ما الذي تكشفه تحولات الصادرات عن الاقتصاد الصيني؟

الصادرات الصينية تتحول من المنتجات الصناعية إلى التكنولوجيا والابتكار والملكية الفكرية.

  • ما الذي تكشفه تحولات الصادرات عن الاقتصاد الصيني؟
    ما الذي تكشفه تحولات الصادرات عن الاقتصاد الصيني؟

في الآونة الأخيرة، بدأت الصين في نشر سلسلة من البيانات الاقتصادية الخاصة بالنصف الأول من العام. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنسبة 4.7% على أساس سنوي، فيما ارتفعت القيمة المضافة لقطاع الصناعات التحويلية عالية التقنية بنسبة 13.3%، وأسهمت محركات النمو الجديدة بأكثر من 40% من النمو الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، ارتفع إجمالي واردات وصادرات السلع بنسبة 16.9%، بينما زادت الصادرات بنسبة 13.4%..

وفي ظل تصاعد الحواجز التجارية وتواتر الصراعات الجيوسياسية حول العالم، تبدو هذه الأرقام لافتة بالفعل. لكن ما يستحق مزيداً من الاهتمام هو أن "نوعية" هذا النمو نفسه تشهد تحوّلاً. فمجموعة من المنتجات والصناعات الجديدة، التي تقوم على التكنولوجيا الأصلية والبحث والتطوير المستقل، بدأت تتحوّل إلى محرّكات جديدة لنمو التجارة الخارجية الصينية.

وتصدّرت نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية المحلية عالمياً من حيث إجمالي عدد استخداماتها لمدة 12 أسبوعاً متتالياً، فيما بلغت قيمة صادرات الروبوتات الصناعية الصينية خلال النصف الأول من العام 6.29 مليار يوان، بزيادة 18.6%، وارتفعت صادرات الروبوتات الجراحية بنحو 3.3 مرة. كما تجاوزت قيمة صفقات ترخيص الابتكارات الدوائية الصينية إلى الخارج 110 مليارات دولار خلال النصف الأول من العام.

هذه التطورات تشير إلى أن المزايا التنافسية للتجارة الخارجية الصينية تتوسع تدريجياً، من الاعتماد على التكلفة والحجم إلى الاعتماد بصورة أكبر على التكنولوجيا والبحث والتطوير والملكية الفكرية. وبعبارة أخرى، تدخل التجارة الخارجية الصينية مرحلة جديدة يقودها الابتكار بدرجة متزايدة.

في عام 2023، طرحت الصين لأول مرة مفهوم "الثلاثة الجديدة" في صادراتها، في إشارة إلى مركبات الطاقة الجديدة وبطاريات الليثيوم والمنتجات الكهروضوئية. وبحلول عام 2025، اقتربت قيمة صادرات هذه المنتجات من 1.3 تريليون يوان. لكن مهما كانت درجة تطورها التكنولوجي، فإن هذه المنتجات لا تزال في جوهرها منتجات صناعية، وتستند قدرتها على المنافسة عالمياً، قبل كل شيء، إلى قوة القاعدة الصناعية الصينية وتكامل سلاسل الإنتاج.

أما الروبوتات والذكاء الاصطناعي والأدوية المبتكرة التي بدأت تبرز بقوة في هذه المرحلة، فتقوم على منطق تنافسي مختلف.

فالروبوتات لم تعد مجرد أجهزة، بل أصبحت تجسّد قدرات متكاملة في الأتمتة والتحكم الذكي وتكامل الأنظمة. أما الذكاء الاصطناعي، فلا تقتصر قيمته على البرمجيات، بل تمتد إلى نماذج الذكاء الاصطناعي والقدرات الحوسبية والبيانات وتطبيقاتها في مختلف المجالات. أما الأدوية المبتكرة، فلا تكمن قيمتها في المنتج الدوائي بحد ذاته فحسب، وإنما في منظومة متكاملة من البحث والتطوير، تشمل اكتشاف الأهداف العلاجية، وتحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات سريرية، وترخيص حقوق الملكية الفكرية، والحصول على الموافقات التنظيمية في الأسواق العالمية.

الروبوتات: من المنتج إلى القدرة الصناعية

ففي عام 2025، ارتفعت صادرات الصين من الروبوتات الصناعية بنسبة 48.7%، وتجاوزت الواردات للمرة الأولى، لتصبح الصين دولة مصدّرة صافية للروبوتات الصناعية. وخلال الربع الأول من عام 2026، بلغت قيمة صادرات الروبوتات الصينية 11.32 مليار يوان، ووصلت المنتجات إلى 148 دولة ومنطقة حول العالم. ومن بينها، بلغت صادرات الروبوتات الصناعية 3.16 مليار يوان، بزيادة 42% على أساس سنوي.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الروبوتات لم تعد مجرد نماذج تقنية تُعرض في المختبرات، أو مفاهيم مبتكرة في المعارض، بل إنها بدأت تدخل فعلياً في منظومات التصنيع العالمية، لتصبح أحد المتغيرات الجديدة سريعة النمو في هيكل الصادرات الصين. وتمتلك الصين مزايا مهمة في مجالات مثل قدرات التصنيع، ومجموعات البيانات، وبيئات التدريب، كما بدأت تنتقل تدريجياً من دور المتلقي للمعايير الدولية إلى دور أكثر أهمية في صياغة هذه المعايير في مجال صناعة الروبوتات.

الذكاء الاصطناعي: من تصدير البرمجيات إلى تصدير قدرة الرقمنة

وفقاً للبيانات الصادرة عن الهيئة الوطنية للبيانات في الصين، بلغ متوسط عدد رموز الذكاء الاصطناعي "Token" التي تتم معالجتها يومياً في الصين نحو 100 مليار في بداية عام 2024. وبحلول نهاية عام 2025، قفز الرقم إلى 100 تريليون، ثم تجاوز 140 تريليوناً في مارس 2026، أي بزيادة تفوق ألف مرة خلال عامين.

وفي الوقت نفسه، تزداد جاذبية منظومة الذكاء الاصطناعي الصينية عالمياً. فالنماذج الصينية تتميز عموماً بتكاليف استخدام أقل، كما تتبنى العديد منها نماذج مفتوحة أو مفتوحة المصدر، ما يخفض عتبة استخدام التكنولوجيا ويساعد على توسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المزيد من الدول والقطاعات. لكن الأهم هو أن "تصدير الذكاء الاصطناعي" لا يعني بالضرورة تصدير نموذج ذكاء اصطناعي في حد ذاته. فقد يتمثل في واجهة برمجية، أو خدمة حوسبة سحابية، أو خوارزمية، أو منصة، أو حل رقمي متكامل يُدمج في عمليات الشركات والأسواق الخارجية.

وهنا يتغير تعريف القدرة التنافسية الصينية. فقد باتت القدرة التنافسية الدولية للصين لا تعتمد فقط على المصانع وخطوط الإنتاج والحاويات، بل تعتمد بصورة متزايدة أيضاً على الأكواد والمنصات وواجهات البرمجة والخدمات السحابية والحلول المخصصة للقطاعات المختلفة.

وخلال الربع الأول من عام 2026، ارتفعت صادرات الخدمات للصين بنسبة 11.2%، فيما زادت صادرات الخدمات كثيفة المعرفة بنسبة 6.1%. وفي الوقت نفسه، بلغت إيرادات قطاع البرمجيات في الصين 1.54831 تريليون يوان في عام 2025، بزيادة 13.2% على أساس سنوي، بينما بلغت صادرات البرمجيات 62.73 مليار دولار، بزيادة 7.7%.

ولا يمكن بطبيعة الحال مساواة هذه الأرقام مباشرةً بما يُسمى "صادرات الذكاء الاصطناعي"، لكنها تعكس اتجاهاً أكثر أهمية، يتمثل في تسارع انتشار التقنيات الرقمية وخدمات البرمجيات الصينية في الأسواق العالمية.

الأدوية المبتكرة: من استيراد التكنولوجيا إلى تصدير الابتكار

ووفقاً للهيئة الوطنية الصينية للمنتجات الطبية، وافقت الصين في عام 2025 على طرح 76 دواء مبتكراً جديداً في الأسواق، وهو أعلى مستوى تاريخي. وبلغت حصة الأدوية المبتكرة المحلية 80.85% من الأدوية الكيميائية و91.30% من المنتجات البيولوجية. وفي العام نفسه، تجاوز إجمالي قيمة صفقات ترخيص الأدوية المبتكرة الصينية إلى الخارج 130 مليار دولار، فيما تجاوز عدد الصفقات 150 صفقة، مسجلاً رقماً قياسياً جديداً أيضاً.

وتكشف هذه الأرقام عن تحوّل أعمق في موقع صناعة الأدوية الصينية ضمن سلسلة القيمة العالمية: من التقليد والمتابعة والتصنيع التعاقدي، إلى الابتكار الأصلي والترخيص والتعاون العالمي. كما أصبح دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي اتجاهاً مهماً في مجال التكنولوجيا الحيوية، فيما تتحوّل الصين تدريجياً إلى محرك قوي للابتكار الطبي على المستوى العالمي.

واليوم، تعمل أعداد متزايدة من شركات الأدوية الصينية على تطوير أدوية مرشحة مبتكرة بشكل مستقل، فيما تتجه حقوق الملكية الفكرية بصورة متزايدة من الصين إلى شركات الأدوية العالمية، بدلاً من أن يكون الاتجاه في الماضي من الخارج إلى الصين. وبالنسبة إلى المرضى حول العالم، قد يعني هذا خيارات علاجية أسرع وأكثر تنوعاً وأقل تكلفة.

إذا كانت "الثلاثة الجديدة" قد مثلت مرحلة مهمة في ارتقاء التصنيع الصيني نحو منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، فإن بروز الروبوتات والذكاء الاصطناعي والأدوية المبتكرة يكشف عن مرحلة جديدة من تطور المزايا التنافسية للصين. فهذا التحوّل يعكس ارتقاءً شاملاً في المزايا النسبية للتجارة الخارجية الصينية، وأنماطها التجارية، وهيكل القيمة فيها، ويجسّد بصورة مركزة المنطق الجديد لنمو التجارة الخارجية عالية الجودة.

أولاً، ينتقل محرك النمو تدريجياً من الاعتماد على حجم سلاسل الصناعة وقدرات الإنتاج إلى الاعتماد بصورة أكبر على الابتكار الأصلي والبحث والتطوير.

ثانياً، تتنوع أشكال التصدير وتتطور، من تجارة السلع المادية إلى نموذج يجمع بين "السلع + المعرفة + الخدمات".

وثالثاً، يرتفع موقع الصين في تقسيم العمل العالمي، من التصنيع في المراحل المتوسطة والدنيا من سلاسل القيمة إلى المنافسة في المجالات التكنولوجية المتقدمة.

من الملابس والأثاث والأجهزة المنزلية التي شكلت يوماً "الثلاثة القديمة" في صادرات الصين، إلى مركبات الطاقة الجديدة وبطاريات الليثيوم والمنتجات الكهروضوئية التي تمثل "الثلاثة الجديدة"، وصولاً إلى الروبوتات والذكاء الاصطناعي والأدوية المبتكرة التي تتسارع وتيرة توجهها إلى الأسواق العالمية، شهدت "القوة الرئيسية" للصادرات الصينية ثلاث مراحل من التحوّل.

وهذه التحوّلات لا تعكس مجرد تغيّر في شكل المنتجات المصدّرة، بل تعكس ارتقاء أعمق في الميزة التنافسية للصناعة الصينية: من قوة التصنيع إلى قوة التكنولوجيا، ومن تصدير المنتجات إلى تصدير الابتكار، ومن الاعتماد على الحجم إلى الاعتماد بصورة متزايدة على المعرفة والملكية الفكرية.

إن قصة الصادرات الصينية اليوم لم تعد مجرد قصة عن المنتجات التي تصنعها الصين، بل عن القدرات التي أصبحت الصين قادرة على تصديرها إلى العالم.