"العصر الحجري" كأداة تفاوض: ماذا يقول القانون الدولي؟
ُبني القانون الدولي الإنساني على تراكم أعراف واحترام تدريجي للمبادئ. ولكن حين تتبنّى دولة كبرى خطاب "التدمير الشامل"، فهذا يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ويخلق سوابق تُستخدم لتفريغ القانون من مضمونه.
-
يشكّل خطاب ترامب انتهاكاً صريحاً لمبدأي الضرورة العسكرية والتناسب.
في تهديد جديد، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران أنّ مهلة العشرة أيام التي كان قد أعطاها في وقت سابق قبل تدمير الكهرباء الايرانية لم يتبقَ منها سوى 48 ساعة، وعلى إيران الاستسلام وإلا ستشهد تدميراً غير مسبوق للبنى التحتية (وصفه بالجحيم).
تشكّل الحرب الأميركية‑الإسرائيلية على إيران محطة فارقة في مسار تطوّر القانون الدولي الإنساني نتيجة الخطاب الرسمي الأميركي الذي خرج للمرة الأولى عن الخطاب التقليدي الذي يُفترض أن يلتزم بضوابط القانون الدولي الإنساني. لم يكتفِ الرئيس ترامب بالتباهي بالنتائج العسكرية (المفترضة)، بل استخدم لغة تُحاكي متعة الإيذاء والتدمير المتعمّد للبنى التحتية المدنيّة، وهو ما يفتح الباب أمام أخطر السوابق القانونية منذ الحرب العالمية الثانية.
أولاً: إغراق البحّارة الإيرانيين المسالمين
في إحدى أكثر اللحظات إثارة للجدل، وقف الرئيس ترامب أمام الجمهوريين مبتهجاً بإغراق السفينة الإيرانية "إيريس دينا" في المحيط الهندي ومقتل أكثر من مئة من بحّارتها، رغم أنّ السفينة كانت في مهمة "تشريفية" غير قتالية وغير مسلحة، وبعيدة جداً عن منطقة العمليات.
قال ترامب أمام الحضور إنه سأل أحد الضباط: لماذا لم يتمّ الاستيلاء على السفينة بدلاً من إغراقها، ليأتيه الجواب: "لأنه من الأكثر متعة أن نغرقها" وهو ما نقله الرئيس وهو يضحك، وسط ضحك الجمهور.
من منظور القانون الدولي الإنساني، يشكّل هذا الخطاب انتهاكاً صريحاً لمبدأي الضرورة العسكرية والتناسب، إذ لا يجوز استهداف مقاتلين أو منشآت لغايات ترفيهية أو عقابية خارج إطار الضرورة الملحّة. كما ينتهك مبدأ حماية المقاتلين العاجزين عن القتال عند ترك البحّارة الناجين من السفينة يغرقون من دون محاولة إنقاذ.
ثانياً: قصف الجسور ومحطات الكهرباء
انعطف الرئيس الأميركي نحو مرحلة جديدة من التصعيد، فأعلن جهاراً تهديده بضرب الجسور ومحطات الكهرباء في إيران، مؤكّداً أنّ الولايات المتحدة ستعمل على "إعادة إيران إلى العصر الحجري" خلال الأسابيع التالية إن لم تتجاوب قيادتها مع شروطه السياسية. ونشر ترامب فيديو لانهيار “أكبر جسر في إيران” محتفلاً بتفجيره.
لاحقاً، برّر الأميركيون بأنه جسر يستخدم لنقل العتاد العسكري، بالرغم من أنّ الإيرانيين أكّدوا أنّ الجسر ما زال قيد الإنشاء ولم يباشر استخدامه بعد.
الخطير في خطابات ترامب والقصف الذي يليها، أنه لا يميّز بين الأهداف العسكرية المشروعة والبنى الأساسية التي يعتمد عليها المدنيون للبقاء، وهو ما يجعل هذه الأفعال لا تتعارض فقط مع القانون الدولي الإنساني، بل تحوّل القصف الواسع للبنى المدنية إلى سياسة مُعلنة.
ثالثاً: كيف يصنَّف هذا السلوك في القانون الدولي الإنساني؟
يحظر البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (المادة 54) استهداف "الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة"، بما في ذلك الكهرباء، المياه، والجسور الحيوية.
وقد أشار خبراء القانون الدولي في رسالة جماعية من جامعات أميركية (هارفرد، ييل، ستانفورد…) إلى أنّ تصريحات ترامب وعمليات الجيش الأميركي تثير مخاوف جدّية بشأن ارتكاب جرائم حرب، خصوصاً مع التهديد بضرب محطات الكهرباء والصرف الصحي والآبار النفطية.
ويمكن القول إنّ هذه التصريحات والأفعال تنتهك مبادئ أساسية هي الآتية:
- انتهاك مبدأي التمييز والتناسب
استهداف الجسور ومحطات الكهرباء، إذا لم تكن ذات استخدام عسكري مباشر، يُعدّ استهدافاً غير مشروع للأعيان المدنية. وهو ما يدخل ضمن الانتهاكات الجسيمة التي قد ترقى إلى جرائم حرب. وحتى لو افترضنا وجود هدف عسكري ما، فإنّ تدمير بنى تحتية تؤدّي إلى شلل المجتمع وحرمان ملايين المدنيين من الخدمات الأساسية يُعتبر غير متناسب إطلاقاً، ولا يتناسب مع أيّ مكسب عسكري محتمل.
- انعدام الضرورة العسكرية
التباهي بأنّ الغرق "أكثر متعة" يلغي أيّ تبرير للضرورة العسكرية، ويعني أنّ الفعل تمّ لأسباب غير عسكرية، ما يجعله عملاً انتقامياً أو عقابياً يخالف صميم قواعد النزاعات المسلحة.
كذلك إنّ التهديدات بإعادة دولة كاملة إلى "العصر الحجري" تعبّر عن نيّة واضحة لإيقاع الضرر الشامل بالمدنيين، وهو ما يتناقض مع كلّ المبادئ الراسخة في القانون الدولي الإنساني.
في المحصّلة، إنّ صدور هذا النوع من التصريحات من رئيس أكبر قوة عسكرية واستخدامها كأداة تفاوضية، يرسّخ سوابق قد تُستخدم لتبرير تجاوزات خطيرة من دول أخرى، ما يهدّد الإطار الأخلاقي والقانوني للحروب.
لقد ُبني القانون الدولي الإنساني على تراكم أعراف واحترام تدريجي للمبادئ منذ توقيع اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1948. ولكن حين تتبنّى دولة كبرى خطاب "التدمير الشامل المعلن"، فهذا يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ويخلق سوابق تُستخدم لتفريغ القانون من مضمونه.
هذه الجرائم تطرح تحدّياً وجودياً على النظام القانوني الدولي: فإما أن تُواجه بضغط دولي ومحاسبة، وإما أننا ندخل مرحلة جديدة يصبح فيها استهداف المدنيين والبنى الأساسية أداة تفاوض مشروعة، وهذا ما قد يجرّ العالم إلى فوضى قانونية ويلغي قروناً من التطوّر التراكمي للقانون الدولي الإنساني بما يضرّ بالبشرية جمعاء ويعيدها الى القرون الوسطى.