ما بعد الحلم الكردي في سوريا: تحولات مصيرية وأسئلة مشرقية (3 / 3)
هل يخوض الكرد نضالاً جديداً متكاملاً مع كل المكونات المهددة في المشرق، بعيداً من الوهم والرهان على الغرب و"إسرائيل"؟
-
الكرد والمسألة السورية: أسئلة الهوية والمستقبل.
أصبح واضحاً أن المتغيرات الدينامية المتسارعة التي تشهدها منطقة غرب آسيا منذ نهاية عام 2010 وحتى الآن، ليست سوى امتداد لتداعيات ما تعرضت له إثر الحرب العالمية الأولى (1918). تلك الحرب التي مزَّقت جغرافيا تاريخية حضارية متداخلة عمرها آلاف السنين، عرفت إمبراطوريات وحضارات متتابعة ومتكاملة، لم تكن فيها خصوصية جغرافية خالصة لأي إثنية.
أفرزت هذه النتائج حدوداً فاصلةً لمجتمعات متنوعة ومتداخلة لم تعرفها من قبل، فولدت دولاً مستحدثة وأنظمة سياسية تحت العين الغربية.
الأمر الذي أدى إلى ظلم التنوع الديمغرافي بأطيافه كافة، وخاصة العرب والترك والكرد. لكن مظلومية الكرد كانت مضاعفة بحرمانهم من دولة خاصة، حيث تُركوا موزَّعين بين تركيا وسوريا والعراق وإيران كحالة وظيفية ضمن المشروع الغربي لضبط استقرار الدول المستحدثة.
مستويَا الظلم والصراع الداخلي
تعرض الكرد للظلم على مستويين: الأول عام تشاركهم فيه بقية شعوب المنطقة، والثاني خاص بحرمانهم من الكيان. لقد وُلد الجميع في كيانات لم يُستشاروا فيها، قبل أن تتشكل مؤسسات دولية تدير العالم وفق قانون يحترم إرادة الشعوب. ما يُثبت افتقار هذه الكيانات للمشروعية القانونية الأصلية. وبالتالي، فإن الاستمرار في الدفاع عن شرعيتها، أو محاولة بناء دول جديدة من خارج السياق التاريخي والحضاري، لن يجلبا سوى المزيد من الدماء والظلم للجميع، وسيكونان استمراراً لتمزيق المنطقة خدمة للمشروع الغربي-الصهيوني.
وإذا ما حصل ذلك، فلن تتوقف سلسلة الصراعات بين الكرد أنفسهم، كما هي الحال بين أقرانهم العرب والترك والإيرانيين. والتاريخ مليء بمثل هذه الصدامات الدموية، ويكفي أن نتذكر الصراع الكردي-الكردي الدامي بين أربيل والسليمانية في العراق منذ ثلاثة عقود، والذي لم ينتهِ رغم انضباطه مؤقتاً بالتوازنات الإقليمية.
كاد الأمر نفسه أن يحصل بين كرد الجزيرة السورية، لولا الحكمة التي تعامل بها قادة حزب الاتحاد الديمقراطي باستيعاب ظاهرة رفع أعلام إقليم كردستان العراق (أربيل) بكثافة في مدينة القامشلي، إثر الانسحاب من الرقة ودير الزور بطلب من عبد الله أوجلان لحقن الدماء. وهذا يؤكد إمكانية حصول صدام مقبل إذا ما جرى استثمار التناقضات الكردية-الكردية من قبل أطراف دولية.
الكرد والمسألة السورية: أسئلة الهوية والمستقبل
لا شك بأن الكرد جزء أصيل من النسيج الاجتماعي السوري، بما في ذلك كرد الجزيرة الذين قدموا من جنوب شرق تركيا بعد ثورة الشيخ سعيد بيران (1925). فهم انتقلوا من دولة مستحدثة إلى أخرى كانت حدودها مفتوحة قبل أقل من قرن، في عملية إعادة تموضع جماعية شأنهم في ذلك شأن العرب والتركمان والشركس والأرمن والآشوريين وبقية المكونات.
لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه عليهم وعلى الجميع هو: هل نحن أمام مجتمع سوري متعدد أم متنوع؟
الفارق بين المصطلحين كبير. فالتعددية المجتمعية تعني وجود مجتمعات متضادة ضمن إطار الدولة، بينما التنوع يعني تعدد الهويات ضمن انتماء وطني جامع ضمن دولة حديثة.
ويأتي السؤال الثاني المصيري: ما مدى قدرة هذه الجماعات، بعد أن كشفت الحرب زيف الهوية الوطنية السطحية التي لم تصمد أمام الهويات الأولية (ما قبل الوطنية)، على إعادة تشكيل هوية وطنية سورية حقيقية ضمن إطار دولة حديثة؟
الإجابة بطبيعة الحال لا تقع على عاتق الكرد وحدهم، وهي صعبة إن لم يكن هناك مشروع حقيقي لبناء دولة حديثة. دولة تعترف بتنوع الهويات الأولية (إثنياً ودينياً ومذهبياً) كمصدر غنى وشراكة، وليس كمصدر تهديد أو استعلاء. وهذا يستدعي الخروج من منطق "دولة الغلبة" الذي يهيمن على تصورات معظم النخب في العالم الثالث، والذي يؤدي حتماً إلى كوارث متجددة.
أما السؤال الثالث المرتبط بالرهان على الخارج، فهو أيضاً يشمل الجميع: هل سَيُعَوَّل عليه مرة أخرى؟ فمن تجربة جمهورية مهاباد (1946) التي دامت أقل من عام وكانت ضحية التوافق الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، إلى إفشال استفتاء كردستان العراق (2017) على يد الحليف الأميركي رغم الدعم الإسرائيلي الواضح، وصولاً إلى مصير المشروع الكردي في سوريا الذي حُجِّم لصالح التوافقات الدولية والدولة المركزية، حتى على حساب مشروع "ممر داوود" الإسرائيلي. التاريخ يقدم دروساً واضحة.
خلاصة الكرد والمسألة السورية
الأسئلة المصيرية الثلاثة تتطلب مراجعة جادة من الكرد ومن جميع السوريين. والاستفادة من التجارب السابقة واجب، فسنن التاريخ حاكمة ولو تأخرت. وهذا يدفع نحو بذل الجهد لبناء دولة حديثة تحفظ التنوع تحت سقف هوية وطنية جامعة. فهل هذا الطموح كافٍ بذاته؟
الكرد والمسألة المشرقية: نحو دور متقدّم
الكرد ليسوا فقط جزءاً من النسيج السوري، بل هم جزء أصيل وفاعل في نسيج المشرق الكبير، ذلك المثلث الحيوي الذي يربط الهضبة الإيرانية وهضبة الأناضول ووادي النيل.
وقضيتهم جزء من قضية المشرق بأكمله، الذي لا يزال يعاني من تداعيات الحرب العالمية الأولى ويتعرض لمزيد من التمزيق لصالح المشروع الغربي-الإسرائيلي.
هنا يُطرح السؤال: ما هو دور الكرد في مواجهة هذا الاستهداف؟
بسبب مظلوميتهم المزدوجة (العامة والخاصة)، فإن دورهم قد يكون متقدماً. فحل قضيتهم لا يتم ببناء دولة قومية قد لا تجد مستقبلاً في جغرافيا معقدة، بل بالمشاركة الفاعلة في إعادة إقليم غرب آسيا إلى سياقه التاريخي الحضاري، بصيغة جديدة تكفل الشراكة للجميع. وهذا يتطلب التعاطي مع الهوية القومية كهوية طبيعية وثقافية، لا أيديولوجية سياسية مغلقة.
في هذا الإطار، يبدو طرح عبد الله أوجلان حول "الأمة الديمقراطية" و"أخوة الشعوب" متقدماً، لأنه أدرك قبل عقدين أن الحل لا يكمن في الدولة القومية الانعزالية. هذه الفكرة تلتقي مع ما تستشرفه نخب سياسية وأكاديمية في المنطقة كبديل إيجابي عن دوامة الصراع.
فيصبح السؤال الختامي: هل يخوض الكرد نضالاً جديداً متكاملاً مع كل المكونات المهددة في المشرق، بعيداً من الوهم والرهان على الغرب و"إسرائيل"؟
هذا السؤال مُوَجَّه للجميع... فهل يكون هناك تجاوب؟