"تأثير الأرض"… عودة سلاح الجو الأميركي إلى التقنيات الجوية العتيقة
مسارات التطوير الأميركية المبنية على مبدأ "تأثير الجناح على الأرض" شابتها سلاسل متصلة من الفشل وعدم الفعالية، لماذا؟
-
عودة سلاح الجو الأميركي للتقنيات الجوية العتيقة.
في خضم الاستعدادات المستمرة للجيش الأميركي لمواجهة التحديات التي قد يفرضها أي تحرك عسكري صيني في اتجاه تايوان أو نطاقات أخرى بالمحيط الهادئ، طرأ تطور لافت على الأنظمة الجوية التي تستخدمها قوات مشاة البحرية الأميركية - التي تعتبر رأس حربة أساسياً في أي انخراط عسكري أميركي خارجي - يتمثل في التحليق الأول من نوعه لطائرة بدون طيار تعمل بتقنية "تأثير الجناح على الأرض" - المعروفة اختصاراً بـ (WIG) - حيث خضعت هذه الطائرة خلال الشهر الجاري لأول رحلة تجريبية لها كنموذج مصغر، وهو حدث يحمل في طياته العديد من الدلالات، التي لا ترتبط فقط بالموقف الاستراتيجي في منطقة الإندوباسيفيك، بل تمتد إلى مستقبل الأنظمة العسكري غير المأهولة، والأساليب المستخدمة في عمليات النقل العسكري الإستراتيجي المستقبلية.
الطائرة المسيرة المقصودة في هذه التجربة كانت الطائرة ذاتية القيادة "سكوير سي جلايدر"، التي تنتجها شركة "ريجينت" الأميركية. وقد تمت عملية التحليق بنجاح، لتشكل بذلك سابقة أولى في تاريخ الصناعات العسكرية الأميركية، التي لم تنجح خلال عقود مضت في إتمام تجربة ناجحة لتحليق طائرة تعتمد على مبدأ "تأثير الجناح على الأرض"، في حين نجحت دول أخرى مثل الاتحاد السوفياتي والصين، في إنتاج عدة أنواع من الطائرات المأهولة التي تعتمد على هذا المبدأ، وإن كان التميز الأميركي في هذا الإطار يرتبط بإنتاج أول طائرة "مسيرة" تعتمد على هذا المبدأ، وهو ما لم يتوصل إليه كل من الصين وروسيا.
تاريخياً، يطلق على الطائرات العاملة بهذا المبدأ اسم "مركبات التأثير الأرضي" (GEV)، حيث تعتمد بشكل أساسي على استغلال تأثير جاذبية الأرض، بحيث تقوم المحركات في مقدمة الطائرة، بتوجيه مقدمتها إلى أسفل، والتحليق على ارتفاعات منخفضة للغاية قرب سطح الماء، ما يقلل من مقاومة الهواء، ويشكل وسادة هوائية تنحصر بين الأجنحة وسطح الماء، ما يمكن الطائرة من الوصول إلى سرعة تحليق تبلغ نحو 550 كيلومتراً في الساعة، أي أكثر من 20 ضعف سرعة أي سفينة.
وقد كانت بداية طرح هذا المبدأ الهندسي عن طريق المصادفة، بعد أن لاحظ الطيارون خلال عشرينيات القرن الماضي، أن معدلات كفاءة الطائرات تتزايد بشكل مطرد خلال مرحلة الهبوط والاقتراب من سطح الأرض. وقد التقطت السلطات الأميركية هذه الملاحظة، وأخضعتها للدراسة، بحيث تم التوصل خلال فترة الثلاثينيات لنظرية تسمى "التأثير الأرضي على إقلاع وهبوط الأجسام الجوية"، إلا أن التطبيق الأول لهذا المبدأ الهندسي على المستوى العسكري كان بواسطة المهندسين السوفيات، من خلال الأبحاث التي أجراها كل من المهندس السوفياتي روستيسلاف أليكسييف، والمهندس الألماني ألكسندر ليبيش، ومن ثم تم الجمع بين أبحاث كلا المهندسين، حيث ركز السوفياتي على الجانب البحري، في حين ركز الألماني على الجانب الجوي، حيث كانت له خبرة كبيرة في تصميم المقاتلات الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية، ومن ثم انتقل بعد الحرب إلى الولايات المتحدة.
تطور نوعي في الأنظمة الجوية العسكرية المسيرة
لا تعتبر طائرة "سكوير سي جلايدر" أول طائرة مسيرة تعتمد على مبدأ "تأثير الجناح على الأرض" فقط، بل تعتبر أيضاً أول مركبة جوية غير مأهولة، تقلع من على سطح الماء، حيث تستهدف واشنطن من المضي قدماً في برنامج تطوير هذا النوع من الطائرات المسيرة توفير منصة نقل لوجستية لا تعتمد على المدارج، ما يسمح بدعم الوحدات العسكرية المنتشرة في البيئات البحرية المتنازع عليها، وبالتالي تقليل هامش الاعتماد على مدارج أرضية للإقلاع والهبوط، من الصعب تأمينها في ظل التطور المتسارع في الذخائر الجوالة والطائرات المسيرة الانتحارية.
بالتالي تصبح هذه الطائرة بمنزلة منصة تكتيكية لتنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة والاستطلاع، والإمداد اللوجستي، والبحث والإنقاذ القتالي في المناطق المتنازع عليها، بما يسمح لها بتنفيذ مهام تتجاوز الجانب العسكري إلى جوانب أخرى ترتبط بالأمن، مثل مهام مكافحة المخدرات وتتبع عمليات الهجرة غير الشرعية.
التجربة التي تمت لتحليق هذه الطائرة ذات المحركات الثمانية، جرت في خليج "ناراغانسيت" في ولاية رود إيلاند الأميركية، حيث حلق النموذج المصغر منها، ومر بمراحل الطيران الثلاثة التي ينبغي لأي طائرة تعمل تحت تأثير الجناح على الأرض أن تمر بها، وهي الطفو، ثم الانزلاق على سطح الماء، ثم التحليق، وبدأت الطائرة بالتحرك على سطح الماء بسرعة 74 كيلومتراً في الساعة. ومع ازدياد ارتفاعها، انكمشت زعانفها المائية، وحلقت بسرعة تصل إلى 148 كيلومتراً، على ارتفاع يعادل طول جناحها تقريبًا فوق سطح الماء، مستفيدة من طبقة الهواء الكثيفة فوق سطح الماء، ما يوفر نقطة مثالية لزيادة قوة الرفع وتقليل مقاومة الهواء، وهو ما يوفر للطائرة الجديدة كفاءة عالية وسرعة مناسبة، دون الحاجة إلى الإقلاع من مدرج تقليدي.
ووفقاً للبيانات المعلنة، تخطط الشركة المصنعة لأن تبلغ حمولة هذه الطائرة نحو 22 كيلوغراماً، بمدى أقصى للتحليق يبلغ 185 كيلومتراً، وهي بذلك مناسبة بشكل عام لمهام الإمداد اللوجستي، ومجهزة لحمل تجهيزات الاستطلاع والمراقبة والاستخبارات، ووضعت الشركة المصممة في الاعتبار تصميم واجهة التحميل الخاصة بهذه الطائرة، بحيث لا تحتاج سوى طاقم بشري محدودة من فرد او اثنين لإعادة تعديل تجهيز الطائرة تبعاً للمهمة المراد أن تنفذها آنياً.
نقطة نجاح أميركية بعد عقود من التعثر وإلغاء برامج التطوير
حقيقة الأمر أن مسارات التطوير الأميركية المبنية على مبدأ "تأثير الجناح على الأرض"، شابتها سلاسل متصلة من الفشل وعدم الفعالية، حيث شرع سلاحا الجو والبحرية الأميركيان في منتصف سبعينيات القرن الماضي، في برنامج "PAR-WIGE"، في دراسات أولية لاختبار إمكانية الاعتماد على توجيه عادم المحركات تحت الجناح، لتعزيز الرفع في تأثير الأرض، ما يحسن من مرونة عمليات الإقلاع والهبوط على المدارج القصيرة، لكن لم يتم تطوير هذه الدراسات بشكل عملي، وظلت في إطار المفاهيم البحثية.
خلال تسعينيات القرن الماضي، أطلقت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع الأميركية أول برنامج لتطوير الطائرات المعتمدة على هذا المبدأ الهندسي، تحت اسم "WingShip"، بهدف تطوير منصات نقل جوي كبيرة الحجم كمنصات نقل عسكرية، وقد دخلت عدة شركات أميركية في خضم هذا البرنامج، على رأسها شركتا "لوكهيد مارتن" و"ماكدونيل دوجلاس"، إلا أن هذا البرنامج لم يخرج أيضاً عن إطار الدراسات والنماذج الأولية، وتم إيقافه بحلول نهاية تسعينيات القرن الماضي.
في بداية العقد الأول من القرن الحالي، أطلقت شركة "بوينج" الأميركية برنامج "بوينج بليكيان" لتطوير طائرة نقل استراتيجي، تعتمد على مبدأ "تأثير الجناح على الأرض"، وقادرة على نقل حمولات كبيرة تصل إلى 1400 طن، بحيث يتم نقل عشرات الدبابات أو ناقلات الجند أو الجنود. ورغم المفهوم "الطموح" لهذا البرنامج، إلا أنه لم يخرج عن دائرة المفاهيم النظرية، لكن نبعت أهميته في كونه كان الأساس النظري الذي تم بناء عليه بدء أكبر برنامج أميركي لتطوير طائرات تعتمد على هذا المبدأ، وهو برنامج "ليبرتي ليفتر"، الذي أطلقته وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة في وزارة الدفاع الأمريكية، منتصف عام 2022.
استهدف هذا البرنامج تصميم واختبار طائرة مائية تعتمد في تحليقها على هذا المبدأ لتوفير وسائط نقل جوي ثقيل استراتيجية، تستطيع نقل ما يناهز 90 طناً من الحمولة والمعدات، بسرعات كبيرة تتفوق على سرعة تحرك القطع البحرية، لكن تضمن هذا البرنامج نقطة أساسية ترتبط بالحرص على أن تكون تقنيات التصنيع التي سيتم بناء عليها إنتاج الطائرات التي سيتم تطويرها رخيصة ومستوحاة من تقنيات بناء القطع البحرية، بهدف تقليل تكاليف الإنتاج.
عقب إطلاق هذا البرنامج، منحت وزارة الدفاع الأميركية عقوداً أولية لتكتلين من الشركات الدفاعية، قادت الأول شركة "بوينج" الأميركية، في حين قادت الفريق الثاني شركة "جنرال أتوميكس"، ولكن وقع الاختيار على التصميمات التي تقدمت بها شركة "بوينج"، إذ قدمت الشركة تصميم لطائرة مائية ذات جناح مرتفع يبلغ طوله 65 متراً، ومزودة بثمانية محركات مكبسية، بحيث تستطيع نقل ما يصل إلى 25 طناً من الحمولة، وهو ما لم يكن في جوهره متوازياً مع المستهدفات الأميركية من هذا البرنامج، وخصوصاً على مستوى حجم الحمولة.
سرعان ما تم منتصف عام 2025 إنهاء برنامج "ليبرتي ليفتر" رسمياً. ورغم هذا، فإن المستخلصات التي تم الوصول إليها خلال عمليات البحث والتطوير، ونتائج عمليات المحاكاة والاختبارات المادية، والتي أثبتت الجدوى العملياتية لمفهوم "تأثير الجناح على الأرض"، لإنتاج طائرات نقل استراتيجية، أدت إلى تعديل المقاربة الأميركية حيال هذا الملف، لتركز على مشاريع أصغر لتطوير طائرات "غير مأهولة" تعتمد على هذا المبدأ، وبالتالي تم إطلاق برنامجين للتطوير، الأول هو برنامج "سكوير سي جلايدر" الذي نحن بصدده، في حين تشكل البرنامج الثاني بعد عقد الجيش الأميركي مسابقة "xTechSearch" لطلب تصاميم لمركبات نقل غير مأهولة عاملة بهذا المبدأ، فازت فيها شركة "فلاينج شيب" الأمريكية، وتعمل حالياً على تطوير تصميم لطائرة بدون طيار عاملة بهذا المبدأ، وقادرة على الإقلاع من سطح الماء أو الأسطح الرملية والجليدية، لتعمل كمنصة للنقل اللوجيتسي من سفينة إلى سفينة أو من جزيرة إلى جزيرة.
جدير بالذكر في هذا الصدد، أنه بات من الواضح أن وزارة الحرب الأميركية تولي اهتماماً خاصاً لبحوث شركة "ريجينت"، المرتبطة بمبدأ "تأثير الجناح على الأرض"، ففي شباط/فبراير الماضي، زار وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، مقر الشركة، وأثنى على مشاريع التطوير التي تجريها، وخصوصاً أن مشروعاً آخر للشركة يسمى "فايسروي"، تقوم وزارة الحرب الأميركية حالياً بتقييمه، وهو تصميم لطائرة بحرية لنقل القوات والبضائع.
التوجهات الأميركية المستقبلية نحو تقنيات "تأثير الأرض"
لا تزال موسكو محتفظة منذ سنوات الحرب الباردة بقصب السبق في مجال تطوير الطائرات العاملة بهذا المبدأ، رغم أن الجهود الروسية لإعادة إحياء عمليات إنتاج طائرات هذه الفئة في السنوات الأخيرة، لم تسفر عن نتائج واضحة حتى الآن، إلا أنه من الواضح أن دولاً عدة باتت تضع في اعتبارها تطوير طائرات تعتمد على المبدأ، وخصوصاً الصين التي قامت عملياً بإنتاج طائرة تعتمد على هذا المبدأ، عرفت إعلامياً باسم "وحش بوهاي"، وعرضتها للمرة الأولى في منتصف عام 2025، في خليج "ياتشو"، الواقع غرب مدينة "سانيا" في محافظة "هاينان"، وهي مزودة بأربعة محركات نفاثة كبيرة، مثبتة فوق جناحها القصير.
وقد كان لبكين تجارب سابقة في مجال الطائرات العاملة بمبدأ "التأثير الأرضي"، إذ بدأت عمليات تطوير هذه الطائرات أواخر تسعينيات القرن الماضي، وأنتجت أول طائراتها "XTW-4" عام 1999، وتلتها اختبارات لأنواع أخرى مثل "DXF-100" و"ALBATROSS-5"، لكن كانت هذه التجارب متواضعة من حيث التطور، وكانت ترتبط بشكل أكبر بالتطبيقات المدنية، وكان أحدثها الطائرة "شيانغتشو 1"، التي تم اختبارها للمرة الأولى أواخر عام 2017، وهي عبارة عن طائرة نقل صغيرة للركاب، تعتمد على مبدأ "التأثير الأرضي".
خلاصة القول، يمكن القول إن ظهور "وحش بوهاي" الصيني كان حافزاً إضافياً لتعديل واشنطن مقاربتها السابقة غير الفعالة لبرامج تطوير الطائرات العاملة تحت مبدأ "تأثير الجناح على الأرض". ورغم أن طائرة "سكوير سي جلايدر" ما زال أمامها مسار طويل قبل اعتمادها رسمياً كطائرة صالحة للإنتاج الكمي، وخصوصاً في ظل عزم واشنطن على اختبار النموذج الأولي لهذه الطائرة ضمن مناورات "سايلنت سوارم 26"، فإن خطوة الإقلاع الأول الناجح لهذه الطائرة يمثل اختراقاً كبيراً وحدثاً هاماً على المستوى البحثي واللوجيستي.
على المستوى الاستراتيجي، تتماشى هذه التوجهات مع رؤية البحرية الأميركية لكيفية دعم القوات الصغيرة والموزعة في المناطق الساحلية. وبما أن الطائرات العاملة بهذا المبدأ الهندسي تحلق على ارتفاعات منخفضة جداً، فإنه يصعب رصدها بواسطة الرادارات التقليدية، ما يجعلها مثالية لإعادة تزويد القوات بالإمدادات في مناطق القتال، دون تعريض الطائرات الكبيرة أو السفن الضخمة للخطر، وبالتالي ستكون القدرات الجوية العاملة بهذا المبدأ ذات أهمية محورية في أي نزاع مستقبلي في المحيط الهادئ.
ورغم المزايا العملياتية التي يوفرها هذا النوع من الطائرات، وعلى رأسها تفادي الرادارات وسرعات التشغيل العالية، والقدرة على تجنب العوائق البحرية من ألغام وطوربيدات ومياه ضحلة، فإنها تتصف بعيوب هامة، من بينها انعدام القدرة على التحليق بارتفاعات متوسطة أو عالية، وتعذر الهبوط على أسطح مائية تتسم بأمواج مرتفعة، وكذا صعوبة تجنب العوائق المفاجئة التي قد تظهر خلال التحليق فوق الماء، نظراً إلى أن عملية الطيران تتم على ارتفاعات قريبة للغاية من سطح المياه.