في الظّل والعلن: الموساد والحرب المخفية التي تهدد حدود العراق واستقرار الخليج
يجب على العراق ومنظومته السياسية وفعالياته الشعبية والنخبوية؛ اتخاذ الحيطة والحذر مما يحدث الآن، لأنّه ليس درساً في العلاقات الدولية؛ إنّه امتحان وجودي، ونيران متقاطعة من جميع الاتجاهات.
-
الشعب العراقي والدولة: فجوة لا تتسع بل تنفجر.
إنّ الشيطان لايكمُن في التفصيلات وحسب؛ بل في احتلال ناعم يرتدي زي الاستخبارات، شيطان مافتئ يخلط الأوراق ليحرق أخضر البلاد بسواد التصعيد والحرب المباشرة بين المسلمين. فمن مصلحة مَن خلق حدود مُشتعلة بين العراق والسعودية وإيران؟ حتماً إنّه الشيطان الأكبر "إسرائيل" ومن ورائها إدارة ترامب.
فقبل أسابيع قليلة من الضربة التي استهدفت خط أنابيب شرق-غرب السعودي، كانت هناك تقارير رسمية من الحكومة العراقية، تتحدث عن اكتشاف قواعد عسكرية "غريبة" على الأراضي العراقية.
قواعد تعمل بسرية مُطبقة، وبسرعة استثنائية، وبموارد لا يملكها أيّ من دول الجوار العراقي، وعلى الرغم من أنّ الصيغة الرسمية لبيان الحكومة العراقية لم تُسمها صراحة، لكن السياق كان واضحاً بقدر البرق إنّه الموساد الإسرائيلي، وليس بالضرورة أن يكون بشخوصه؛ بل من خلال خلايا محلية أو مهجّنة، ولكم في ما حصل من اختراق نفذه الموساد في إيران إبّان حرب 12 يوماً عبرة يا أولي القرار.
ليس هذا تخمين، وليس هذا سياق سياسي غامض؛ إنما هذه حقيقة عسكرية واستخبارية، قالتها الحكومة العراقية بملء التورية البلاغية، وسمعتها الأجهزة الأمنية الإقليمية والدولية، أنّ الموساد على الأراضي العراقية يعمل في الخفاء ويتحرك من قواعد محددة جغرافيّاً ويُنفذ عملياته من خلالها.
ولعلّ الضربة على البترولاين السعودي إحدى فعائل الموساد، الذي مازال يسرح ويمرح في جغرافيا دول المنطقة، ومنها العراق الذي جعله مُنطلقاً لاستهداف ذلك الخط الاستراتيجي الذي ينقل يومياً نحو سبعة ملايين برميل من النفط الخام، من حقول بقيق الشرقية إلى سواحل البحر الأحمر الغربية.
هذا الخط ليس مجرد أنبوب نقل اعتيادي؛ بل هو شريان طاقة حيوي لاقتصاد السعودية التي تعتمد عليه بشكل شبه كامل، لذا فإن استهدافه بدقة عسكرية عالية لم يكن عشوائياً، إنّما كان رسالة موجّهة بدقّة الجرّاح.
ففي البداية، حاولت السعودية أنْ تُلقي باللائمة على اليمن وأنصار الله، لكن المعلومات الأميركية التي أعقبت الحادثة والتقديرات الاستخبارية الإقليمية، والتحليلات الفنية للعملية، كلها أشارت إلى اتجاه واحد؛ وهو أنّ الأراضي العراقية كانت نقطة الإطلاق.
ومن نقطة الخطر هذه تنطلق التساؤلات العراقية وليس الصواريخ: من الذي يُطلق الصواريخ من العراق على السعودية؟ من الذي لديه القدرة، الإرادة، والمصلحة في فتح جبهة جديدة بين العراق والسعودية؟
ستكون الإجابة وإن بدت غير مستندة الى تصريح رسمي، إنها "إسرائيل"؛ التي تريد حرباً إقليمية شاملة تُشعل الجغرافيا العربية، التي رفضت الدخول المباشر في الحرب ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
الموساد والاستراتيجية الخفية:
إنّ المستفيدين الوحيدين من إشعال الحريق من بعيد هما الولايات المتحدة و"إسرائيل"، لأنهما لا يستفيدان من الاستقرار في الخليج.
لأن استقرار الخليج يعني: إيران في موقع النصر الاستراتيجي، السعودية ستتقوى بإيران والصين وروسيا، تركيا ستكون داخل الدائرة الأميركية من دون إفادة "إسرائيل"، والعراق سيستعيد دوره الجيوسياسي في المنطقة ويكون بوابة الاستقرار لسوريا ولبنان، وبهذا لن تتمكن إدارة نتنياهو من تحقيق أهدافها الاستراتيجية في منطقة مستقرة.
ولكن؛ إذا كانت ضمن حرب إقليمية شاملة، فالقصة مختلفة تماماً؛ فيها تتبخر الحدود، يُعاد رسم الخرائط، تُصبح الأراضي الضعيفة -مثل العراق، سوريا- لبنان- ساحات معارك بدلاً من أن تكون دولاً.
إذاً، كيف تُشعل "إسرائيل" هذه الحرب؟ الإجابة والحل ليسا مُعقّدين.
تحتاج فقط إلى ثلاثة أشياء:
الأول: قاعدة انطلاق.
الأراضي العراقية توفر هذا المطلب بوجود الموساد، وهذا يعني أن لديهم تجهيزات، قوة عسكرية، وقدرة على إطلاق العمليات من دون أن يكون هناك عراقي واحد على علم بما يحدث فعلاً.
الثاني: سبب للضربة.
استهداف البترولاين السعودي يوفر فجوة وبخاصة إنّ السعودية -التي استثمرت عقوداً من الزمن مع الولايات المتحدة- تشعر بالخيانة ولا ستار أميركياً واقياً، لا حماية، ولا تنبيه مسبقاً، وبالتالي فإن الحليف "الموثوق" لم يُعلق حتى على ضربة بهذا الحجم.
الثالث: التبرير.
في هذا الوقت الحساس الذي تعيشه المنطقة والإقليم تجد السعودية نفسها أمام خيارات مؤلمة.
-إما أن ترد على العراق بقوة عسكرية مباشرة، وبذلك تدخل في نزاع محفوف بالمخاطر.
-أو أنّها تبحث عن حلّ سياسي يُخرجها من الحصار الذي وجدت نفسها فيه.
وفي كلتا الحالتين، المستفيد الحقيقي هو "إسرائيل".
العراق في قلب الفخ: تحذير جاد لحكومة لا تملك خيارات المناورة
إنّ حكومة السيد علي الزيدي تجد نفسها في موقف يُشبه الاقتران مع جهنم.
من جهة: هناك إيران -دولة جارة، لها علاقات عميقة مع العراق، ولها تنسيق عسكري معه، ومشتركات الجغرافيا والمصالح المشتركة فضلاً عن سلاسل التوريد اليومية.
من جهة ثانية: هناك السعودية والولايات المتحدة اللتان لا تزالان تتوقعان موقفاً موالياً من بغداد، غير البيان الرسمي الذي صدر حكومياً.
من جهة ثالثة: هناك "إسرائيل" التي تستخدم أراضي العراق كحقل تدريب متقدم لعملياتها الإقليمية.
لكنّ الخطأ الذي وقع في فخّه السيد الزيدي؛ هو أنّه اتخذ موقفاً متسرعاً في غلق الحدود، وكأنها الإشارة إلى مواجهة مع إيران، وهذا موقف يحتاج إلى دراسة عميقة جداً، والسعودية بمقدرتها التي تفوق العراق بأضعاف نأت بنفسها عن ذلك. فكيف بالعراق؟
لماذا؟
لأن المواجهة مع إيران على حساب المشروع الأميركي- الإسرائيلي ليست مجرد مواجهة سياسية؛ إنّه قرار قد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها، قد تضع العراق في قلب نزاع أكبر كثيراً من قدرته على السيطرة عليه، لتتحوّل بغداد من حكومة تتحكم في شؤونها الداخلية والخارجية إلى طرف في حرب إقليمية لم تختَرها، ولم تُرد في الأساس أن تكون فيها.
والتاريخ يُعلمنا أن الدول الضعيفة -والعراق على الرغم من إرادته السيادية وشعبه الأبي وقواته المسلحة؛ ما يزال يعاني من ضعف هيكلي عميق ويجب أن نعترف بذلك- تُدفع دائماً نحو صراعات تفوقها بكثير، وحين تجد نفسها في قلب حرب، فإنها لا تملك القوة لتحديد مسارها، وعندئذ يأتي دور القوى الخارجية لتتحكم بها.
وهذا هو الخطر الحقيقي، إذ إنّ الحرب ليس خطيرة بذاتها؛ بل في أن تكون الحرب مفروضة عليك من الآخرين.
السياق الإقليمي للقصف
إنّ الجمهورية الإسلامية ليس من مصلحتها ذلك، نعم السعودية اشتركت في قصفها، لكن طهران تعتمد على الرياض في عمقها الخليجي الوازن، وبخاصة إنّ وزير الخارجية الإيراني السيد عباس عراقتشي كان يُجري محادثات هاتفية هادئة مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان قبل ساعات من الضربة على البترولاين، وهذا نمط لا يتطابق مع سلوك دول تريد تصعيداً عسكرياً، والدبلوماسية الإيرانية لا تعمل بهذا التناقض.
السعودية نفسها؟
هنا يُصبح الحديث أعمق بكثير، فهناك تسريبات قريبة من أجهزة استخبارات غربية رفيعة المستوى، تفيد أن السعوديين بدأوا يُعيدون حساباتهم الجيوسياسية بشكل جذري.
فالسعودية التي استثمرت عقوداً من الزمن في التحالف الأميركي، واستضافت قواعده العسكرية ووقفت مع واشنطن في حروب لم تكن حروب الرياض؛ كانت تتوقع مظلة وحماية أميركية من أي هجوم!.
لكن تلك المظلة بدأت تتسرب.
إذ إنّ أميركا لم تنبّه السعودية قبل الحرب على إيران، أميركا لم تستطع حماية الأجواء السعودية من جميع الهجمات الإيرانية، وأميركا حتى الآن لم تُحدد من قام بضربة البترولاين على الرغم من قدراتها وذكائها الاستخباري -فهل هذا معقول- أليس غريباً؟.
من هنا، بدأت السعودية تُصدق الحقيقة المُرعبة؛ أنّ الحليف الأميركي يُفضل "إسرائيل" ويصرّح بذلك علناً ويعدّ الآخرين، ومنهم (السعودية والخليج) مجرد أدوات.
هذا الإدراك قد يُغيّر مسار الصراع الدائر في الإقليم، قد تبدأ السعودية البحث عن محاور بديلة، قد تقترب من إيران بشكل أكبر، قد تعتمد على الصين و روسيا في تقليم الأظفار الأميركية، وإذا حدث ذلك؛ فسيكون تحوّلاً جيوسياسياً هائلاً -لكنني لا أراه قريباً لأن الخليج -إن حصل ذلك- سيشهد انقلابات عائلية وشعبية مرعبة تشبه الإبادة، صراعاً على العروش.
الشعب العراقي والدولة: فجوة لا تتسع بل تنفجر
وفي الوقت الذي تتحرك فيه هذه الحسابات الكبرى على رقعة الشطرنج الإقليمية، نتساءل أين يقف الشعب العراقي؟
إنّ الشعب العراقي يعاني أزمات مركّبة لا تحتاج إلى مراجع دبلوماسية أو تقارير استخبارات لتعرف ذلك. موظفوه منشغلون بالرواتب، أسعار الغذاء ترتفع بسرعة خطيرة، طوابير البنزين أمست مشهداً مألوفاً وأرجعتنا إلى أيام "الزوجي والفردي" -خطة تعتمد أرقام السيارات في حصة التزود للمواطن-، الكهرباء أشبه بإشارة المرور، المستشفيات تفتقر إلى الأدوية الأساسية وجولات الوزير الجديد كشفت عورة الفساد المتجذر بمفصلات هذه المؤسسة السيادية، التعليم والمدارس والجامعات تتداعى، والحكومة بدلاً من أن تركز على هذه الأزمات الحقيقية التي تقتل الناس كل يوم؛ تجد نفسها منجرفة نحو نزاعات إقليمية قد لا تنتهي إلا ببحر من الدماء والجوع، فكيف سيكون شكل العراق ودوره؟. الله الستار.
التحذير الأخير: حرب لم تختَرها قد تكون أنت ثمنها
المطلوب الآن من حكومة بغداد وما يُسمّى بتحالف إدارة الدولة؛ هو حكمة القرار و رجاحة التنفيذ، وليس استعراضاً عسكرياً أو انفعالاً غير محسوب أو تسرّعاً في اتخاذ القرارات من دون دراسة عميقة، كما حصل في غلق الحدود مع إيران.
نعيد ونكرر؛ إنّ المطلوب هو فهم عميق للعبة الإسرائيلية التي تستخدم أراضينا كمنصة إطلاق لخدمة مشروعها في المنطقة، ولا يغيب عن القارئ العزيز أنْ يربط جميع ما يجري حالياً من أزمات مُفتعلة داخل العراق تتعلق بقوت الشعب ومصالحه العامة؛ مع توقيت إنهاء وجود التحالف الدولي في العراق، فضلاً عن إرباك مشهده السياسي وإشغاله في صراعات مع الجيران.
لذا أقول؛ يجب على العراق ومنظومته السياسية وفعالياته الشعبية والنخبوية؛ اتخاذ الحيطة والحذر مما يحدث الآن، لأنّه ليس درساً في العلاقات الدولية؛ إنّه امتحان وجودي، ونيران متقاطعة من جميع الاتجاهات، فالحكمة تقتضي الاعتبار من التجارب السابقة في اختيار القرار الصائب بعد قراءة الأبعاد الحقيقية للاعبين، قبل أنْ تُلقى جميع أوراقنا على طاولة الشرق الأوسط الجديد، ولات حين مناص.