"هلسنكي شرق أوسطية": هل تبحث الرياض عن أمنٍ خارج الوصاية الأميركية؟

استلهام هلسنكي في الشرق الأوسط لا يعني نقل التجربة الأوروبية حرفياً. فالشرق الأوسط اليوم ليس أوروبا السبعينيات. هنا احتلال صهيوني استيطاني، ودول منهكة، وحروب أهلية، وقواعد أجنبية، وتدخلات متشابكة، وخرائط لا تزال مفتوحة على الجراح.

  •  هل تبحث الرياض عن أمنٍ خارج الوصاية الأميركية؟
    هل تبحث الرياض عن أمنٍ خارج الوصاية الأميركية؟

ليس عابراً أن يعود اسم «هلسنكي» إلى قاموس الشرق الأوسط في هذا التوقيت. فالمنطقة التي دفعها العدوان الصهيوني- الأميركي على إيران إلى حافة انفجار واسع لم تعد قادرة على التظاهر بأن معادلة "الأمن الأميركي" لا تزال صالحة كما سُوّقت طوال عقود.

ودول الخليج، وفي القلب منها السعودية، لم تعد تستطيع تجاهل الحقيقة العارية: المظلة الأميركية لا تمنع الحرائق بقدر ما تديرها، ولا تطفئ الحروب بقدر ما تضبط إيقاعها وفق مصالح واشنطن و "تل أبيب".

من هنا، تبدو الفكرة التي تداولتها تقارير صحفية، وفي مقدمتها تقرير "فايننشال تايمز"، حول إمكان قيام ميثاق إقليمي لعدم الاعتداء، مستوحى من اتفاقات هلسنكي عام 1975، أكثر من تمرين دبلوماسي عابر.

صحيح أن الحديث لا يدور حتى الآن حول مبادرة سعودية رسمية مكتملة، ولا حول مشروع معلن بآليات وضمانات وأطراف محددة، لكنه يكشف أن شيئًا يتحرك في عمق التفكير الأمني الخليجي: إدراك متزايد بأن المنطقة لا تستطيع أن تبقى رهينة لمعادلة يشعلها الكيان الصهيوني، وتغطيها واشنطن، ويدفع كلفتها العرب والإيرانيون وسائر شعوب الإقليم.

إن استدعاء "هلسنكي" هنا لا يعني أن الشرق الأوسط مقبل غداً على سلام شامل، ولا أن الصراعات العميقة ستذوب فجأة على موائد التفاوض. لكنه يعني أن سؤالاً جديداً بدأ يفرض نفسه: هل يمكن لدول المنطقة أن تنتج قواعد أمنها بنفسها، بدل أن تظل ساحة مفتوحة لحروب الآخرين؟ وهل آن الأوان كي ينتقل الإقليم من منطق الأحلاف التابعة إلى منطق التفاهمات الضرورية؟

حين يتحوّل الأمن المستورد إلى عبء

منذ عقود، قام الأمن الخليجي على فرضية كبرى: الولايات المتحدة هي الضامن الأعلى، والقواعد الأجنبية شبكة الأمان، والردع الأميركي هو الحائط الأخير أمام الانفجار. غير أن التجارب المتلاحقة، من العراق إلى اليمن، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، ومن التصعيد مع إيران إلى العدوان الصهيوني المفتوح على أكثر من ساحة، أثبتت أن الأمن حين يُستورد من الخارج لا يأتي بلا ثمن. إنه يأتي محمّلًا بأولويات من يمنحه، وبحروبه، وبقدرته على تحويل أرض الآخرين إلى مسرح للضغط والمساومة.

واشنطن تفاوض حين تشاء، وتنسحب حين تشاء، وتصعّد حين تشاء، وتبيع السلاح حين تشاء؛ أما الكلفة فتقع على المدن الخليجية، ومنشآت الطاقة، والممرات البحرية، واستقرار الدول، وعلى الاقتصاد العالمي الذي يبدأ اهتزازه من مضيق هرمز أو باب المندب أو البحر الأحمر. أما الكيان الصهيوني فيريد من المنطقة أن تبقى أسيرة معادلته: لا أمن لأحد إلا عبر أمنه، ولا استقرار إلا بما يخدم تفوّقه، ولا تهدئة إلا إذا تحوّلت إلى قبول بشروطه.

هنا تكتسب فكرة ميثاق عدم الاعتداء معناها. فهي ليست وعدًا بالجنة، بل اعتراف بأن الجحيم القائم لم يعد قابلًا للإدارة بالأدوات نفسها. وليست إعلانًا بانتهاء الصراع، بل محاولة لوضع قواعد تمنع تحوله إلى حرب دائمة بلا سقف ولا مخارج.

هلسنكي الأصلية: إدارة الصراع لا إلغاؤه

حين وُقّعت الوثيقة الختامية لهلسنكي عام 1975، لم تكن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يعلنان نهاية الحرب الباردة. لم يتصالح المعسكران، ولم تتوقف المنافسة الأيديولوجية بين الرأسمالية والشيوعية. ما حدث كان شيئًا آخر: إدراك متبادل بأن استمرار التصعيد بلا قواعد، في عالم نووي، قد يقود إلى كارثة لا ينتصر فيها أحد.

لذلك جاءت هلسنكي لتضع مبادئ سياسية كبرى: احترام سيادة الدول، عدم استخدام القوة، عدم تغيير الحدود بالقوة، تسوية النزاعات سلمياً، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، التعاون الاقتصادي، واحترام الحقوق والحريات. لم تكن الوثيقة معاهدة ملزمة قانونياً بالمعنى التقليدي، لكنها صنعت التزاماً سياسياً ومعيارياً تراكمت آثاره لاحقاً.

بهذا المعنى، فإن استلهام هلسنكي في الشرق الأوسط لا يعني نقل التجربة الأوروبية حرفياً. فالشرق الأوسط اليوم ليس أوروبا السبعينيات. هنا احتلال صهيوني استيطاني، ودول منهكة، وحروب أهلية، وقواعد أجنبية، وتدخلات متشابكة، وخرائط لا تزال مفتوحة على الجراح. لكن قيمة هلسنكي ليست في قابليتها للاستنساخ، بل في منهجها: الاعتراف بوجود الخصوم، ووضع قواعد تمنع الانزلاق إلى الهاوية، وبناء آليات تتيح إدارة التناقض بدل تفجيره.

لماذا السعودية الآن؟

إذا صح أن الرياض تفكر، أو تشارك في تداول فكرة كهذه، فإن ذلك لا ينفصل عن مراجعة أعمق لحسابات الأمن الخليجي بعد العدوان الصهيوني-الأميركي على إيران. فالسعودية ليست دولة هامشية في معادلة الخليج؛ إنها الثقل العربي والإسلامي والاقتصادي الأكبر في شبه الجزيرة العربية، وأي تحوّل في مقاربتها للأمن الإقليمي يترك أثره على كامل التوازنات.

لقد سبق للرياض أن فتحت مسار تهدئة مع طهران برعاية صينية عام 2023، في لحظة كشفت رغبة سعودية في تنويع الخيارات وعدم إبقاء الأمن الخليجي حبيس القرار الأميركي. لكن ما بعد العدوان على إيران يطرح سؤالًا أكبر من استعادة العلاقات الدبلوماسية أو خفض التوتر الثنائي. إنه يطرح سؤال البنية كلها: هل تبقى المنطقة محكومة بمنطق الاستقطاب الأميركي- الصهيوني ضد إيران؟ أم تبدأ دولها في البحث عن تفاهمات تمنع تحويل الخلافات إلى وقود دائم لحروب الخارج؟

تعرف السعودية، كما تعرف بقية دول الخليج، أن إيران ليست تفصيلًا عابراً في الجغرافيا. يمكن الاختلاف معها، والقلق من سياساتها، والتفاوض حول ملفات النفوذ والصواريخ والمسيرات وحلفائها الإقليميين، لكن لا يمكن إلغاء إيران من الخريطة. وتعرف طهران بدورها أن أمنها لا يقوم على قلق دائم في الضفة الأخرى من الخليج. بين الطرفين تاريخ من الشكوك، لكن بينهما حقيقة لا تلغيها الحروب: الجغرافيا أقوى من الأوهام، والجوار لا يُدار بالإنكار.

الكيان الصهيوني: الطرف الذي يعيش على إشعال الإقليم

أي تفكير جدي في ميثاق عدم اعتداء إقليمي سيصطدم بالعقدة الصهيونية. فالكيان لا يتصرف كدولة طبيعية تبحث عن أمن متبادل، بل كقوة استعمارية ترى أمنها في تفكيك أمن الآخرين. من فلسطين إلى لبنان، ومن سوريا إلى إيران، ظل منطقه واحدًا: الضرب خارج الحدود، فرض الوقائع بالقوة، منع تشكل توازنات مستقلة، واحتكار حق العدوان تحت عنوان "الدفاع عن النفس".

لذلك، فإن "هلسنكي شرق أوسطية"، حتى لو لم تُطرح ابتداءً ضد الكيان، تحمل في باطنها إمكانية سياسية لعزله. فميثاق عدم اعتداء حقيقي يعني احترام السيادة، ووقف الاعتداءات العابرة للحدود، ورفض تغيير الوقائع بالقوة، وفتح قنوات تسوية للنزاعات. وهذه المبادئ تصطدم مباشرة بسلوك كيان يواصل حرب الإبادة في فلسطين، ويستبيح لبنان وسوريا، ويضرب إيران، ثم يطلب الاعتراف به طرفًا طبيعيًا في نظام إقليمي عنوانه الأمن.

الأرجح أن الكيان سيقاوم أي مسار من هذا النوع، لا لأنه يهدد أمنه، بل لأنه يهدد وظيفته. فقد قام موقعه في النظام الأميركي القديم على إبقاء المنطقة خائفة، ممزقة، مستنزفة، ومفتوحة أمام التدخل الخارجي. وأي تقارب سعودي- إيراني، أو خليجي -إيراني، أو عربي- إقليمي أوسع، يقلل من قدرته على تسويق نفسه حارسًا للمنطقة في مواجهة «الخطر الإيراني»، ويكشف أنه لم يكن يومًا عامل استقرار، بل أحد أهم مصادر الانفجار.

من ميثاق عدم اعتداء إلى هندسة أمنية جديدة

الفكرة، في جوهرها، أكبر من السعودية وإيران. إنها تفتح النقاش حول احتمال ولادة هندسة أمنية جديدة في الشرق الأوسط، لا تقوم على التبعية العمياء لواشنطن، ولا على إدماج الكيان الصهيوني بوصفه مركزًا للأمن الإقليمي، ولا على إلغاء إيران أو تركيا أو العرب من معادلات بعضهم بعضًا. إنها تطرح، ولو بحذر، سؤالًا كان مؤجلًا: هل يمكن للمنطقة أن تفكر في أمنها بمنطق أهلها، لا بمنطق القواعد الأجنبية والأساطيل البعيدة؟

هذا لا يعني إلغاء التناقضات. فبين السعودية وإيران ملفات معقدة في اليمن والعراق ولبنان وسوريا والخليج. وبين تركيا والعرب تراكمات ومخاوف. وبين إيران وعدد من القوى العربية ذاكرة ثقيلة من الشكوك. لكن السياسة لا تبدأ بعد اختفاء التناقضات، بل حين تصبح إدارتها أقل كلفة من تركها تنفجر.

هنا يمكن أن يكون لمصر وتركيا وباكستان دور مهم، إذا امتلكت هذه الدول رؤية أوسع من الحسابات الجزئية. فمصر بثقلها العربي والتاريخي والجغرافي، وتركيا بنفوذها الإقليمي، وباكستان بعمقها العسكري وعلاقاتها مع الرياض وطهران، قادرة على منح أي مسار أمني جديد وزنًا يتجاوز الثنائية الخليجية-الإيرانية. أما حصر الفكرة في نطاق ضيق، فسيجعلها أكثر عرضة للابتزاز الأميركي والتخريب الصهيوني والتردد الخليجي والانقسام العربي.

لا أوهام في الطريق الصعب

لا ينبغي تحميل الفكرة أكثر مما تحتمل. فهي حتى الآن أقرب إلى بالون اختبار سياسي ودبلوماسي منها إلى مشروع مكتمل. والطريق أمامها مليء بالعقبات: اختلاف المواقف داخل الخليج، القلق من نيات إيران، الضغوط الأميركية، التخريب الصهيوني المتوقع، وتعقيدات الملفات المفتوحة في أكثر من ساحة. كذلك فإن أي ميثاق لعدم الاعتداء لا قيمة له إذا لم يتحول إلى آليات واضحة: قنوات اتصال، ترتيبات إنذار مبكر، تفاهمات حول أمن الممرات البحرية، ضوابط للصواريخ والمسيرات، واحترام متبادل للسيادة.

لكن صعوبة الطريق لا تلغي أهمية الاتجاه. فالمهم أن السؤال تغيّر. لم يعد: كيف نحتمي أكثر بواشنطن؟ بل: كيف نقلل حاجتنا إليها؟ لم يعد: كيف ننخرط في الاستراتيجية الصهيونية ضد إيران؟ بل: كيف نمنع أن تتحول المواجهة مع إيران إلى منصة لاستباحة المنطقة كلها؟ لم يعد: كيف نعيش في ظل حرب دائمة؟ بل: كيف نمنع الحرب من أن تصبح قدرًا إقليميًا؟

إن قيمة "هلسنكي شرق أوسطية" ليست في أنها ستولد غدًا مكتملة، ولا في أنها قادرة وحدها على إطفاء كل حرائق المنطقة. قيمتها أنها تكشف أن العقل الأمني القديم بدأ يتصدع: المظلة التي قُدمت كضمانة تحولت إلى قيد، والحماية التي سُوّقت كأمان تحولت إلى استدراج نحو حروب الآخرين، والكيان الذي أرادت واشنطن إدماجه مركزًا للأمن الإقليمي انكشف بوصفه مركزًا لإنتاج الفوضى والعدوان.

قد لا تنجح الفكرة. قد تُجهضها واشنطن. قد يخرّبها الكيان الصهيوني. قد تضعفها الحسابات الخليجية المتباينة. وقد تثقلها شكوك إيران وجيرانها. لكن مجرد طرحها يعني أن المنطقة بدأت تلامس حدود الوصفة القديمة. ومن يلامس حدود الوصفة، يبدأ البحث عن بديل.

والبديل لا يولد دفعة واحدة. يولد سؤالًا، ثم فكرة، ثم مسارًا. وربما تكون "هلسنكي الشرق الأوسطية" اليوم مجرد سؤال، لكنها سؤال في الاتجاه الصحيح: كيف تخرج المنطقة من كونها مسرحاً لحروب الآخرين إلى أن تصبح فاعلًا في صناعة أمنها؟

الأمن الحقيقي يبدأ حين تكف المنطقة عن انتظار من أشعل حرائقها كي يطفئها. وحين تدرك دولها أن من يستورد أمنه يستورد تبعيته، وأن من يربط مصيره بحروب الآخرين لن يحصد إلا رمادهم. أما الشرق الأوسط، إذا أراد أن ينجو، فعليه أن يكتب هلسنكيه الخاصة: لا نسخة من أوروبا، ولا صدى للحرب الباردة، بل عهدًا إقليميًا جديدًا يعلن أن زمن تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للعدوان الصهيوني والوصاية الأميركية يجب أن ينتهي.