فاطمة فتوني… من الصف الأمامي إلى الأبد
من اليوم، لن تكون طرقات الجنوب ووديانُه كما كانت معكِ يا فاطمة. بعدكِ، لن يكون الخبر كما كان، ولن نقلق على صحّتكِ كما فعلنا دائماً. وداعاً يا عزيزة، يا ابنة الأرض والضوء والأقحوان. سنبكيكِ كثيراً الآن، وسنكمل الرسالة بعد قليل.
-
العدو الإسرائيلي قتل فاطمة، قتلها وكان قادراً على الاصطفاء هذه المرة.
ليس بالأمر اليسير الكتابة عن استشهاد زميلة وصديقة ورفيقة درب ورسالة. لم نختبر الفقد للمرة الأولى هنا في الميادين، وقد لا تكون الأخيرة. طالما أننا اخترتا طريق الحق، فإن أثمانه باهظة في عالم يحترف التضليل ويعيب على الشعوب فعل المقاومة.
العزيزة فاطمة فتوني، صحافية لبنانية؟ يا لبساطة التعريف، لم تكتفِ بهذا اللقب، بدأت منه، ثم تجاوزته إلى تعريف أعلى وأسمى، مقاومة من الدرجة الأولى، تنطلق إلى الخطوط الأمامية، في مقدمة الجبهات دائماً، إلى جانب المجاهدين الذين يعلمون أن طرق الوصول إلى الجنوب معروفة، لكن طرق العودة قد تسلك مساراً مختلفاً.
لم تكتب عن المشهد من بعيد. دخلت إلى الميدان، رصدت الدبابات التي دمرتها المقاومة، رصدت تحركات "جيش" العدو على أطراف الحدود، عاينت الصواريخ التي أطلقها المجاهدون.
"لا حياد" كلمتها الشهيرة، لذلك دخلت الصورة، وكانت جزءاً منها. وقفت في قلب التهديد، كأنها تعرف أن الكلمة، إن لم تُكتب من قلب الخطر، تفقد شيئاً من صدقها.
الأحاديث عن هذه العروس لا تنتهي، من حبها لأرض الجنوب، وتصميمها على البقاء فيها، إلى إعادة تعريف "مهنة المتاعب"، إلى علاقتها مع كل شيء حولها... سنكتب في هذا الكثير، وسنحبس الدمع الآن. نعم، كما في كل مرة. سيُؤجل، لأنّ في هذا الفقد ما هو أكبر من البكاء الآني. سيُختزن في العيون، ليخرج يوماً، دفعة واحدة، حين تكتمل الصورة، ونعلن النصر.
يومها، لن يكون الدمع حزناً فقط، بل شيئاً آخر يشبه العزّ، يشبه الكبرياء، يشبه الإصرار على أنّ هذا الطريق، رغم كلّ ما فيه، كان طريق الحق والحقيقة.
كم مرّت أمام فاطمة وجوه، وكم دوّنت من حكايات، وكم نقلت من أصوات. هل كانت تعرف أن صوتها سيُضاف يوماً إلى أولئك الذين تحدثت عنهم وبكتهم؟ أنها ستصبح اسماً يُذكر كما كانت تذكر غيرها؟ ربما. أو ربما لم يكن الأمر يعنيها أصلاً. بعض الناس لا يسألون عن النهاية، بقدر ما يحرصون على أن يكون الطريق مستحقّاً.
الثابت الآن، أن العدو الإسرائيلي قتل فاطمة، قتلها وكان قادراً على الاصطفاء هذه المرة، ففاطمةـ، والعزيز علي شعيب مراسل قناة المنار، كانا صفوة الشجاعة الزاهدة، المحبة بلا حساب للجنوب.
الثابت الآن، أن "إسرائيل" مزعوجة من الأصوات التي تقول الحقيقة، يؤرقها هذا الصوت، ليس كما أوهمنا الكثيرون لوقت طويل... سمعنا، لطالما سمعنا، أن تغريدة مع المقاومة هنا، ورسالة ضد الاحتلال هناك، لن تغيّر من الواقع، لكن الحقيقة كانت في مكان آخر.
فـ "إسرائيل" التي تمتلك البطش والقوة، والعبث بأرواح الناس وأراضيهم، تخشى من الكلمات، ويرعبها الاصطفاف على الضفة الأخرى، وبلى بلى تنخر الكلمة في جسدها المليء بالحقد، وإلا كيف يفسر اغتيالها لعلي شعيب، وفاطمة فتوني، وغسان نجار، وغيرهم الكثيرين ممن نقلوا الواقع كما هو. ماذا يعني أن توجّه صواريخها باتجاه كل من قالوا "لا"؟
وها هي الآن، تلتحق بقافلة طويلة. أسماء كثيرة، وجوه كثيرة، حكايات لم تُكمل سطورها. لكنّها تترك خلفها أثراً لا يُمحى. شيئاً يُشبه الوصيّة الصامتة: أن يُكمل أحدهم الطريق. أن تبقى الكلمة في مكانها الصحيح. أن لا يُترك المشهد بلا شاهد.
رحلت فاطمة فتوني، لكنّ الخطّ الذي سارت عليه لم ينكسر. سيبقى ممتداً، ما دام هناك من يراه، من يؤمن به، من يجرؤ على أن يخطو خطوة أخرى عليه. هناك، حيث لا ضمانات، حيث لا عودة مؤكّدة، حيث تكون الحقيقة أثقل من أن تُحتمل… وأصدق من أن تُترك.
إلى اللقاء يا فطوم، في ساحات الوغى ونشرات الحقيقة... إلى اللقاء في مكان أكثر عدالة... يعز علينا فراقك وهذا وقت الحزن نعم، لكن العدوان علينا دليل أن الكلمة تزلزل العدو، والحمدلله يا فاطمة أننا نقف في الجانب الذي يزلزلهم.