من دمشق إلى بنغازي: كيف يعزز الزخم السوري النفوذ الاستراتيجي التركي في ليبيا والمنطقة؟

عندما تغيب القاهرة بفعل التفاهمات أو الظروف الاقتصادية الداخلية الصعبة، وتصبح دمشق في قبضة "وكلاء أنقرة"، يصبح الطريق خالياً أمام القيادة التركية!

0:00
  • كسر الحواجز: التحول الكبير في شرق ليبيا.
    كسر الحواجز: التحول الكبير في شرق ليبيا.

تشهد خريطة التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحولات متسارعة، تسعى تركيا إلى توظيفها لتعزيز نفوذها الإقليمي وتوسيع نطاق حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي. وتُوحي التحركات التركية الأخيرة بأن التطورات التي شهدتها سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع والإدارة الجديدة في دمشق قد منحت أنقرة زخماً إضافياً، وفتحت أمامها مسارات جديدة للتحرك في ساحات كانت تمثل تحدياً لنفوذها، وفي مقدمتها شرق ليبيا.

فالانتصار التركي في الملف السوري، لم يقتصر أثره على إعادة ترتيب البيت الشامي وتشكيل علاقات القوة، بل تحوّل إلى المحرك الرئيسي الذي يدفع تركيا لإعادة هندسة نفوذها وتوسيع رقعة حضورها في شرق المتوسط وشمال أفريقيا والقرن الأفريقي. 

كسر الحواجز: التحول الكبير في شرق ليبيا

حتى وقت قريب، كان شرق ليبيا يمثل إحدى أبرز ساحات التنافس بين تركيا والقوى الداعمة لمعسكر خليفة حفتر والبرلمان الليبي. وخلال عامي 2019 و2020، تدخلت أنقرة عسكرياً، وبضوء أخضر من الولايات المتحدة وقوى دولية، لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، وأسهم تدخلها في تغيير موازين المواجهة وإفشال الحملة العسكرية التي استهدفت العاصمة.

لكن المشهد بشكل عام شهد لاحقاً محاولات لإعادة ترتيب العلاقات، مع انتقال الاتصالات التركية من دائرة الخصومة العسكرية إلى البحث عن تفاهمات مع أطراف الشرق الليبي.

تجلّت هذه الصفحة الجديدة في محطات فارقة؛ أبرزها الزيارة الرسمية الرفيعة التي قام بها صدّام، نجل خليفة حفتر، للعاصمة التركية أنقرة في إبريل 2025 بدعوة من قيادة الجيش التركي، والتي حظيت باستقبال عسكري ورسمي مهيب عكس حجم التحول الميداني.

وتُوّج هذا التقارب بقيام مجلس النواب الليبي بالمصادقة بالإجماع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، بتاريخ 20/10/2026، وإلغاء قرارات المقاطعة السابقة، والتي كانت قد صدرت عام 2020، وكانت تقضي بقطع جميع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع أنقرة.

هذا التحوّل جعل من مجلس النواب وقيادة الشرق حليفاً يتعامل ببراغماتية مع المصالح البحرية والاقتصادية لأنقرة، بما يضمن لتركيا تثبيت ما تقول إنه حقوقها في غاز شرق المتوسط، واقتطاع حصة كبرى في مشروعات إعادة الإعمار المرتقبة.

وتُعتبر اليونان هي الدولة الأكثر تضرراً من توقيع تلك الاتفاقية، فهي ترسم نطاقاً بحرياً بين تركيا وليبيا يتجاهل الأثر الذي ينبغي أن يكون لجزر مثل كريت ورودس، في ترسيم المناطق البحرية.

بينما ترى أنقرة أن امتداد الجزر اليونانية قبالة الساحل التركي ينبغي ألّا يحرم البر ذاته من حقوق بحرية واسعة، وأن ترسيم الحدود يجب أن يراعي السواحل الرئيسية للدول، لا أن يمنح الجزر تأثيراً يحاصر تركيا بحرياً.

الموقف المصري: توازنات حذرة وإرباك استراتيجي

في المقابل، أثارت هذه التطورات في شرق ليبيا استياءً ومخاوف ملحوظة لدى القاهرة، التي عبّرت عبر وزارة الخارجية عن تحفظها ورفضها الخطوات التي تمسّ ترتيبات الأمن القومي على حدودها الغربية، ولا سيما ما يتعلق بترسيم الحدود البحرية.

ويجادل البعض بأن اعتراض القاهرة نابعٌ من أن الاتفاقية تمسّ حقوقها في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري. لكن الضربة السياسية الأوضح لمصر هي أن مجلس النواب الليبي، الذي لطالما ارتبط بعلاقات وثيقة معها، أقرّ اتفاقية كانت القاهرة تعارضها. أي إن المسألة لا تتعلق بالبحر والغاز، بل أيضاً بقدرة مصر على التأثير في حلفائها داخل ليبيا.

ومع ذلك، فإن الموقف المصري بات يتسم بقدر ملحوظ من "الغموض والتعقيد التكتيكي" مقارنة بالمواقف الحادة السابقة؛ فالقاهرة نفسها قطعت شوطاً كبيراً في استعادة علاقاتها وتطبيعها مع أنقرة على مدى السنوات الثلاث أو الأربع الماضية. هذا التوازن الحرِج يجعل مصر غير قادرة على العودة إلى مربع العداء المباشر والصريح مع تركيا كما كان من قبل، ما منح أنقرة هامش مساحة أكثر رحابة للتحرك في الحديقة الخلفية لمصر، من دون الاندفاع نحو مواجهة إقليمية مباشرة.

من "حلف مكة" إلى أفريقيا والشمال السوري

لا يتوقف الطموح التركي المتصاعد عند الحدود الليبية؛ بل يندمج ضمن رؤية جيوسياسية شاملة تستفيد من التراجع أو إعادة التموضع للقوى الإقليمية والدولية الأخرى:

- حلف مكة الدفاعي: جاء توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين تركيا والسعودية وباكستان، 7/8/2026، ليعكس تحول تركيا إلى ركيزة أمنية في شبه الجزيرة العربية والخليج، حيث من المفترض أن تنخرط أنقرة عملياً في التزامات دفاعية لحماية السعودية التي تخوض مواجهة مع حكومة صنعاء والقوات المسلحة اليمنية.

- التغلغل في أفريقيا: تتواصل الاستراتيجية التركية الناعمة والعسكرية في عمق القارة الأفريقية (من القرن الأفريقي إلى دول الساحل)، عبر صفقات السلاح المسيّر والمشروعات التنموية والحضور العسكري المباشر.

- التغيير الثقافي والديموغرافي في الشمال السوري: تظل التجربة السورية هي النموذج الأبرز لعمق النفوذ التركي؛ إذ شهدت المحافظات والمناطق في الشمال السوري عملية "تتريك" واسعة، تجلّت في توسّع استخدام اللغة التركية في المدارس والمؤسسات، إضافة إلى ربط البنية التحتية والخدمية (كالكهرباء والاتصالات والعملة) بالشبكات التركية.

صعود متجدد لتركيا وتراجع معتاد للردع العربي

ما نشهده اليوم هو إعادة رسم لموازين القوى في الإقليم؛ إذ استطاعت تركيا تحويل مكتسباتها العسكرية والثقافية في سوريا إلى قوة دفع استراتيجية مكّنتها من الوصول إلى شرق ليبيا، والتحول إلى شريك لأطراف كانت حتى وقت قريب من أشد خصومها.

وحتى اليونان، التي كانت تتمتع بأفضلية استراتيجية على تركيا، ولا سيما في ضوء عضويتها الفاعلة في "منتدي غاز شرق المتوسط" والتحالف الذي جمعها بمصر والأردن و"إسرائيل" ودول أوروبية، باتت تواجه وضعاً أكثر تعقيداً، مع تراجع فاعلية أوراق الضغط المتاحة لها. فيما تبدو الإدانة المصرية والتحفظات الإسرائيلية على الاتفاقية الليبية التركية محدودة التأثير، ولا ترقى، حتى الآن، إلى مستوى إحداث تغيير ملموس.

ولا شك في أن أنقرة باتت تكرّس موقعها كلاعب مؤثر في الإقليم، مستفيدة من قدرتها الفائقة في اللعب على الحبال.

فعلى الرغم من أن الرئيس التركي، رجب إردوغان، يُقدّم نفسه بوصفه خصماً للمشروع الإسرائيلي، فإن التحركات التركية كافة لا تتعارض مع المصالح الأميركية، بل تحظى في بعض الملفات بترحيب من البيت الأبيض أو بتفاهمات معه. ويبرز في هذا السياق تصاعد العلاقات التجارية بين أنقرة و"تل أبيب"، رغم حملات الإبادة الجارية في قطاع غزة، وكذلك، حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤخراً، عن إمكانية دعم تحرك عسكري تركي ضد حركة أنصار الله، واصفاً إردوغان بأنه صديقه.

وتعني هذه التطورات اتساع هامش الحركة أمام الدور التركي، في ظل غياب قوى عربية تمتلك وزناً استراتيجياً كافياً وقدرة ردع مؤثرة. وكانت مصر هي المؤهلة للعب هذا الدور، لكن، أخذت الأمور منحى مختلفاً خلال الفترة الماضية، خاصة بعد أن حدّت تركيا من دعمها لقيادات وعناصر جماعة الإخوان، الذين كانت تستضيفهم منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي صيف 2013.

وعندما تغيب القاهرة بفعل التفاهمات أو الظروف الاقتصادية الداخلية الصعبة، وتصبح دمشق في قبضة "وكلاء أنقرة"، بحسب تصريح ترامب في أيلول/ سبتمبر 2025، يصبح الطريق خالياً أمام القيادة التركية، بما تحمله من أفكار تتعلق باستعادة الإمبراطورية العثمانية، للتوسّع في المنطقة، ويصبح منطقياً أن ترغب القوى الإقليمية صغيرة الوزن في التنسيق والاتفاق معها.