لبنان: صراعان إقليميان وصعوبة "التطبيع"
هل يمكن- واقعياً- فصل لبنان عن إيران في ظل تحقيق إيران انتصارات في الحرب الدائرة ضدها، وفي ظل البطولات التي سطرها حزب الله في جنوب لبنان؟
-
لبنان كدولة حاجز ومحفّز للصراع في آن.
بفعل الحرب الكبرى الدائرة في المنطقة اليوم، يعيش لبنان لحظة مفصلية في تاريخه السياسي، تتجاوز أزماته البنيوية المعتادة لتندرج ضمن سياق إقليمي– دولي شديد الاضطراب. ففي ظل الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على لبنان، والانقسام اللبناني – اللبناني حولها، لا يمكن فهم المسار اللبناني بوصفه شأناً داخلياً أو امتداداً مباشراً لصراع واحد، بل بات نتاج تراكب صراعين متوازيين يتنازعان مستقبله واتجاهه.
الصراع الأول هو صراع أميركي– إيراني على موقع لبنان ووظيفته في الإقليم، وهو صراع بنيوي طويل الأمد يتبدّى بأشكال مختلفة وهو مستمر منذ انسحاب الجيش السوري من لبنان. أما الصراع الثاني، وهو مستجد ومرتبط بمرحلة ما بعد الإبادة في غزة، فهو صراع عربي–عربي حول مقاربة لبنان، وحدود اندماجه في النظام الإقليمي العربي، ودوره في الصراع مع "إسرائيل".
هذا التداخل بين الصراعين لا ينتج حالة اصطفاف بسيطة، بل يضع لبنان في موقع شديد الخطورة حالياً، حيث ستنعكس نتيجة هذه الصراعات ليس فقط على ميزان القوى الداخلي، بل أيضاً عبر توازنات إقليمية متناقضة ومتحركة.
لبنان كدولة حاجز ومحفّز للصراع في آن
لفهم الموقع اللبناني، لا بد من مقاربة نظرية تتجاوز توصيف لبنان كـ«دولة ضعيفة» أو «ساحة»، بل يمكن توصيفه، في آنٍ واحد، كـ"دولة حاجز"، ودولة جاذبة للصراعات في الوقت نفسه.
بصفته دولة حاجز، يؤدي لبنان وظيفة فصل جغرافي– سياسي بين كتل إقليمية متصارعة، ويُستخدم لامتصاص التوترات أو نقلها من دون حسمها. هذه الوظيفة جعلت لبنان يعيش صراعات دائمة، إذ استخدمته القوى الإقليمية والكبرى ساحة لصراعاتها، ابتداءً من حلف بغداد عام 1958، وصولاً إلى الانقسام حول وجهة لبنان في صراع المحاور الحاصل حالياً (2023- 2026).
لكن، في الوقت نفسه، حوّلت الطبقة السياسية لبنان إلى مساحة جاذبة للتدخلات والصراعات. في هذا السياق، لا يمكن توصيف الطبقة السياسية اللبنانية كفاعل سلبي أو ضحية دائمة للتدخلات الخارجية، بل على العكس، لعبت هذه الطبقة دور المُحفِّز للصراعات، عبر استثمارها الدائم في الانقسامات الإقليمية لتعزيز مواقعها الداخلية. حوّلت الطبقة السياسية التنافس الخارجي إلى مورد سياسي، وأعادت إنتاجه في البنية الداخلية للنظام، ما جعل الصراع الاقليمي جزءاً من آلية الحكم لا عارضاً عليه.
وفي النهاية، تظهر هذه الوظيفة جلياً في كيفية تحوّل التوازن الداخلي اللبناني تبعاً لتحوّلات الخارج، وفي قدرة الفاعلين اللبنانيين على إعادة ترجمة نتائج الصراعات الإقليمية إلى تسويات مرحلية داخلية، ولو كانت غير مستقرة.
وهكذا، لا يمكن أن نختزل الصراع الدائر اليوم في لبنان، وكنتيجة للحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، في مواجهة واحدة، بل هو صراع متشعب المسارات، أقلّه في مسارين منفصلين:
المسار الأول: فصل لبنان عن إيران
أول هذه المسارات يتمثل في المحاولة الأميركية- الإسرائيلية الواضحة لإبعاد لبنان عن إيران، ليس فقط على المستوى الأمني والعسكري، بل على مستوى التعريف السياسي للبلد.
وقد تجلّى ذلك في السعي إلى الفصل العلني بين «الملف الإيراني» و«الملف اللبناني»، سواء عبر خطابات الرئيس دونالد ترامب الذي قدّم لبنان كحالة منفصلة، أو عبر فصل وقف النار في لبنان عن مسار إسلام آباد الذي أقرّ هدنة في الإقليم وبقي لبنان خارجها، برفض من نتنياهو وموافقة أميركية لاحقة، وذلك بهدف الاستفراد بالساحة اللبنانية.
هذا المسار وجد صداه داخلياً، حيث عبّر بعض اللبنانيين علناً عن تحقيق إنجاز في "فصل مسار لبنان عن إيران"، مقدّمين ذلك بوصفه خياراً سيادياً، في حين أنه في الواقع يعكس انخراطاً في إعادة التموضع الإقليمي أكثر مما يعكس نقاشاً سيادياً صرفاً.
المسار الثاني: الانقسام العربي حول التطبيع
لا شكّ أن هناك انقساماً لا يقل أهمية عن المسار الأول، ويتمثل في الانقسام حول طبيعة وشكل العلاقة مع "إسرائيل"، وتحديداً في مسألة التفاوض. فبينما يرى مؤيدو المسار المرتبط بإيران أن أي تفاوض يجب أن يبقى غير مباشر وتحت سقف "الميكانيزم"، لا يبدو المعسكر المقابل متجانساً على الإطلاق.
ضمن معسكر "ضرورة إنهاء الصراع وفكّ الارتباط بطهران"، تبرز المقاربة السعودية التي تنطلق من اعتبار أن أي تطبيع مع "إسرائيل" يجب أن يكون نتيجة مسار سياسي شامل لا بدايته، وأنه مشروط بإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967.
في المقابل، يروّج البعض في لبنان لضرورة القفز فوق كل العوائق والسير بمسار التطبيع المباشر مع "إسرائيل" بوصفه الحل لمشاكل لبنان المزمنة، وهو تطبيق للمسار الإماراتي الذي وقّع الاتفاقات الإبراهيمية، وهو الذي يحظى بدعم ودفع من الرئيس دونالد ترامب الذي يعدّ التطبيع إنجازاً شخصياً له.
في النتيجة، وفي ظل تشابك المسارات وتعقيدات الإقليم، تُطرح الأسئلة الآتية: هل يمكن- واقعياً- فصل لبنان عن إيران في ظل تحقيق إيران انتصارات في الحرب الدائرة ضدها، وفي ظل البطولات التي سطرها حزب الله في جنوب لبنان، والتي ستدفع الأميركيين الى إقامة صفقات كبرى شاملة معها؟ وهل يمكن للمسؤولين اللبنانيين أن يسيروا بمسار التطبيع من دون شروط، والتخلي عن مسار السعودية التي وضعت مسبقاً السقف العربي للتطبيع؟