"إسرائيل" تضع أرض الصومال على بوابة حرب دينية

ما الذي يعنيه إعلان حركة "الشباب" الحرب على إقليم أرض الصومال وما هي دلالاته وتداعياته؟ وكيف أصبح الاعتراف بـ"إسرائيل" وقوداً لحرب دينية في الصومال؟

  • كيف أصبح الاعتراف بـ
    كيف أصبح الاعتراف بـ"إسرائيل" وقوداً لحرب دينية في الصومال؟

أثار إعلان حركة "الشباب" الصومالية الحرب على إقليم أرض الصومال "صوماليلاند" على خلفية الاعتراف المتبادل بين هرجيسا و"تل أبيب" موجة من القلق في منطقة القرن الأفريقي المضطربة بطبيعتها. ودعت الحركة الشعب الصومالي إلى عدم الخضوع معتبرة أن التطبيع مع "إسرائيل" والعلاقة معها "خروج عن الدين"، مؤكدة تضامنها مع الشعب الفلسطيني في غزة، وشددت الحركة على أن معركة القدس ستستمر، وأن دعم فلسطين واجب لا يمكن التخلي عنه.

والسؤال ما الذي يعنيه إعلان حركة "الشباب" الحرب على إقليم أرض الصومال وما هي دلالاته وتداعياته؟ وكيف أصبح الاعتراف بـ"إسرائيل" وقوداً لحرب دينية في الصومال؟

هذا التهديد الثاني من حركة "الشباب" منذ الاعتراف المتبادل بين "إسرائيل" وأرض الصومال في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2025، وكان التهديد الأول في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2025، أطلقت فيه الحركة تهديدات مباشرة ضد أرض الصومال، وهاجم المتحدث باسم الحركة علي محمود راجه المعروف بـ"علي ديري" سلطات إقليم أرض الصومال ووصفها بالإدارة "المرتدة"؛ واتهمها بفتح الباب أمام ما سمّاه قدوم "إسرائيل" إلى أرض صومالية، معتبراً ما يحدث يمس الهوية والسيادة.

بعد تدحرج الاعتراف المتبادل إلى التطبيع وافتتاح السفارات وتبادل الزيارات، صعّدت حركة "الشباب" في الصومال من تهديدها ونقلت الخطاب من البعد الوطني بحدّيه الهوية والسيادة إلى البعد الديني، ووصفت ما يحدث بين أرض الصومال و"إسرائيل" بأنه "خروج عن الدين".

التقطت الصحافة العبرية تصاعد الرفض والتهديد وتوقفت عنده وسلطت الضوء عليه وعلى تنامي الرفض الشعبي والإقليمي في أفريقيا لمشاريع التطبيع والاعتراف بـ "إسرائيل"، ما يؤكد أن الهوية الإسلامية والثوابت الوطنية للشعوب الأفريقية ما زالت تفرض حصاراً على الحكومات والأنظمة الأفريقية الساعية للاعتراف والتطبيع مع "إسرائيل".

وفي 18 حزيران/ يونيو 2026، نقل موقع "مابا ترور" العبري التابع لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن حركة "الشباب" في الصومال وجهت دعوات مكثفة وشديدة اللهجة للشعب الصومالي المسلم، تحثه فيها على الرفض القاطع للخضوع أو التساوق مع سياسات حكومة "صوماليلاند" الانفصالية، على خلفية توجهاتها للاعتراف بالكيان الصهيوني. وأفاد التقرير العبري بأن الحركة أعلنت صراحة أن خطوة التطبيع والاعتراف بالاحتلال الصهيوني تمثل "ردة وطنية وأخلاقية"، موجهة في الوقت ذاته رسالة تضامن قوية ومباشرة إلى أهالي قطاع غزة الصامدين في وجه حرب الإبادة الجماعية.

رفض الاعتراف الصومالي بـ "إسرائيل" لم يقتصر على حركة "الشباب"، وإن كان تبعاته ودلالاته الأهم، ولكن هناك أصوات لرجال الدين في أرض الصومال الذين يرفضون الاعتراف والتطبيع، من بينهم الشيخ محمد علي كاريه المعروف بالدكتور "كاريه" الذي شدد على تمسكه بالموقف الديني المتعلق بالقضية الفلسطينية والقدس المحتلة، وهناك جماعة "الاعتصام بالكتاب والسنة" وهي جماعة سلفية في الصومال يمتد حضورها وأنصارها إلى أرض الصومال رفضت الاعتراف والتطبيع بين "إسرائيل" وأرض الصومال معتبرة ذلك "انحرافاً خطيراً" عن ثوابت الأمة الإسلامية وموقفها التاريخي من القضية الفلسطينية، وطالبت علماء الدين بضرورة توضيح الموقف الشرعي من التطبيع مع "إسرائيل" وكشف تبعات ذلك دينياً وسياسياً.

تعددت القراءات التي تناولت تداعيات وتبعات الاعتراف المتبادل والتطبيع بين أرض الصومال و"إسرائيل"؛ لكنها غيّبت وربما استبعدت أن تقفز حركة "الشباب" الصومالية لتوظف ذلك وتضفي عليه بعداً دينياً؛ يضع الصومال والقارة الأفريقية على بوابة حرب دينية.

إن إعلان حركة "الشباب" الصومالية الحرب على إقليم أرض الصومال واعتبار الاعتراف والتطبيع مع "إسرائيل" بمنزلة "الخروج عن الدين"؛ يعني في أهم دلالاته استدعاء العاطفة الدينية في صراع سياسي داخلي؛ وهو تطور يعني أن الصراع سيتدحرج من مواجهة وصراع محلي إلى صراع عابر للجغرافيا ما يعيد رسم محددات الصراع في منطقة القرن الأفريقي، وموقف حركة "الشباب" من الاعتراف والتطبيع خطوة ذكية من خلالها تعيد الحركة إنتاج نفسها وخطابها كمدافع عن الثوابت الإسلامية في مواجهة الاختراق الإسرائيلي؛ وبالتالي تقدم الحركة نفسها كطرف فاعل في القضايا المركزية كالقضية الفلسطينية ينقلها من التموضع المحلي في الصومال إلى موقع أممي عابر للحدود.    

تداعيات وصول "إسرائيل" إلى أرض الصومال ووجود موضع قدم لها هناك؛ تجاوزت الرفض السياسي والدبلوماسي بشقّيه الرسمي والشعبي وتجاوزت القراءات السطحية والتحليلات الجاهزة؛ وجود "إسرائيل" في أرض الصومال وضع الصومال ومنطقة القرن الأفريقي على بوابة حرب دينية يستخدم فيها الدين وفتاوى التكفير المفضي إلى التفجير، ما يعني أن المشهد مقبل على حالة تجييش وتحشيد يتجاوز البعد القومي أو العشائري وتحويل الصراع في الصومال من صراع محلي حول السلطة والأرض إلى معركة عقائدية دينية عابرة للحدود ويصبح كل من يقبل بـ"إسرائيل" ويطبع معها ويقيم علاقات "كافراً وخارجاً من الدين".

 وهذا خطاب يستهوي الشعوب ويستميلها لأنه يستدعي المشاعر الدينية؛ وبالتالي سيفضي إلى استقطاب مقاتلين جدد وتمويل وتجنيد وتبرير وشرعية لأنه يقاتل تحت غطاء مقاومة التطبيع ورفض الاعتراف بـ"إسرائيل" والحيلولة دون اختراقها الصومال والقارة الأفريقية. صحيح أن الموقف الرافض لـ "إسرائيل" ليس جديداً على حركة "الشباب" الصومالية لكن الجديد هو عملية التوظيف الداخلي لهذا الرفض والعداء.

إن اعتراف أرض الصومال بـ"إسرائيل" ومنحها موقع قدم كان بمنزلة هدية دعائية التقطتها حركة "الشباب" الصومالية، وهو ما منح الحركة مساحة إعلامية وسياسية واجتماعية استغلتها ووظفتها عبر منصات التواصل الاجتماعي للاقتراب من مشاعر المجتمع الصومالي المحافظ ومخاطبته من خلال القضية الفلسطينية، ولا سيما ما يحدث في غزة من جرائم إبادة وجرائم حرب تقوم بها "إسرائيل". ولذلك، وصفت الحركة سلطات أرض الصومال في هرجيسا بأنها "مرتدة وعميلة لتل أبيب وخارجة عن الدين".  

​اعتراف أرض الصومال بـ"إسرائيل" يعد بمنزلة رافعة لحركة "الشباب" التي وظفت التطبيع للتغطية على تراجعها الميداني وسط وجنوب الصومال أمام ضربات الجيش الصومالي؛ وتهديدها محاولة لإعادة تقديم نفسها للشارع الصومالي. ويُعد إعلان حركة "الشباب" الصومالية الحرب على إقليم "أرض الصومال" نموذجاً حياً على كيفية إعادة تدوير الصراعات وتديينها وتحويلها إلى مواجهات عقائدية صفرية، وذلك عبر استدعاء البعد الديني بشكل مكثف وتوظيف لغة التكفير والولاء والبراء ضد سلطات هرجيسا على خلفية تقارير علاقاتها مع "إسرائيل".

إن أخطر تداعيات الاعتراف بين "إسرائيل" وأرض الصومال هو استناد حركة "الشباب" في هجومها على أدبيات "الموالاة والمعاداة"، وهي الركيزة الفكرية التي تُقسم العالم إلى فسطاطين: إيمان مطلق وكفر مطلق. ومن هذا المنطلق، لم يعد الخلاف مع "أرض الصومال" خلافاً حول حدود أو اعتراف سياسي، بل جرى تصويره كـ "خروج عن الملة".

​وبالتالي، أي تقارب مع "إسرائيل" وفق منهج الحركة وفهمها هو"تولٍّ لأعداء الأمة"، يستوجب وفق أيديولوجيتها نزع الشرعية الدينية عن حكام الإقليم، وتحويلهم في نظر أتباعها من قادة سياسيين إلى "مرتدين" تجب محاربتهم، وتدرك حركة "الشباب" أن القضية الفلسطينية والقدس تمثلان خطاً أحمر وعاطفة دينية جارفة لدى المجتمع الصومالي المحافظ بطبعه. لذلك، لم يكن توقيت أو مضمون الإعلان عبثياً؛ بل جاء ليربط مباشرة بين جغرافيا القرن الأفريقي وجغرافيا الشرق الأوسط؛ ومن خلال هذا الربط، تحاول الحركة إيصال رسالة إلى الداخل الصومالي مفادها: "معركتنا في هرجيسا هي امتداد للمعركة في غزة والقدس". 

​المفارقة أن أرض الصومال التي رأت في الانفتاح على "إسرائيل" طريقاً نحو تعزيز شرعيتها الدولية وكسر عزلتها السياسية، فتحت على نفسها جبهة داخلية جديدة تمنح خصومها مادة دعائية هائلة. والأخطر أن حركة "الشباب" لم تتعامل مع القضية باعتبارها خلافاً سياسياً، بل باعتبارها حرباً دينية وجودية تستوجب الرد والتصعيد.

ختاماً، لا يمكن إنكار أن هناك تبعات وتداعيات ومخاطر أفضى إليها الاعتراف المتبادل بين أرض الصومال و"إسرائيل"، ولكن أخطر ما حدث من تداعيات هو أن يتحوّل الأمر من خطوة سياسية غير محسوبة العواقب إلى معركة دينية تكفيرية مفتوحة تضع الصومال على بوابة حرب عقائدية. فهل أدركت أرض الصومال بأن الاعتراف بـ"إسرائيل" والتطبيع معها يمر بحقل ألغام داخلي أشد خطراً من العزلة نفسها ويضع الصومال ومنطقة القرن الأفريقي على فوهة بندقية وبوابة حرب دينية؟.