كيف تسبب باشينيان في وضع أرمينيا تحت الهيمنة الأذربيجانية – التركية؟
تخلى باشينيان عن شعارات الديمقراطية وحرية التعبير التي شكلت أساس الخطاب السياسي الذي أوصله إلى الحكم في عام 2018 عبر ثورة ملوّنة مدعومة غربياً، وسعى إلى تطويع القضاء والأجهزة الأمنية.
-
باشينيان: أداة الغرب في جنوب القوقاز.
تتحضر تركيا لإطلاق مشروعها للعب دور مهيمن في منطقة وسط آسيا، بعد فشل طموحاتها في لعب هذا الدور في المنطقة العربية، على الرغم من فوزها بحصة من نفوذ في سوريا وليبيا والسودان والصومال.
فبنتيجة تضارب مصالحها مع مصالح عدد كبير من الدول العربية، ارتأت واشنطن سحب الدور الريادي منها في المنطقة العربية وإيكاله لـ"إسرائيل"، وتعويض أنقرة بمنحها دوراً مهيمناً في منطقة جنوب القوقاز ووسط آسيا بما يحقق الأهداف الأميركية بالتوغل عبر تركيا إلى الحديقة الخلفية لروسيا والصين وضرب مبادرة "حزام وطريق" التي يمر خط رئيسي منها في منطقة وسط آسيا.
باشينيان: أداة الغرب في جنوب القوقاز
الجدير ذكره أن التحضيرات لهذا الدور كانت قد بدأت قبل سنوات عبر رعاية وصول نيكول باشينيان إلى السلطة في أرمينيا بعد ثورة ملونة مرعية من قبل الولايات المتحدة، وكان الهدف من هذا الأمر هو نقل أرمينيا من موقع الحليف الاستراتيجي لموسكو إلى موقع الخصم لها بغية تطويقها من الجنوب في الوقت الذي كانت ترعى فيه نظاماً "نيو نازياً" في أوكرانيا بغية استخدامه كأداة للضرب في العمق الروسي.
وكان باشينيان الذي تم تحضيره من قبل الدوائر الأميركية في المؤسسات نفسها التي ساهمت في إنتاج زيلنسكي في أوكرانيا وغوايدو ومن ثم ماتشادو في فنزويلا وساكاشفيلي في جورجيا، على أهبة الاستعداد للعب هذا الدور، ولو أنه كان يأتي على حساب الأمن القومي الأرمني الذي شكلت روسيا ضمانته الرئيسية منذ حماية موسكو لأرمينيا الشرقية من خطر الغزو والإبادة التركية التي تعرض لها سكان أرمينيا الغربية، مروراً بزمن الاتحاد السوفياتي وصولاً إلى عام 2018 حين شكّل وصول باشينيان إلى السلطة مخالفة لهذا الموروث.
وأول ما قام به باشينيان هو الابتعاد عن حليفته الطبيعية وهي روسيا، إضافة إلى ابتعاده عن حليفته الثانية وهي إيران والانفتاح على علاقات جيدة مع أنقرة بناءً على إملاءات أميركية.
بنتيجة ذلك أصبح موقف أرمينيا ضعيفاً في مواجهة أعدائها الذين يمثلون خطراً وجودياً عليها وهما تركيا وأذربيجان اللتان كانتا تعتبران أن أرمينيا تشكل عقبة جغرافية في طريق تواصلهما الجغرافي بغية فتح الطريق البري من تركيا إلى أذربيجان والانطلاق منها باتجاه الضفة الشرقية لبحر قزوين باتجاه جمهورية تركمانستان كمقدمة لتوغل النفوذ التركي في جمهوريات آسيا الوسطى كمقدمة لتوغل النفوذ الأميركي في هذه المنطقة بغية الإضرار بالأمن القومي الروسي والأمن القومي الإيراني.
كيف استغلت باكو التحولات الأرمينية
فيما كان باشينيان يقوم بذلك، كانت أذربيجان تتحضر للحرب بغية انتزاع إقليم ناغورنو كاراباخ الذي سبق وحررته أرمينيا في أوائل التسعينيات من القرن الماضي.
وفي عام 2020، وفي ظل سياسة باشينيان الرامية إلى إضعاف الجيش الأرمني باعتباره المؤسسة الأرمنية الداعمة لسياسة وثيقة مع موسكو، شنت أذربيجان حرباً ضد أرمينيا تمكنت من خلالها من الاستيلاء على أجزاء واسعة من إقليم ناغورنو كاراباخ أو ارتساخ.
وقد استفادت باكو من حالة الإهمال التي تعرض لها الجيش الأرمني على يد باشينيان، إضافة إلى الدعم التركي للجيش الأذربيجاني، خصوصاً لجهة استخدام الطائرات المسيرة والتكنولوجيا الحديثة بغية تحقيق نصر صريح وواضح على الجيش الأرمني.
وحاولت موسكو احتواء الخسائر الأرمنية قدر الإمكان عبر التدخل لرعاية وقف لإطلاق النار إلا أن مهمتها كانت صعبة في ظل الأضرار العميقة التي تعرضت لها بنية السلطة والجيش الأرمني في ظل باشينيان.
في محاولة منه للتملص من المسؤولية، سعى باشينيان لإلقاء المسؤولية على روسيا لعدم تدخلها عسكرياً إلى جانبه، علماً أنه سبق له أن ابتعد عن موسكو واعتمد سياسات دفعت بالقيادة الروسية إلى التشكك في نواياه، عدا عن منظمة الأمن الجماعي التي تضم أرمينيا وروسيا لم يكن من حقها التدخل في النزاع الحاصل بحكم أن إقليم ارتساخ كان يعتبر قانونياً إقليماً أذربيجانياً متمرداً وفقاً للأمم المتحدة.
بنتيجة مواقف باشينيان السلبية تجاه موسكو، شعرت أذربيجان بأن أرمينيا تبتعد عن أهم حلفائها ما يعزز من إضعاف موقفها وهو ما جعلها تشن حرباً جديدة ضد أرمينيا في أيار / مايو 2021 بدعم علني من تركيا وضمني من الولايات المتحدة ما أدى إلى احتلال أذربيجان لأجزاء واسعة من الأراضي الأرمينية.
والمفارقة كانت أن باشينيان قرر عدم مواجهة الغزو الأذربيجاني بالقوة العسكرية والاستعاضة عنها باللجوء إلى الوساطة من قبل الولايات المتحدة ما دفع بكثيرين في أرمينيا إلى اتهامه بالتواطؤ للتنازل عن أراض أرمنية بغية إتاحة المجال أمام أرمينيا لفتح طريق بري عبر الأراضي الأرمنية باتجاه تركي لتأمين التواصل البري بين تركيا وأذربيجان.
وما عزز هذه الاتهامات هو توقيع باشينيان في وقت لاحق لاتفاق مع أذربيجان وتركيا برعاية من الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بداية ولايته الثانية بغية إقامة ممر زنغزور من شرق تركيا عبر الأراضي الأرمنية باتجاه أذربيجان بما يؤدي إلى إقامة جسر يربط بين تركيا وتركمانستان، ويسمح لواشنطن بمد نفوذها عبر جنوب القوقاز باتجاه وسط آسيا.
توثيق العلاقات مع الغرب على حساب السيادة الأرمنية
بالتوازي مع ذلك، كان باشينيان يقوم بإعادة توجيه سياساته بغية توثيقها مع الغرب. وقد كثفت يريفان اتصالاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حتى أنها شاركت في مناورات عسكرية مع الولايات المتحدة في وقت كانت تقلص تنسيقها الأمني مع موسكو، ولو كان ذلك على حساب الأمن القومي الأرمني.
في هذا الوقت كانت باكو تعزز من توجهاتها للهيمنة على أرمينيا بالتنسيق مع تركيا بغية تعزيز الترابط الجغرافي بينهما على حساب الأراضي الأرمنية. وقد وصل الأمر بالرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إلى حد الإعلان صراحة عن نواياه حين أعلن في إحدى القمم الأوروبية التي شاركت فيها كل من أذربيجان وأرمينيا، عن نواياه في شق وإقامة ممرات إقليمية وترسيخ ترتيبات جيوسياسية مع تركيا عبر الأراضي الأرمنية، ما أثار مخاوف داخل أوساط أرمنية واسعة ودفعها لإعلاء الصوت ضد باشينيان الذي كان حاضراً عند إلقاء علييف كلمته، والذي فسر صمته على أنه يشكّل قبولاً ضمنياً من قبله بالتضحية بالسيادة الأرمنية وحتى التضحية بجزء من الأراضي الأرمنية في مقابل حصوله على دعم غربي سياسي واقتصادي، وهو ما حدا بكثيرين من الأصدقاء الأرمن الى الإعلان عن أن أرمينيا أصبحت مستعمرة تركية.
وفي أيلول/سبتمبر 2023، نفذت أذربيجان عملية عسكرية خاطفة أنهت فعلياً وجود الكيان الأرمني الانفصالي في ناغورنو كاراباخ، ما أدى إلى نزوح جماعي لعشرات آلاف الأرمن من الإقليم نحو أرمينيا.
وقد شكّل هذا التطور صدمة كبرى للمجتمع الأرميني، إذ اعتبر كثيرون أن الحكومة فشلت في حماية السكان الأرمن في كاراباخ أو في تأمين ضمانات دولية تحول دون انهيار الوضع الإنساني والسياسي هناك.
كما اتهمت المعارضة باشينيان بأنه مهّد عملياً للتخلي عن الإقليم من خلال اعترافه المتكرر بوحدة أراضي أذربيجان وفق الحدود السوفياتية السابقة.
بنتيجة ذلك، تصاعدت المعارضة لحكومة باشينيان داخل أرمينيا ما حدا به إلى مواجهتها بالقمع. في هذا الإطار، وتخلى باشينيان عن شعارات الديمقراطية وحرية التعبير التي شكلت أساس الخطاب السياسي الذي أوصله إلى الحكم في عام 2018 عبر ثورة ملونة مدعومة غربياً، وسعى إلى تطويع القضاء والأجهزة الأمنية ليشن عبرهما حملة اعتقالات ضد الرموز المعارضين له، إضافة إلى سعيه إلى تقييد حرية الصحافة والتعبير، خصوصاً أن الانتقادات تطرقت أيضاً إلى تفشي الفساد في أوساط الدائرة المحيطة به.
وتشير تقارير محلية ودولية إلى تفاقم تفشي الفساد الإداري والاقتصادي داخل مؤسسات الدولة الأرمينية منذ استلام باشينيان لمقاليد السلطة في عام 2018، إضافة إلى الرشاوى والمحسوبيات والتلاعب السياسي بالقضاء وتراجع في الشفافية حاول باشينيان التعمية عليها كلها عبر اعتماد خطاب شعبوي معاد لموسكو يلقي عليها تبعات كل ما تعاني منه أرمينيا بما فيها خسارة الأراضي لصالح أذربيجان.
تحولات تعكس أزمة وجودية؟!
يأتي هذا التحول الأرمني ليعكس أزمة عميقة ترتبط بموقع أرمينيا في النظام الدولي الجديد الذي يشهد عملية انتقال من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب يشهد صعوداً لروسيا والصين في مواجهة الهيمنة الأميركية.
وفي خضم هذه اللحظة المفصلية، فإن خيارات باشينيان تأتي مفاجئة، إذ أنه عوض الاستفادة من صعود دور روسيا التي شكلت الملاذ الأول للأرمن على مدى قرن ونصف القرن، فإذا به يختار الانحياز إلى قوة تتراجع سطوتها في العالم هي الولايات المتحدة والغرب حتى لو كان في ذلك تضحية بمصالح بنيوية وحيوية بالنسبة إلى أرمينيا.
في هذا الإطار، نجد أن باشينيان يقدم على المشاركة في قمة بين الاتحاد الأوروبي وأرمينيا ويطلق تصريحات يهاجم فيها موسكو ويوقع على إعلان مشترك مع بروكسل يتضمن بنداً يزعم "احترام النظام الدولي القائم على القواعد" وهو ما يعتبره مراقبون أنه جزء من الخطاب الناعم للغرب لتبرير التدخلات الجيوسياسية.
ويرى هؤلاء المراقبون أن ما أقدم عليه باشينيان يزيد من ارتهان أرمينيا للغرب عوض اعتماد سياسة متوازنة يمكن أن تضمن المصالح الحيوية ليريفان وللشعب الأرمني. ويخشى قطاع من النخب الأرمينية من أن تؤدي سياسات باشينيان إلى توتر العلاقات مع روسيا، وبالتالي خسارة أرمينيا لأهم داعم عسكري واستراتيجي لها.
فروسيا تحتفظ بقاعدة عسكرية في مدينة غيومري الأرمنية، كما أنها شريك اقتصادي رئيسي لأرمينيا ومصدر أساسي للطاقة والتحويلات المالية. وبالتالي، فإن أي قطيعة كاملة مع موسكو قد تحمل تداعيات اقتصادية وأمنية خطيرة على الدولة الأرمينية.
خلاصة
تظهر التجربة أن السياسات التي اعتمدها نيكول باشينيان منذ وصوله إلى السلطة في أرمينيا حتى يومنا هذا أدت إلى تآكل خطير في عناصر الأمن القومي الأرمني، شكلت خسارة ارتساخ واحدة من أهم تجلياته.
فقد كشفت خسارة الإقليم ومن ثم خسارة أراض أرمنية إضافية عن تحولات استراتيجية عميقة في منطقة جنوب القوقاز. إذ تراجعت قدرة أرمينيا على فرض معادلات القوة القديمة، بينما عززت أذربيجان موقعها الإقليمي مستفيدة من دعم تركيا وتنامي أهميتها كمصدر للطاقة بالنسبة إلى أوروبا.
وفي الوقت نفسه، بات النفوذ الروسي في المنطقة يواجه تحديات غير مسبوقة، فيما يسعى الغرب إلى توسيع حضوره السياسي والاقتصادي في القوقاز. وإن الجدل الدائر اليوم داخل أرمينيا لا يتعلق فقط بمسؤولية باشينيان عن خسارة ارتساخ بل أيضاً بمستقبل الهوية الوطنية والتحالفات الاستراتيجية للدولة الأرمينية.