قراءة في "الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب 2026" وأبعادها في أفريقيا
تكشف "الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب 2026" أن أفريقيا لم تعد تمثل أولوية سياسية أو أخلاقية أو التزاماً طويل الأمد في الرؤية الأميركية بقدر ما أصبحت فضاءً لإدارة التهديدات.
-
الإرهاب في أفريقيا والتصور الأميركي.
أعادت "الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب لعام 2026"، التي أصدرها البيت الأبيض في أيار/مايو الجاري، طرح تساؤلات واسعة حول طبيعة الانخراط الأميركي في أفريقيا، وحدود التزام واشنطن تجاه قضايا الأمن والاستقرار في القارة، خاصة في ظل سياسة إدارة دونالد ترامب القائمة على مبدأ "أميركا أولًا" وما يحمله من نزعة انتقائية.
وتأتي هذه الاستراتيجية امتداداً لنهج ظهر بوضوح في "وثيقة الأمن القومي" لعام 2025 و"وثيقة الدفاع الوطني" لعام 2026، اللتين كرستا بالفعل تراجع مكانة أفريقيا في أولويات السياسة الأميركية في ضوء إعادة مراجعة السياسة الأميركية بشكل جذري تجاه القارة بشكل عام، والتعامل معها أساساً باعتبارها ساحة تهديدات محتملة أو قائمة أو ساحة لمنافسة جيوسياسية، لا شريكاً متكافئاً في النظام الدولي المتداعي القائم حالياً.
أفريقيا في منظور إدارة ترامب
تعكس الوثائق الاستراتيجية الأميركية الأخيرة مقاربة انتقائية تجاه القارة، إذ ستقوم على التعاون الثنائي مع "شركاء مختارين" وفقاً لمقتضيات الأمن القومي الأميركي، وليس انطلاقاً من رؤية شاملة للاستقرار والتنمية في أفريقيا.
ويبرز التحول في الموقف الأميركي من إريتريا مثالاً واضحاً على هذه البراغماتية؛ فالدولة التي لطالما وُصفت غربياً بأنها "كوريا الشمالية أفريقيا" ويحكمها نظام ديكتاتوري وحشي وأسوأ نموذج لحكم الفرد في العالم، قد تصبح اليوم شريكاً محتملاً بسبب موقعها الجيوسياسي المطل على البحر الأحمر وباب المندب، في ظل تصاعد أهمية أمن الممرات البحرية بعد حرب الخليج الأخيرة واحتمالات تجدد الحرب مع إيران مرة أخرى ولا سيما في حال فشلت الجهود التي تبذلها حالياً باكستان إلى جانب أطراف أخرى من أجل التوصل إلى تسوية للحرب الأميركية - الإسرائيلية.
وتشير تحركات إدارة ترامب إلى مخاوف متزايدة من مؤشرات على احتمالات تزايد التعاون بين "الحوثيين" في اليمن وحركة الشباب المجاهدين في الصومال ما يهدد أمن منطقة البحر الأحمر، وهو ما يفسر انفتاح إدارة ترامب على أسمرا مؤخراً، ضمن ترتيبات أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في حوض البحر الأحمر، بالتوازي أيضاً مع التحولات التي أعقبت الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" في أواخر كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
الإرهاب في أفريقيا والتصور الأميركي
لا خلاف على أن "الإرهاب" بات أحد أخطر التحديات التي تواجه القارة الأفريقية. ووفقاً لـ "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة" (ACLED) مؤخراً، فإن "الجهاد العالمي يهدد أفريقيا أكثر من أي منطقة أخرى في العالم".
وتقر الاستراتيجية الأميركية الأحدث لمكافحة الإرهاب بهذا الواقع، مشيرة إلى أن أجزاء واسعة من أفريقيا أصبحت تمثل "حقيقة إرهابية متجددة"، مع تنامي نشاط تنظيمي "داعش" و"القاعدة".
ولكن، تبدو القراءة الأميركية الواردة في هذه الاستراتيجية تبسيطية أحياناً، خاصة في تفسير استمرار صمود حركة الشباب في الصومال باعتباره فقط مرتبطاً بالبنية العشائرية الصومالية، مع تجاهل عوامل أكثر تعقيداً، مثل ضعف الدولة، وفشل مشاريع إعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار السياسي، والتدخلات الخارجية، وقدرة الحركة على بناء شبكات اقتصادية وإدارية موازية، فضلاً عن شبكات إقليمية فعالة إلى حد كبير على صعيد تجنيد العناصر وتوفير الموارد المالية.
إن المخاوف بشأن سياسات الإرهاب المتبعة من قبل إدارة ترامب ليست فقط في قصور وعدم اتساق هذه السياسات أو انتقائيتها، بل من توظيف سياسات مكافحة الإرهاب لتحقيق أجندات ضيقة وتجاوز القوانين الدولية بشأن تعريف الإرهاب والأفعال الإرهابية. وتأكيداً لهذه المخاوف المتزايدة من "تسييس" مقاربات مكافحة الإرهاب، إدراج السودان - الذي يشهد منذ نيسان/أبريل 2023 حرباً بين القوات المسلحة وميليشيا الدعم السريع المدعومة من أطراف خارجية - ضمن "أجزاء من أفريقيا حيث يمثل التهديد الإرهابي حقيقة واقعة"، إلى جانب غرب أفريقيا ومنطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد وموزمبيق.
عطفاً على ذلك، فإن هذا التصنيف لا يبدو توصيفاً أمنياً محايداً تسنده القوانين والتشريعات الدولية ذات الصلة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن إمكان توظيفه لاحقاً لتبرير إجراءات سياسية أو عقابية تحت ذرائع مكافحة الإرهاب، تتجاوز الاعتبارات الموضوعية، خاصة في ظل تعقيدات الصراع السوداني وتشابك المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة به.
"البصمة الخفيفة" ونقل العبء إلى الأفارقة
تكشف وثيقة الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب بوضوح أن إدارة ترامب لا تنوي الانخراط عسكرياً بصورة واسعة أو طويلة الأمد في أفريقيا. فهي تتحدث عن "بصمة عسكرية خفيفة"، مع مطالبة الشركاء الإقليميين ("المُختارين") بتحمل الجزء الأكبر من أعباء مكافحة الإرهاب.
وتنص الوثيقة صراحة على أن الولايات المتحدة تتوقع من شركائها "تبادل المعلومات الاستخبارية الفعالة، والتعامل مع التهديدات المشتركة عند ظهورها"، وهو ما يعكس توجهاً يقوم على إدارة التهديدات بأقل تكلفة أميركية ممكنة، من دون جرّها للتورط في التزامات طويلة الأمد أو تكاليف عالية تتحملها.
وبذلك، تبدو واشنطن معنية أساسًا بمنع الجماعات الإرهابية من استخدام أفريقيا كقاعدة لتهديد الأراضي الأميركية بالدرجة الأولى، بينما تُترك التهديدات التي تواجه المجتمعات الأفريقية نفسها للدول المحلية، مهما كانت هشاشتها وضعف قدراتها وطبيعة التحديات والتهديدات التي تواجهها، ولا سيما إذا ما كان بعض هذه الدول غير ذات أهمية بالنسبة للمصالح الأميركية، كما تعرّفها الإدارة الحالية.
من مكافحة الإرهاب إلى حماية المسيحيين
أحد أبرز التحولات اللافتة في الاستراتيجية الجديدة هو الربط بين مكافحة الإرهاب وحماية المسيحيين، خاصة في نيجيريا. ركز ترامب مؤخراً بصورة متزايدة على ما يصفه بـ"استهداف المسيحيين" من قبل الجماعات الجهادية، رغم أن تهديد الجماعات الجهادية يطال مختلف مكونات المجتمع النيجيري، مسلمين ومسيحيين على حد سواء.
وفي ضوء سعي الإدارة الأميركية الحالية للسيطرة على الموارد، يُنظر إلى هذا الخطاب بوصفه محاولة لبناء سردية تبرر تدخلات تخدم مصالح ضيقة لخدمة أهداف اقتصادية وجيوسياسية أوسع، ولا سيما أن نيجيريا تُعد من أكبر منتجي النفط في أفريقيا والعالم، بما يفتح المجال أمام مخاوف من إعادة إنتاج نموذج التدخل والضغط الذي شهدته دول أخرى غنية بالموارد مثل فنزويلا.
ويبدو واضحاً أن إدارة ترامب توظف أيضاً شبكات اللوبيات وشركات الضغط في توجيه سياساتها تجاه نيجيريا. إذ تستند هذه التحركات إلى جماعات ضغط نيجيرية راكمت نفوذاً وخبرة داخل دوائر صنع القرار في واشنطن مثل جماعات المناصرة المرتبطة بقضية دلتا النيجر ذات الطابع المطلبي المرتبط بالعدالة البيئية والتنمية، إلى جانب تيارات حركة استقلال بيافرا التي تركز على سرديات الاضطهاد الديني والعرقي ضد شعب الإيبو في جنوب شرق نيجيريا، فضلاً عن نفوذ تيارات "المسيحية الصهيونية السوداء" داخل بعض شبكات الضغط المرتبطة بمسألة "الإيبو" في نيجيريا.
"السلام بالقوة" أم صناعة سلام زائف؟
ورغم تبنّي إدارة ترامب خطاباً يقوم على تحقيق شعار "السلام من خلال القوة"، تشير التجارب الأخيرة إلى أن هذا النهج - كما اتضح في العديد من الحالات - يركز في الواقع على تأجيج الصراعات والأزمات لا إرساء السلام، كما أنه يرتكز على إنتاج تفاهمات سياسية هشة ومتعجلة أو "سلام على الورق" من دون معالجة جذور الأزمات التي تنخرط فيها حالياً، إذ يتركز الاهتمام الأميركي بصورة أكبر على ملفات مرتبطة بالمعادن والموارد والممرات الاقتصادية.
ويبرز ذلك في ملفات مثل الكونغو الديمقراطية (حيث وصفت الاستراتيجية ما تحقق بأنه "اتفاق سلام تاريخي!") وليبيا، حيث تركز التحركات الأميركية على إدارة التوازنات وتحقيق مصالح استراتيجية خاصة بها وبحلفائها، أكثر من تركيزها على بناء تسويات مستقرة ومستدامة.
بالمثل، وفي السودان، ورغم الكارثة الإنسانية المتفاقمة والتي توصف بأنها "أكبر أزمة لجوء ونزوح في العالم" و"أكبر أزمة إنسانية في العالم"، بدا الانخراط الأميركي محدوداً ومتردداً حيث ارتبط هذا الانخراط بمستشار الرئيس الأميركي للشرق الأوسط وأفريقيا وهو شخصية تبدو "منبوذة" داخل أروقة صناعة القرار في واشنطن وهو أكثر ميلاً للتماهي مع مصالح بعض الأطراف الإقليمية، وليس مبدأ إنهاء هذه الصراعات باعتباره هدفاً جوهرياً.
مكافحة الإرهاب والمخدرات
وسّعت الاستراتيجية مفهوم التهديد ليشمل شبكات المخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود، باعتبارها مصدر تمويل للجماعات الإرهابية. غير أن هذا الربط يثير مخاوف من توظيف تصنيفات الإرهاب واتهامات تهريب المخدرات كأدوات ضغط سياسي ضد خصوم واشنطن أو الحكومات غير المنسجمة مع سياساتها أو النسج على منوال أجندات دول حليفة للولايات المتحدة تجاه بعض الدول.
وتبدو هذه المخاوف حاضرة بوضوح في بعض السرديات المضللة والمتداولة مؤخراً حول طبيعة الصراع في السودان، حيث يجري الحديث مؤخراً عن تحول البلاد إلى مركز لإنتاج الكبتاغون، رغم أن واقع الحرب والانهيار المؤسسي وانتشار المليشيات والشبكات الإجرامية والجريمة المنظمة يمثلان السياق الحقيقي لهذه الظواهر، والتي تورطت بالتسبب فيها بشكل مباشر أطراف إقليمية حليفة لواشنطن لذا تغض الطرف عن هذه القوى بينما تسعى لابتزاز طراف أضعف لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة لها أو لهذه الأطراف.
وبناءً على ما سبق، وكما في حالة السودان قد يجري توظيف الربط بين مكافحة الإرهاب ومكافحة المخدرات بوصفه أداة ضغط سياسية وأمنية لخدمة مصالح هذه الأطراف، أو لتبرير الضغوط والعقوبات والتدخلات في بعض الدول والمناطق، بما يخدم أهدافاً جيوسياسية واقتصادية تتجاوز الاعتبارات الأمنية المعلنة.
فضاء لإدارة التهديدات
مرة أخرى، تكشف "الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب 2026" أن أفريقيا لم تعد تمثل أولوية سياسية أو أخلاقية أو التزاماً طويل الأمد في الرؤية الأميركية بقدر ما أصبحت فضاءً لإدارة التهديدات والتنافس وحماية مصالح ضيقة وتجاوز الأطر المؤسسية والثنائية الراسخة للشراكات مع الأطراف داخل القارة التي ترسّخت على مدى عقود.
إجمالاً، وفي ظل تصاعد المنافسة الدولية، وتراجع الالتزام الأميركي التقليدي تجاه القارة، تبدو أفريقيا مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها مكافحة الإرهاب مع صراعات النفوذ بين القوى الخارجية، كما تغدو فيها اعتبارات التنافس الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية بين أطراف عديدة هي المحدد الأساسي لطبيعة الانخراط الخارجي.