إلى فاطمة فتوني....
إجازتك الوحيدة كانت الجنوب، يدقّ جرس المغادرة في ساعتك مرة واحدة أسبوعياً، عند لحظة الزيارة الأسبوعية للطّيبة. لم تتمكن منك المدينة، مع أنها فعلت ذلك مع أغلب أبناء جيلك.
-
فاطمة.. إجازتك الوحيدة كانت الجنوب.
- "عِدني أنك ستزورنا في بلدتي الطيبة يوماً ما".
- أعدك !
هكذا تنظر فاطمة فتوني إلى بلدتها الطيبة، إنها ببساطة مركز الكون، تفتح ذراعيها لاستقبال الزائرين. لم أسمع في حديثها يوماً استلاباً للمدن المزدحمة الصاخبة، إن صخبها الخاص نبت من بلدة خضراء وادعة، ولكنها أيضاً شديدة البأس...
تأخرتُ، ولم أفِ بوعدي سريعاً، فُتحت جبهة الإسناد من لبنان، وبدأت معركة أولي البأس، وفي كل مرّة يصبح الوعد أبعد. ولكن بين الوعد وتلبيته المؤجلة، عرفتُ فيك الكثير. طاقتك غير قابلة للاحتواء، وبحثك المستمر عن مهمات إضافية، خارج الروتيني والمألوف، الذي يتطلب اعتصاراً ذهنياً دائماً لتلبيته.
لا وقت للراحة في جدولك اليومي، تتنقلين من مهمة إلى أخرى، من كتابة خبر إلى آخر، ومن تصوير فيديو إلى آخر. لا ساعات رسمية للعمل في مقاييسك، ففي كل لحظة رسالة. كثيراً ما كنتِ تعيدين ترتيب أولوياتي في التدقيق والمراجعة، بسيف إلحاحك على الإنجاز والعمل، وكثيراً ما كنت أستجيب بمحبة وتقدير لإخلاصك ووفائك.
إجازتك الوحيدة كانت الجنوب، يدقّ جرس المغادرة في ساعتك مرة واحدة أسبوعياً، عند لحظة الزيارة الأسبوعية للطّيبة. لم تتمكن منك المدينة، مع أنها فعلت ذلك مع أغلب أبناء جيلك، لم تتمكن منك صور "الحداثة" المخادعة، فكانت الأرض هناك، بمحاصيلها وماشيتها وحتى رائحة السّماد فيها، تعني لك أكثر من الواجهات البرّاقة في المولات الضخمة، الصاخبة بالاستهلاك عديم الفائدة للوقت والروح.
عندما استشهدت الزميلة فرح عمر، قلتِ لي أنك تخطّطين لملء الفراغ، وسألتك: هل تعرفين احتمالات الطريق؟ فقلتِ نعم أعرفها، أنا مستعدة لكل الاحتمالات.
بدأت رحلتك في التغطيات الميدانية، نصوصك مليئة بالوجدان والمشاعر الواقعية، ولكنّ المعلومة الميدانية حاضرة أيضاً. ولأنك ممّن يتعلمون باستمرار، ولأنّك تجيدين الإنصات لكل فكرة ورأي، كان أداؤك يسير في تصاعد غريب، وكأنّك تريدين اختصار الزمن في كل شيء، وكأنك تريدين أن تعيشي أكثر من حياة في عمر قصير. ليس غريباً إذاً استشهادك في عمر الـ 29، على الأعتاب القريبة للثلاثين، في مناسبة سنوية تتزامن دائماً مع تحرير جنوبك.
كنتِ الناجية بأعجوبة عندما استشهد زميلاك غسان نجار ومحمد رضا. تواطأ القدر ليكتب لك فصلاً إضافياً، تشهدين خلاله نهاية مفتوحة للمشهد؛ بلدتك تقاوم، والميركافا حولها تحترق، وتعدين نفسك بعودة حماسية، أكثر من إجازة نهاية أسبوع العمل. في ترابك المؤقت هذه المرة، سوف تنتظرين باستعجال يوم الانتصار والعودة، سيمشي كل الناس معك، أبناء بلدتك وأكثر، إلى المستقر الأخير، في تربتك أنت. عندها سوف أبرّ بوعدي المؤجل، لأعرف أكثر الطينة التي جبلتِ منها.
إن المناصرين لفكرة يكونون دائرة خاصة، تنمو وتكبر من دون إحساس وحسابات، وعندما يتعرض أحد أفرادها للأذى، تثور مشاعر الآخرين. منّا من دخل هذه العائلة من بوابة رفوف المكتبات، ومنّا من دخلها من بوابة المكان والبيئة، ومنّا من دخلها من بوابة الرفض الفطري للظلم، وهذا ما يجعل ثأر كل واحد منا مزدوجاً، ثأر عام للفكرة وثأر خاص للفرد.
يدور في رأسي الكثير بشأن ذاك الشقّ المتعلق بالفكرة، وجرائم اغتيال الكلمة، وأدوات "إسرائيل" في تصدير صورة عن الذات، تعتيم هنا وإضاءة هناك، لكني هذه المرة أتوقف في الكتابة هنا؛ عند النقطة ما بعد السطر الأخير من رحلتك الممتلئة، ولكن للأسف، السريعة جداً !