قابلاً للتنبؤ. اختفى ذلك العالم تقريبا. انسحبت الولايات المتحدة من معاهدات الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية (ABM)، والصواريخ النووية متوسطة المدى (INF)، والسموات المفتوحة. انتهت صلاحية معاهدة ستارت (START) الجديدة بفبراير/شباط 2026، تاركة أكبر قوتين نوويتين دون قيود استراتيجية ملزمة. هذا ليس مجرد خسارة بضع اتفاقيات، بل إفراغٌ لفلسفة الدبلوماسية بأكملها، فلسفة كان الخصوم فيها يُسلّمون بأن الاستقرار يتطلب قواعد وتحققًا واستمرارية بمرور الوقت. ما تبقى أضعف وأكثر خطورة – شفافية وقيود أقل، ومجالا أوسع لانعدام الثقة والتصعيد.
أصبحت المفاوضات أدواتٍ مقيدة المُدد، لا تُقاس صدقيتها بعشرات السنين، بل بالدورات الانتخابية. وبذلك، قوّضت واشنطن أحد أهم أصولها الاستراتيجية: القدرة على إلزام الآخرين عبر وعدٍ بالتزامٍ مستقر.
التفاوض.. أداء استعراضيا
يلفت ميرشايمر وغرينييه إلى أن المفاوضات باتت أداءً استعراضيًا وليس عملية حقيقية. باتت الإشارات العلنية، والتأطير الإعلامي، والمواقف الخطابية تهيمن على المضمون. ويُعدّ المسار الأخير بين الولايات المتحدة وإيران خير مثال. فقد انتهت محادثات إسلام أباد في أبريل/نيسان 2026 دون اتفاق، وأعقبها حصار بحري أميركي، مما يُبرز مدى سرعة تحول الدبلوماسية لاستعراض.
ويتزايد حلول تصريحات ترامب اليومية، بمنصة "تروث سوشيال"، محل السياسة الخارجية المؤسسية. لم يعد ما أصبح مُعتاداً مجرد أسلوب غير تقليدي، بل استبدلت الإشارات الشخصية بالدبلوماسية. فعندما يضطر النظراء الأجانب لتفسير تصريحات زعيم بدل لغة الدولة المدروسة، يتوقف التفاوض عن كونه عملية مؤسسية، ويصبح مجرد تمرين في التفسير السياسي. لم يعد الدبلوماسيون الأميركيون وسطاء رئيسيين، بل أطرافا خارجية (في هذه الحالة، يدّعي ترامب أن القيادة الباكستانية طلبت تمديد وقف إطلاق النار).
لطالما احتوت الدبلوماسية على عنصر استعراضي، لكن الأداء بفترات سابقة ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالعملية. شهدت قمم أواخر الحرب الباردة استعراضات جماهيرية واسعة، لكن الرئيسين ميخائيل غورباتشوف ورونالد ريغان ربطا بين التصريحات العلنية وأطر تنظيم الحد من التسلح. أما اليوم، فقد انقلبت هذه المعادلة. فالإشارات متضاربة، والمواقف مضطربة، والمعاني غامضة. عندما تُرسل دولة إشارات تفاوض وتصعيد معًا، لا يُصدق أيٌّ منهما.
سوء تطبيق منطق الصفقات
لطالما نُظر لاستخدام مبعوثين شخصيين مثل كوشنر وويتكوف، ممن يمتلكون خلفية عقارية، كمسألة تأهيل. لكن المشكلة تكمن في نقل منطق تفاوضي معين من مجال لآخر. فالبيئات القائمة على الصفقات، كالعقارات، تُبرز النفوذ عبر الضغوط، والاستخدام الاستراتيجي للمواعيد النهائية، وتعظيم القيمة الفورية، والاستعداد لترك الصفقات كتكتيك تفاوضي.
هذه المبادئ فعالة ربما في المعاملات الثنائية المتفرقة. لكن الجغرافيا السياسية تعمل تحت ظروف مختلفة تمامًا. فهي عملية تكرارية، مدفوعة بالسمعة، وتراكمية. إن تطبيق منطق الصفقات خطأ جوهري، إذ يُعامل المفاوضات كصفقاتٍ عابرة بدل كونها علاقاتٍ مستمرة. والنتيجة متوقعة، إذ يحل الإكراه محل الثقة، وتُقوّض مكاسب قصيرة الأمد الصدقية طويلة الأمد. وكما غرّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 4 مارس/آذار 2026، مشيرًا لانتهاء المفاوضات مع كوشنر وويتكوف:
"عندما تُعامل المفاوضات النووية المعقدة كصفقة عقارية، وتحجب الأكاذيب الكبرى الحقائق، يتعذر تحقيق توقعات غير واقعية. والنتيجة؟ قصف طاولة المفاوضات بدافع الحقد".
التفاوض بعيدا عن واشنطن
من النتائج الأقل وضوحًا لهذا التحول، تراجع فعالية مفاوضات الولايات المتحدة، بل وتكيف دول أخرى بهدوء لتقليل تأثرها بالتقلبات الأميركية. فعندما يتعذر ضمان استمرار المفاوضات، يعيد الفاعلون تصميم العملية نفسها.
وبحسب ميرشايمر وغرينييه، يتخذ هذا أشكالا ملموسة:
أولًا، تُقلل الترتيبات الإقليمية باطراد التدخل الأميركي نظرا لضرورة الاستمرارية. وأوضح مثال: استئناف العلاقات بين إيران والسعودية عام 2023، برعاية الصين.
لم يكن هذا نزاعًا هامشيًا، بل كان صدعًا محوريًا يُشكل الصراعات بجميع أنحاء الشرق الأوسط. ومع ذلك، بُني الإطار الدبلوماسي بالكامل خارج واشنطن. تكمن الأهمية في حسابات ضمنية أجراها الطرفان بأن قناة غير أميركية توفر مسارًا قابلًا للتنبؤ للمتابعة مقارنة بمسار مرتبط بالدورات السياسية الأميركية.
ثانيًا، تتولى قوى متوسطة دور حراسة المفاوضات عندما تضعف الثقة باستمرارية القوى العظمى. في مسار وقف إطلاق النار بغزة، لعبت قطر ومصر دور الوسيط الرئيسي، محافظتين على قنوات اتصال بجميع الأطراف رغم تذبذب الموقف الأميركي. وبالمثل، لعبت عُمان مرارًا دور القناة الهادئة للحوار الأميركي الإيراني. هذه الدول تعوض عدم استقرار النفوذ الأميركي.
لا ينبغي المبالغة بهذا النمط، فلا تزال هذه الحالات الواضحة قليلة نسبيًا، لكن النمط جليّ. لا يتم استبعاد الولايات المتحدة بشكل كامل، بل يتم الالتفاف حولها. فبعد أن كانت تُشكل ركيزة التفاوض، ضامنةً استمرار العملية بعد انتهاء ولاية أي إدارة، باتت طرفًا يجب التحوط منه.
قوةٌ موضع شك
لا يصدر تراجع الولايات المتحدة كمفاوض جاد من شخصيات ترسلها أو أسلوب خطابي لقيادتها فحسب. مع ذلك، لا يمكن اعتبارهما ظواهر سطحية. غدت هذه العوامل حاليًا مُضخِّمات لتحول بنيوي أعمق. عندما يتواصل الرئيس بعبارات بذيئة وشخصية وهدّامة، لا يقتصر الأمر على مجرد ضجيج، بل تتدهور الدبلوماسية فعليًا. فالخطاب هنا ليس عرضيًا، بل يُفاقم التدهور البنيوي.
لكن القضية الأعمق هي الاستمرارية. فواشنطن تتصرف بشكل متزايد لا كدولة مستمرة، بل كلحظات سياسية. لم تعد التزاماتها راسخة في ثبات المؤسسات، بل في تفضيلات الإدارة الراهنة. في هذه الظروف، حتى الدبلوماسية المنضبطة ستجهد للحفاظ على صدقيتها.
في مثل هذا النظام، تفقد المفاوضات بُعدها الزمني. ولم تعد الاتفاقيات تمتد للمستقبل بثقة. لا يتعامل النظراء الأجانب مع الولايات المتحدة كضامن لنتائج دائمة، بل كطرف يجب التحوط من مواقفه باستمرار. تُقاس جدية الدبلوماسية بالزمن. إنها القدرة على تقديم التزامات تدوم. وعندما تتآكل هذه القدرة، تصبح الدبلوماسية ارتجالا، والاتفاقات مؤقتة، وتُثير الشكوك، وينهار التفاوض نحو حالة طارئة.
يخلص ميرشايمر وغرينييه إلى أن هذا ليس تحولاً أسلوبيًا، بل هو تحذير. فتآكل الدبلوماسية من أوضح مؤشرات انحدار الإمبراطوريات، ليس لأن القوة زالت، بل لأنها لم تعد تستطيع تحقيق نتائج مستدامة. فالقوة التي لا يمكن ترسيخها مؤسسيا هي موضع شكٍ أصلاً. لا تزال الولايات المتحدة حاضرة على طاولة المفاوضات، لكن لم تعد واضحة القدرة على التأثير فيما يجري هناك أو ما سيليه.