كيف اختُزلت انتفاضة الملايين في رواية «انقلاب»؟

إذا كانت شرعية الثلاثين من يونيو قد وُلدت من خروج المصريين دفاعًا عن دولتهم، فإن الوفاء لها يقتضي أن يبقى الشعب مصدر الشرعية ومعيارها وحدّها.

  • صناعة رواية بلا مصريين.
    صناعة رواية بلا مصريين.

في الثلاثين من يونيو، خرج المصريون ليمنعوا جماعة من امتلاك الدولة، لا ليمنحوا أي سلطة لاحقة حق امتلاكها. انتزعوا الوطن من قبضة تنظيم سعى إلى إخضاع مؤسساته لمنطق السمع والطاعة، لكنهم لم يوقّعوا، وهم يملأون الميادين، شيكًا على بياض لأحد.

تلك هي الحقيقة المزدوجة التي تعرضت للتشويه: فقد أنكرت جماعة الإخوان وحلفاؤها شرعية الثورة بمحو الشعب من مشهدها، فيما جرى أحيانًا استدعاء الثورة بعد ذلك بوصفها تفويضًا مفتوحًا يحصّن السياسات من النقد والمساءلة. وبين الإنكار والتوظيف، ضاع المعنى الأصيل للثلاثين من يونيو: شعب استردّ دولته، واحتفظ في الوقت نفسه بحقه في مراقبة من يحكمها.

ولكي تُختزل انتفاضة الملايين في كلمة «انقلاب»، كان لا بد من ارتكاب جريمة في الذاكرة: إسقاط الحشود التي ملأت شوارع مصر، ومحو عام كامل من الاستئثار والاستقطاب ومحاولة أخونة مؤسسات الدولة، ثم بدء الحكاية من الثالث من يوليو/تموز 2013، يوم أعلنت القوات المسلحة خريطة الطريق؛ كأن البلاد كانت ساكنة قبل البيان، وكأن الجيش تحرك في فراغ شعبي وسياسي.

لم يكن حذف الشعب سهوًا في قراءة التاريخ، بل شرطًا لتزويره. فالاعتراف بأن حشودًا قُدرت مصريًا بما يقرب من ثلاثين مليون مواطن خرجت مطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، يهدم من أساسها الرواية التي اختزلت المشهد في صراع بين رئيس مدني ومؤسسة عسكرية تتطلع إلى السلطة.

والحقيقة أن الجيش لم يستدعِ الشعب إلى الميادين؛ بل إن الشعب، بعدما انسدت سبل التسوية السياسية، استدعى مؤسسات دولته لتحمي إرادته. كانت الحشود هي الفعل المؤسس، وكان تدخل القوات المسلحة استجابة له، لا منشِئًا ولا بديلًا عنه. ومن هنا تستمد الثورة شرعيتها، ومن المصدر نفسه تنشأ حدودها: فالشعب الذي منحها معناها يظل صاحب الحق في السؤال والمراجعة والمحاسبة.

ثورة سبقت البيان

قبل الثلاثين من يونيو، أعلنت حملة «تمرد» جمع أكثر من اثنين وعشرين مليون توقيع تطالب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. وعندما حلّ الموعد، خرجت مصر في مشهد غير مسبوق: القاهرة والإسكندرية، ومدن القناة والدلتا والصعيد وسيناء؛ الميادين الكبرى والشوارع الجانبية، والقرى والمراكز التي تحولت إلى استفتاء شعبي مفتوح بشأن استمرار الحكم.

يمكن الاختلاف حول الرقم الدقيق؛ فالحشود الممتدة في مئات المواقع لا تُحصى كما تُحصى بطاقات الاقتراع. لكن لا يمكن إنكار أن المصريين صنعوا واحدة من أضخم موجات الاحتجاج الشعبي في العصر الحديث. لم تكن تظاهرة حزبية في ميدان واحد، بل حركة وطنية عابرة للطبقات والأقاليم والانتماءات، شارك فيها من خرج في الخامس والعشرين من يناير ومن لم يخرج، والناصري والليبرالي واليساري والمحافظ، والمسلم والمسيحي.

لم يخرج هؤلاء اعتراضًا على أداء حكومة فحسب، بل لأنهم رأوا خطرًا يهدد طبيعة الدولة ومؤسساتها. ومن هنا يظل السؤال الذي تفرّ منه رواية جماعة الإخوان هو الأكثر إدانة لها: لماذا ثار هذا العدد الهائل من المصريين على رئيس لم يمضِ على انتخابه سوى عام؟

الصندوق لا يهب الدولة

لم يعترض المصريون على حق محمد مرسي في ممارسة صلاحياته رئيسًا منتخبًا. لكن جماعة الإخوان تعاملت مع الفوز الانتخابي باعتباره تفويضًا مفتوحًا لإعادة تشكيل الدولة، لا تفويضًا محدودًا لإدارتها وفق الدستور والقانون.

وجاء الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 كاشفًا لهذا التصور. حُصّنت قرارات الرئيس من الطعن، ووُضعت السلطة التنفيذية فوق الرقابة القضائية، وانفجرت أزمة مع القضاء والقوى السياسية، بعدما تحولت الشرعية الانتخابية من أساس للحكم إلى حصانة من المساءلة.

الجماعة التي عبرت إلى السلطة من بوابة الاقتراع بدأت تستخدم الصندوق لإغلاق المجال السياسي من خلفها. فالديمقراطية، في ممارستها، لم تعد نظامًا لتوازن السلطات وتداول الحكم، بل لحظة انتخابية تمنح الفائز حق الاستحواذ على بقية المؤسسات.

لكن الانتخابات تمنح حق الحكم، ولا تمنح ملكية الدولة. والشرعية لا تستقر في ورقة اقتراع ثم تنفصل عن المجتمع، بل تتجدد باحترام الدستور، واستقلال القضاء، وصون الحريات، والاعتراف بحق المعارضة. أما تحويل أغلبية مؤقتة إلى سلطة مطلقة، فليس دفاعًا عن الديمقراطية، بل هو اغتيال لمضمونها بأدواتها.

من إدارة الدولة إلى تمكين التنظيم

خلال عام الحكم، لم تتصرف الجماعة باعتبارها قوة سياسية جاءت لإدارة دولة متنوعة، بل باعتبارها تنظيمًا بلغ لحظة «التمكين». وبدل أن تتسع مؤسسة الرئاسة للمجتمع، ضاقت دوائر القرار، فيما بدا مكتب الإرشاد حاضرًا خلف مؤسسات الحكم وأشد منها تأثيرًا.

وتجلّى مسار الأخونة في الدفع بعناصر الجماعة والمقربين منها إلى مواقع تنفيذية وإدارية؛ ففي حركة المحافظين التي سبقت الثورة بأسابيع، كان سبعة من سبعة عشر محافظًا جديدًا منتمين إلى الجماعة، بينهم عضو في مكتب الإرشاد.

لم تكن المشكلة في انتماء مسؤول إلى حزب سياسي، بل في إحلال الولاء التنظيمي محل الكفاءة، ومد بنية الجماعة إلى مفاصل دولة يفترض أن تعمل لمصلحة جميع مواطنيها. فهناك فارق بين حزب يحكم من خلال الدولة، وتنظيم يسعى إلى جعل الدولة تعمل من خلاله؛ الأول يحتكم إلى القانون، أما الثاني فيحمل إلى الإدارة منطق السمع والطاعة، ويقدم أهل الثقة على أهل الخبرة.

لهذا اكتسبت عبارة «الأهل والعشيرة» معناها السياسي. لم تكن تشير إلى قرابة الدم، بل إلى عائلة تنظيمية مغلقة تتقدم رابطة الولاء لها على رابطة المواطنة. وشعر المصريون بأن دولة راكمت مؤسساتها عبر تاريخ طويل يُراد اختصارها في مشروع جماعة عابرة للحدود، ترى الوطن ساحة لحركتها، لا المرجعية العليا لانتمائها.

كانت الثلاثون من يونيو، بهذا المعنى، مواجهة بين الدولة الوطنية والتنظيم؛ بين وطن يتسع لمواطنيه، وجماعة تقسم المجتمع إلى أعضاء وأنصار وخصوم.

الجيش: استجابة للإرادة لا صناعة لها

من أكثر دعاوى التشويه تناقضًا الزعم بأن المؤسسة العسكرية تحركت عام 2013 لإجهاض المسار الذي بدأ في يناير/كانون الثاني 2011. فهذه المؤسسة أعلنت خلال ثورة يناير تأييد مطالب الشعب المشروعة، وأدارت مرحلة انتقالية انتهت بانتخابات وبتسليم السلطة إلى محمد مرسي نفسه.

لو كانت القوات المسلحة تعادي وصول الجماعة إلى الحكم، لما سلّمتها السلطة. ولو كانت تريد الحكم لنفسها، لما جاءت خريطة الطريق برئيس مدني مؤقت، وحكومة مدنية، وتعديل للدستور، ثم انتخابات رئاسية ونيابية.

لا يعني ذلك إنكار الوزن الحاسم للمؤسسة العسكرية. لكنها لم تجمع توقيعات «تمرد»، ولم تملأ الميادين، ولم تخلق الغضب. تدخلت بعدما وصلت الأزمة إلى حافة صدام يهدد تماسك الدولة والمجتمع، وبعدما منحت القوى السياسية مهلة للتوافق.

كان دور الجيش دعم الإرادة الشعبية وحمايتها، لا صناعتها أو الحلول محلها؛ كما انحاز في يناير إلى مطالب المصريين عندما أدرك أن حماية الدولة لا تعني حماية رأس السلطة من شعبه.

صناعة رواية بلا مصريين

بعد سقوط حكم الجماعة، انتقلت المعركة إلى فضاء إعلامي وسياسي عابر للحدود. أعادت منصات ومراكز وشبكات ضغط إنتاج روايته بلغات متعددة، وقدّمته ضحية، لا سلطة ثار عليها شعبها.

قامت هذه الصناعة على حذف الأسباب والإبقاء على النتيجة: تجاهلت الإعلان الدستوري، وأزمة القضاء، وأخونة المؤسسات، والاستقطاب الذي شق المجتمع، ثم بدأت الحكاية من لحظة تدخل القوات المسلحة.

هكذا تحولت مقاومة احتكار الدولة إلى عداء للديمقراطية، والجماعة من سلطة استأثرت وأخفقت إلى ضحية لم تُمنح فرصة الحكم. أما المصريون الذين خرجوا ضدها، فجرى تصويرهم حشودًا مصطنعة، أو جمهورًا مضللًا، أو أداة في يد الجيش؛ لأن الإقرار بوعي الشعب وإرادته كان يعني انهيار الرواية كلها.

ولم تكن القاعدة وداعش فرعين تنظيميًا من جماعة الإخوان، لكن الأدبيات القطبية أسهمت في بناء المعجم الفكري الذي استندت إليه جماعات أشد عنفًا: الحاكمية، وتجهيل المجتمع، والطليعة المؤمنة، ونزع الشرعية عن الدولة الوطنية. تختلف الهياكل والوسائل، لكن يبقى نسب فكري لا يجوز حجبه: احتكار الحقيقة الدينية، ثم تحويله إلى حق في الوصاية على المجتمع والدولة.

الثورة ليست شيكًا على بياض

غير أن الدفاع عن شرعية الثلاثين من يونيو يفقد معناه إذا تحول إلى تقديس لكل ما أعقبها. فالثورة لم تكن تفويضًا أبديًا لأي سلطة، ولا صكًا يعفي السياسات اللاحقة من المساءلة، ولا ذريعة لإغلاق المجال العام باسم حماية الدولة.

خرج المصريون لإنقاذ الدولة من قبضة تنظيم، لكن الدولة لا تُصان فقط من الجماعات المغلقة؛ تُصان كذلك بالقانون والعدالة، وحرية المجال العام، وكفاءة المؤسسات، وحق المواطن في المشاركة والنقد. ولم تكن استعادة الدولة من مشروع الجماعة غاية نهائية، بل شرطًا لإعادة بنائها على أسس أكثر صلابة وعدلًا واتساعًا.

ومن حق المصريين أن يسألوا عما تحقق من مطالبهم في الكرامة والعدالة الاجتماعية والحرية والتنمية. فالذين ملأوا الميادين لم يخرجوا من وصاية تنظيم ليستبدلوها بوصاية أخرى.

الثورة، في معناها الأعمق، ليست انتقالًا من احتكار إلى احتكار، بل استعادة مستمرة لحق المجتمع في اختيار السلطة ومراقبتها وتقويمها. ولهذا فإن نقد مسارات ما بعد الثلاثين من يونيو لا ينتقص من الثورة، بل يحمي معناها من التحول إلى لافتة لتحصين السياسات من المراجعة.

وثمة فارق بين نقد ما بعد الثورة وإنكارها. يمكن الاختلاف حول السياسات ومساءلة المسؤولين؛ لكن لا يجوز اختراع تاريخ بديل يمحو الملايين التي خرجت، أو قلب التسلسل الزمني بحيث تبدو الحشود استجابة للجيش، بينما كان الجيش هو المستجيب للحشود.

لم تكن الثلاثون من يونيو ثورة على الدين، بل على استخدامه للاستحواذ على الدولة. ولم تكن رفضًا للديمقراطية، بل رفضًا لتحويل الانتخابات إلى تفويض بالهيمنة. ولم يصنعها الجيش، بل صنعها شعب أدرك أن وطنه يُدفع من دولة لجميع مواطنيها إلى دولة في قبضة تنظيم.

وإذا كانت شرعية الثلاثين من يونيو قد وُلدت من خروج المصريين دفاعًا عن دولتهم، فإن الوفاء لها يقتضي أن يبقى الشعب مصدر الشرعية ومعيارها وحدّها؛ لا صورة تُستدعى في المناسبات، ولا ختمًا يوضع على كل سياسة تالية.

فمن أسقط مشروع امتلاك الجماعة للدولة لم يفوّض سلطة أخرى بامتلاكها، ومن استردّ وطنه لم يوقّع شيكًا على بياض. خرج المصريون رافعين علم مصر، لا راية تنظيم، ليقولوا إن الدولة لا تكون قوية بإسكات شعبها، بل بحريته ووعيه ومشاركته؛ وإن الثورة التي أعادت الوطن إلى أهله لا تكتمل إلا بدولة تظل جديرة بهم.