محمد مرندي: المثقف العضوي الذي حوّل الشاشات الغربية إلى ميدان مقاومة
يُمثل محمد مرندي نموذجاً نادراً للمثقف العضوي الذي رفض الانسحاب إلى "برج عاجي" أكاديمي، ونزل إلى ميدان الكلمة والإعلام، فاستطاع أن يثبت أن المواجهة تتطلب، إلى جانب القوة العسكرية والميدانية، عقلاً راجحاً ولغة بليغة.
-
محمد مرندي.. نشأة مزدوجة صنعت مقاتلاً فكرياً.
في عصر الصراع الشرس على الوعي الجمعي والسرديات التاريخية، يبرز الدكتور سيد محمد مرندي كأحد أبرز الأسلحة الفكرية والإعلامية لمحور المقاومة. ليس مجرد أكاديمي يُدرّس في أروقة الجامعات، بل "مقاتل دبلوماسي" يتقن لغة الغرب وأدواتها، فيفكك بها الادعاءات الاستعمارية ويُحوّل شاشات القنوات الدولية الكبرى إلى ساحات اشتباك فكري وسياسي حاد.
بهدوء أعصابه اللافت وقدرته على استحضار الحقائق التاريخية والقانون الدولي، يقلب مرندي الطاولة على المذيعين الغربيين، كاشفاً ازدواجية المعايير التي تُمارسها الدول الغربية في دعم الاحتلال الإسرائيلي وتجاهل الجرائم ضد الشعب الفلسطيني.
نشأة مزدوجة صنعت مقاتلاً فكرياً
وُلد سيد محمد مرندي في 14 مايو 1966 في ريتشموند بولاية فرجينيا الأميركية، لأب إيراني هو الدكتور علي رضا مرندي، الطبيب البارز الذي شغل منصب وزير الصحة في إيران، وتولّى مسؤولية تطبيب الشهيد علي خامنئي، لفترة من الزمن.
قضى مرندي السنوات الأولى من طفولته في الولايات المتحدة، ثم في إنجلترا، قبل أن يعود إلى إيران. هذه النشأة المزدوجة منحته ميزة استراتيجية فريدة: إتقان اللغة الإنجليزية بلكنة أصلية، وفهماً عميقاً للعقلية الغربية، وكيفية تشكيل الرأي العام من خلال الإعلام والأكاديميا.
رغم ولادته في الولايات المتحدة، إلا أنه يحمل الجنسية الإيرانية الأساسية ويعيش في إيران منذ سنوات طفولته المتأخرة. وفيما يتعلق بالجنسية الأمريكية بالولادة، أكّد مرندي في مناسبات عدة أنه لا يحمل جواز سفر أمريكي حالياً، ولا يستخدم أي حقوق مرتبطة بها.
اختار مرندي، بإرادته التامّة، الالتزام الكامل بوطنه الأم إيران الذي شارك في الدفاع عنه خلال الحرب، فقد خاض تجربة الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، كمجند في الحرس الثوري، ونجا من هجومين كيميائيين، مما شكّل وعيه بالمقاومة والصمود.
بعد انتهاء الحرب، التحق بجامعة طهران حيث حصل على البكالوريوس ثم الماجستير في الأدب الإنجليزي، وبعدها سافر إلى بريطانيا ليحصل على الدكتوراه من جامعة برمنغهام.
كانت أطروحته بعنوان "لورد بايرون ونقاده والاستشراق"(Lord Byron, His Critics and Orientalism)، والتي ناقشها في جامعة برمنغهام عام 2003. مستلهماً أفكار إدوارد سعيد وميشيل فوكو، وإن كان ذلك بصورة جدلية تتبنى الإطار النظري الأساسي ثم تتجاوزه وتوسّعه.
يرى مرندي أن "الشرق" في الخطاب الغربي ليس واقعاً موضوعياً، بل "بناء إيديولوجي خيالي" يُقدَّم فيه الشرق على أنه "بدائي وغامض ولا يستطيع حكم نفسه"، ويؤكد أن هذا التصور هو مدخل أساسي لفهم العقلية الاستعمارية الغربية، والتي استعملت مصطلح "الشرق" وعمّمته ليشمل كل ما يقع "شرق اسطنبول"، واستخدمته كأداة لتبرير الهيمنة السياسية والثقافية.
في رسالته الأكاديمية لم يقتصر نقده على بايرون، بل امتد إلى نقاده (سواء المعاصرين له أو النقاد الحديثين)، الذين يُكررون – حسب مرندي – الأخطاء نفسها في فهم الإسلام والشرق.
بعد الحصول على الدكتوراه، عاد مرة أخري إلى إيران، ليصبح أستاذاً مساعداً ثم أستاذاً مشاركاً وأستاذاً كاملاً في جامعة طهران.
شغل مرندي منصب رئيس قسم الدراسات الأمريكية (North American Studies) في الجامعة، وكان أحد مؤسسي معهد الدراسات الأميركية والأوروبية. يدرّس اليوم الأدب الإنجليزي والاستشراق، ويُعتبر مرجعاً أكاديمياً في تحليل السياسة الخارجية الأمريكية، والخطاب الاستعماري، وثقافة الولايات المتحدة. هذه الخلفية الأكاديمية القوية تجعله قادراً على مواجهة الرواية الغربية من داخل أدواتها نفسها.
المحارب الإعلامي: اختراق الإعلام المعادي وتفكيك البروباغندا
يتجاوز دور مرندي الأكاديمي إلى الجبهة الإعلامية المتقدمة، إذ يظهر بانتظام على شاشات CNN، BBC، Sky News، حيث يتميز بقدرته على قلب السردية الإسرائيلية-الغربية رأساً على عقب.
في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من عدوان إسرائيلي على غزة ولبنان، برز مرندي كصوت بارز يدافع عن الحق الفلسطيني. يركز في مداخلاته على كشف "ازدواجية المعايير" الغربية: كيف تدعم الدول الغربية جرائم الاحتلال تحت ذريعة "الدفاع عن النفس"، بينما تُشيطن المقاومة وتتجاهل القانون الدولي والجرائم ضد الإنسانية في غزة؟!.
في مقابلاته يستحضر مرندي التاريخ الاستعماري الغربي – من العراق وليبيا وسوريا إلى فلسطين – ليحرج المذيعين ويذكّرهم بجرائم دولهم السابقة. يقول في إحدى المداخلات الشهيرة: "لقد عبثتم مع الدولة الخطأ"، مشيراً إلى أن الدعاية الغربية لم تعد تنطلي على الشعوب بعد اليوم، خاصة بعد ما كشفته حرب غزة من وحشية الاحتلال وتواطؤ الإعلام الغربي في تبرير الإبادة. كما يؤكد أن الشرعية الدولية للكيان الصهيوني تتآكل يوماً بعد يوم، وأن المقاومة في فلسطين ولبنان أثبتت صموداً عسكرياً واستراتيجياً.
لعب مرندي دوراً بارزاً كمستشار إعلامي للفريق الإيراني في مفاوضات النووي في فيينا، فكان الصوت الذي ينقل وجهة نظر طهران إلى العالم، محطماً احتكار الرواية الغربية حول "النوايا الإيرانية".
أكد مرندي مراراً أن إيران لن تقبل اتفاقاً ناقصاً أو يمسّ بسيادتها، وأن الولايات المتحدة والأوروبيين هم من انتهكوا الاتفاق منذ البداية. حتى في السنوات الأخيرة (2024-2026)، واصل تقديم تحليلات حول فشل المفاوضات وإمكانية تصعيد عسكري، محذراً من أن أي غزو بري أمريكي لإيران سيتحول إلى مستنقع مكلف.
الحضور في قنوات المقاومة والمنهج الفكري
لا يقتصر نشاط مرندي على الإعلام الغربي؛ فهو حاضر بقوة في القنوات الفضائية التي تتبنى الدفاع عن معسكر المقاومة، مثل قناة الميادين. عبرها يُقدم قراءات استراتيجية دقيقة لتحركات حلف شمال الأطلسي والسياسة الأمريكية، موضحاً كيف أن الإمبريالية الغربية تواجه أزمة شرعية عميقة.
وكثيراً ما يدعو إلى بناء إعلام مقاوم هجومي لا يقتصر على الدفاع، بل يكشف نقاط ضعف الرأسمالية المتوحشة والسياسات الاستعمارية الحديثة، ويؤكد على مفاهيم السيادة الوطنية والاستقلال الثقافي.
يعتمد مرندي في سجاله على "المنطق البارد" والأدلة الموثقة، فهو يستخدم القانون الدولي لإحراج الدول التي تدّعي حمايته بينما تدعم الاحتلال، والتاريخ السياسي لتذكير الجمهور الغربي بماضيه الاستعماري، مما يخلق حالة من المساءلة الأخلاقية. ونادراً ما يلجأ إلى الشعارات العاطفية، بل يركّز على الحقائق والتحليلات العميقة التي تلامس العقل والضمير.
المثقف العضوي والجبهة الإعلامية المتقدمة
يُمثل محمد مرندي نموذجاً نادراً للمثقف العضوي الذي رفض الانسحاب إلى "برج عاجي" أكاديمي، ونزل إلى ميدان الكلمة والإعلام، فاستطاع أن يثبت أن المواجهة مع المشروع الصهيوني-الأمريكي تتطلب، إلى جانب القوة العسكرية والميدانية، عقلاً راجحاً ولغة بليغة قادرة على اختراق المجتمعات الغربية وهز ثقتها بروايات حكوماتها.
في زمن يحاول فيه الغرب فرض سردية واحدة، يقف مرندي شاهداً حياً على أن المقاومة ليست مجرد بندقية أو صاروخ، بل هي فكر وقلم وقدرة على قول "لا" بلغة يفهمها العالم أجمع.