كيف تبرر كل من مصر وتركيا تدخلها في الحرب على اليمن؟
تنسيق استخباري وعسكري إقليمي ودولي ضد صنعاء يتوسع تحت مظلة "سنتكوم"، فيما تبرر مصر وتركيا انخراطهما باعتبارات الأمن القومي وحماية الملاحة والسعودية، مع محاولة النأي عن الارتباط المباشر بإسرائيل.
-
كيف تبرر كل من مصر وتركيا تدخلها في الحرب على اليمن؟
لم يعد سراً الوجود والتنسيق الاستخباري والعسكري غير المباشر بين إسرائيل وأطراف إقليمية تحت مظلة القيادة المركزية الأميركية، لمواجهة جماعة أنصار الله "الحوثيين" في اليمن، حيث يجري تبادل المعلومات الاستخبارية، وتقوم إسرائيل بتزويد أطراف إقليمية بمعلومات استخبارية وبيانات لتحديد الأهداف في الحرب.
أما قيادة "سنتكوم" الأميركية، فتعمل كقناة تواصل رئيسية وميسّر للقاءات الأمنية، إذ رعت اجتماعات عسكرية مغلقة ضمت قادة هيئات الأركان من إسرائيل وعدة دول عربية، لبحث التنسيق الإقليمي والدفاع الجوي والصاروخي ضد الهجمات العابرة للحدود.
وتفضّل "سنتكوم" عدم تصدّر إسرائيل عسكرياً بشكل مباشر في جبهة اليمن، والتركيز بدلاً من ذلك على دعم التحالفات الإقليمية وبناء بنك أهداف مشترك، تجنباً لاستنزاف القوات الإسرائيلية في جبهات متعددة.
كذلك، أعلنت بريطانيا رسمياً نشر مقاتلات من طراز "تايفون" تابعة لسلاح الجو الملكي، للقيام بمهام دفاعية جوية في أجواء السعودية، لاعتراض صواريخ ومسيّرات الحوثيين وحماية البنية التحتية.
وتم تفعيل "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" للاستعانة بقدرات دول مثل تركيا وباكستان لتوفير ردع جماعي، وبرزت مؤشرات إلى عودة التنسيق العسكري، حيث أجرت مصر مناورات عسكرية تكتيكية، في حين وافقت الإمارات على تقديم دعم لوجستي ومالي لبعض الفصائل على الأرض مقابل غطاء جوي سعودي.
هل قصف الطائرة الإيرانية كان خطة استباقية لحرب ضد الحوثيين؟
التحركات التي تلت قصف المطار تؤكد وجود توافق دولي وإقليمي واسع لفتح معركة ردع ضد الحوثيين، لمنع إيران من إحكام قبضتها الكاملة على الملاحة الدولية، وتحديداً مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
ويتجلى هذا التوافق في الحضور الدولي المباشر، ولا سيما الدورين البريطاني والأميركي، ودخول مقاتلات "تايفون" البريطانية مباشرة إلى الأجواء السعودية لاعتراض مسيّرات الحوثيين. كذلك، جرى تفعيل شبكة رادارات موحدة برعاية القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، والهدف هو عزل القدرات الصاروخية الحوثية ومنعها من شل الحركة في المضيق.
القصف الاستراتيجي للمطار لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل خطوة حاسمة مدعومة بتوافق حلفاء السعودية لقطع "الجسر الجوي المباشر" بين طهران وصنعاء، وإجهاض محاولة إيران وحلفائها الحوثيين للسيطرة المطلقة على الممرات البحرية واستهداف الطاقة العالمية، وهي خطة لمساعدة الأميركي في حربه مع إيران.
ما هي تبريرات تركيا ومصر للدخول على خط الحرب في اليمن؟
بينما تصطف السعودية ودول الخليج بشكل وثيق مع الولايات المتحدة في مواجهتها ضد إيران، فإن تركيا تدير مقاربة استراتيجية مختلفة تماماً، تقوم على تحقيق مكاسب دفاعية واقتصادية هائلة من الأزمة من دون التورط في حرب مباشرة.
فهي لا تشارك في التحالف العسكري الأميركي - الإسرائيلي ضد طهران، وتتبنى موقفاً محايداً دبلوماسياً، إلا أنها تستغل هذا التوتر الجيوسياسي لتحقيق مكاسب جوهرية.
وأهم هذه المكاسب تصدير التكنولوجيا العسكرية وتعزيز هيمنة الصناعات الدفاعية، بعد تدفق الاستثمارات الخليجية الضخمة لإنعاش اقتصادها. كما تريد إلهاء إيران بعد إضعاف نفوذها في العراق وسوريا، بما يسهل عليها تمرير استراتيجيتها الطموحة لربط الخليج بأوروبا عبر "طريق التنمية العراقي المار بتركيا" و"الممر الأوسط" التجاري، مستغلة تراجع القدرة الإيرانية على عرقلة هذه المشاريع.
كما تطمح إلى تقديم دورها كـ"محكّم إقليمي" وبديل أمني موثوق، إلا أنها، في الوقت عينه، تحافظ على خطوط التواصل مع طهران.
أما التحرك المصري، فيعكس حسابات استراتيجية دقيقة توازن بين طموح مصر لحماية أمنها القومي والتزاماتها المالية، وبين رغبتها في تجنب الانزلاق إلى مستنقع حرب برية مفتوحة.
وستكون المشاركة المصرية "دفاعية محددة" وداخل الحدود السعودية، وليست حرباً هجومية برية داخل الجغرافيا اليمنية المعقدة.
وهي ستساهم في تعزيز الدفاع الجوي عبر إرسال بطاريات دفاع جوي مصرية متطورة وقوات لوجستية تابعة لها، وتقديم دعم بحري وجوي مكثف في البحر الأحمر لتأمين السواحل السعودية وحماية خطوط الملاحة.
وتستبعد الأوساط العسكرية المصرية تماماً إرسال قوات مشاة أو خوض معارك برية في تضاريس اليمن الصعبة، تجنباً لتكرار تجربة الستينيات التاريخية المكلفة، والتركيز فقط على حماية أمن الحليف السعودي.
ومن أهم دوافع التدخل المصري حماية شريان الحياة الاقتصادي، أي قناة السويس وباب المندب. كذلك، ترتبط مصر بشبكة مصالح مالية ضخمة مع الرياض، فالمملكة تعد داعماً مالياً أساسياً للقاهرة عبر الاستثمارات والودائع الضخمة في البنك المركزي المصري. وأخيراً، تريد إجهاض "خطة باب المندب" الإيرانية والحفاظ على الدور الإقليمي ومكاسب الوساطة.
وتخشى القاهرة من أن يؤدي غيابها العسكري إلى ترك ترتيبات أمن البحر الأحمر بالكامل في يد قوى أخرى، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، أو أمام التمدد الاستخباري الإسرائيلي عبر "سنتكوم".
وبإثبات حضورها العسكري الدفاعي على الأرض، تعزز مصر من ثقلها السياسي، ما يتيح لها لاحقاً قيادة مسار وساطة دبلوماسية قوي، بالتنسيق مع القوى الإقليمية، لفرض حل سياسي ينهي الصراع من موقع قوة.
إن كانت تركيا ومصر تشتكيان من نفوذ إسرائيل، فهما تدخلان حرب اليمن تماماً إلى جانب إسرائيل، فكيف تبرران ذلك؟
تنطلق مصر وتركيا في تبرير مواقفهما من مبدأ استراتيجي يقوم على الفصل التام بين الدوافع الدفاعية الخاصة بأمنهما القومي، وبين الأجندة الإسرائيلية - الأميركية المباشرة.
وتدرك الدولتان تماماً هذا التناقض الظاهري، ولذلك تصوغان مبرراتهما السياسية والعسكرية أمام شعبيهما والمجتمع الدولي من خلال ثلاثة مرتكزات استراتيجية:
الأمن القومي المباشر فوق الحسابات السياسية
بالنسبة إلى مصر، المبرر الأول والأهم للقاهرة هو أن التهديد الحوثي لمضيق باب المندب يمثل خطراً وجودياً على قناة السويس. فتراجع عائدات الممر الملاحي بسبب الهجمات المستمرة يخنق الاقتصاد المصري مباشرة.
"الدفاع عن حليف عربي وسني"
تحرص كل من القاهرة وأنقرة على صياغة تدخلها تحت مسميات شرعية وعربية وإسلامية، بعيدة تماماً عن مظلة "سنتكوم" والتعاون مع إسرائيل.
مصر بررت خطوتها بالاستجابة لطلب رسمي من الحكومة اليمنية الشرعية والدفاع عن أراضي المملكة العربية السعودية.
أما تركيا، فتستند إلى "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" كإطار إسلامي وإقليمي لدعم الرياض وتزويدها بالتقنيات الدفاعية، مثل المسيّرات ومنظومات الاعتراض، لحماية المدن المقدسة والبنية التحتية، نافية أي نية للمشاركة في عمليات هجومية برية أو الانخراط في تحالفات تقودها واشنطن وتضم إسرائيل.
نظرية "الفراغ الجيوسياسي"
تتبنى الدولتان منطقاً يقول: "إذا لم نتدخل نحن، كقوى إقليمية رئيسية، مصر وتركيا، لملء الفراغ الأمني وحماية الخليج والبحر الأحمر، فإننا نترك المنطقة بالكامل لإسرائيل والولايات المتحدة لإدارتها استخبارياً وعسكرياً بشكل منفرد عبر سنتكوم".
وبناءً عليه، يرى البلدان أن وجودهما العسكري والدفاعي على الأرض يقلل من حاجة السعودية والخليج للارتماء الكامل في أحضان التنسيق الأمني مع إسرائيل، ويحافظ على "توازن القوى" لصالح القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة.
الخلاصة: البراغماتية السياسية لكل من مصر وتركيا تجعلهما تتعاملان مع حرب اليمن كملف أمن قومي واقتصادي مستقل، حيث يجري تبرير الخطوة بأنها "إنقاذ للمصالح الحيوية والدفاع عن حليف إقليمي، السعودية"، مع السعي الإعلامي والدبلوماسي للنأي بنفسيهما عن الغطاء الاستخباري الإسرائيلي الذي يعمل في التوقيت نفسه عبر قنوات القيادة المركزية الأميركية.