سوريا: بين شرعيّة دولية تتحقّق وملفات داخليّة مجمّدة
حقّقت دمشق تقدّماً واضحاً على مستوى الاعتراف الدولي وإعادة بناء مؤسّسات الدولة، لكنها فضّلت في معظم الملفّات الداخلية الشائكة، إدارة الأزمات عبر تأجيل حسمها أكثر من السعي إلى التوصّل إلى تسويات نهائيّة.
-
دمشق دخلت مرحلة ثبتت فيها العديد من مكاسبها الدولية بالفعل.
يتكشّف المشهد السوري اليوم، عن انتصارات دبلوماسية وبنيويّة متتالية على المستوى الرسمي، في مقابل جملة ملفّات داخلية لم تُحَلّ، بقدر ما جرى احتواء أزماتها أو تأجيل البتّ فيها. وهو ما يُشكّل مفارقة واضحة في المشهد العامّ.
وعند الاقتراب من المشهد أكثر، نجد أنّ دمشق دخلت مرحلة ثبتت فيها العديد من مكاسبها الدولية بالفعل، لكنّها لم تواجه بعد، التحدّي الأساسي المتمثّل في تحويل الاعتراف الخارجي، إلى احتكارٍ فعليّ وشرعيّ للقوة داخل الدولة، وإلى اقتصاد قادرٍ على دعم هذا الاستقرار السياسي.
وبدايةً، يُعتَبَر رفع اسم سوريا من قائمة "الدول الرّاعية للإرهاب"، والذي دخل حيّز التنفيذ في 24 آب/أغسطس بعد انقضاء مهلة الإخطار الإلزامية للكونغرس، البالغة 45 يوماً من دون اعتراض، تتويجاً لمسارٍ طويل من ملفّ رفع العقوبات، قادته الولايات المتحدة الأميركة، بدعمٍ من عدّة دول إقليمية.
وإلى جانب شطب "هيئة تحرير الشام" نفسها من التصنيف، تمنح هذه الخطوة، من حيث المبدأ، فرصة لعودة سوريا إلى دائرة الدول غير الخاضعة للعقوبات الأميركية والقريبة من التحالف معها، وهو ما يُمثّل شرطاً لازماً أمام استقطاب الشركات العالمية والاستثمارات المباشرة لإعادة الإعمار.
بيدَ أنّ هذا الإنجاز، رغم ثقله الرمزي والاقتصادي والسياسي، يبقى معياره خارجيّاً بامتياز؛ إذ يعكس تقييماً لسلوك السلطة تجاه الخارج وفق المنظور الأميركي تحديداً، ولا يعكس بالضرورة قدرتها على إدارة الملفات الداخلية المعقّدة التي تُهدّد بنيويّة الدولة، بدءاً من القضية الكردية و"قسد"، حيث يُعتبر هذا الملفّ من أهمّ الأمثلة على صعوبة إنهاء بؤر التوتر، رغم النجاح النوعي الظاهر، والذي تمثّل بإعلان الجنرال الكرديّ مظلوم عبدي "نهاية قسد كقوّة مستقلة"، واكتمال اندماجها ضمن مؤسسات الدولة.
ثمّ جاء تعيين عبدي مستشاراً رئاسيّاً، على أن تُحدَّد صلاحياته النهائية بمرسوم رئاسي، فيما يُتداوَل أن تشمل ملفّ المكوّنات أو الملف الكردي تحديداً. وبالتوازي، انضمّت إلهام أحمد، رئيسة دائرة العلاقات الخارجية سابقاً، إلى مجلس الشعب، وتولّى القيادي الكردي سيبان حمّو، موقع معاون وزير الدفاع عن المنطقة الشرقية.
ويعكس هذا المسار توجّهاً نحو دمج قيادات "قسد" السابقة داخل مؤسسات الدولة، في محاولة لتحويل التفاهم العسكري إلى شراكة سياسية ورمزية، من دون أن يعني ذلك اكتمال عملية الدّمج على المستوى الإداري والمؤسساتي، بل والشعبي.
فما زالت معظم الإدارات التي أُعلِن عن دمجها، كالصحة والتعليم والمصالح العقارية والقضاء، غير مُفعّلة بصورة كاملة، كما بقيت ملفات الثروة النفطية والغازية في عدد من المناطق، إضافة إلى ملفّ معتقلي تنظيم "داعش"، من دون تسوية نهائية. ويبقى التوتر بين المكوّنين العشائري والكردي، عاملاً قد يكون الأخطر، إذ لا تزال أحداث الشهر الماضي تلقي بظلالها على أيّ خطوات لاحقة على الأرض.
لذلك، ورغم التقدّم الذي شهده هذا الملفّ، فإنّ وصفه باعتباره منجزاً مكتملاً، يبدو سابقاً لأوانه بكثير، بينما يبدو توصيفه كملفّ مؤجّل، أكثر دقة.
وفي المقابل، تبدو السويداء المثال الأوضح على سياسة تجميد الملف أكثر من حسمه. فبعد مجازر تموز/يوليو من العام 2025، لا تزال معظم المحافظة خارج السيطرة الفعلية للحكومة، كما أنّ التهديد بتدخّل إسرائيلي جديد، كان أحد العوامل التي حدّت من خيار بسط السلطة سيطرتها بالقوة، وفي الوقت نفسه، قد يكون أهمّ عامل لتمسّك الزعيم الروحيّ، الشيخ حكمت الهجري، بموافقه، ورفضه المطلق لأيّ شكل من الاندماج مع سلطة الدولة في دمشق.
وإلى اليوم، لا توجد مؤشّرات واضحة على اقتراب تسوية شاملة، أو حتى تسوية على مراحل، رغم ما يُتداول بين الحين والآخر من تسريبات غير مؤكّدة، وربما مُوجّهة، عن قرب التوصّل إلى حلّ.
وقد يكون مرسوم الرئيس أحمد الشرع، القاضي بمنح طلاب الشهادة الثانوية في محافظة السويداء، دورة استثنائية، أبرز اختراق لهذا الجمود، رغم أنّ أثره بقي تعليميّاً أكثر منه سياسيّاً، ولا سيما أنه اشترط إجراء الامتحانات خارج المدينة، وهو ما عُدّ لدى بعض المراقبين، رسالة موجّهة إلى الشيخ حكمت الهجري، الذي طالب بإجرائها داخل المحافظة.
وفي المناطق الساحليّة وحمص، ورغم الهدوء الرسمي الملحوظ، إلّا أنّ القتل الطائفي المتقطّع والهجمات المتفرّقة على أحياء ذات غالبية "عَلوية"، لم تتوقّف أبداً. إذ تُوثّق تقارير "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، وغيرها من المصادر التي تتمتّع بقدرٍ من الرّصانة، استمرار حدوث جرائم قتلٍ واختطافٍ ذات طابع طائفي بصورة شهرية، استهدفت مدنيّين من الطائفة العلوية، خصوصاً في مدينة حمص وريفها، وذلك من دون إعلانٍ واضح عن هوية الجناة، أو صدور أيّ نتائج لتحقيقات رسمية في غالبية الحالات. وعلى الرغم من تزايد وتيرة هذه الحوادث، إلّا أنّ السلطات لم تُبدِ اهتماماً ملحوظاً بشرحها، أو بتقديم رواية رسمية متكاملة بشأنها.
وبالتوازي مع تلك الملفّات، تواجه القيادة في دمشق، ملفّاً حسّاسّاً آخر، حيث تمضي بخطوات متسارعة لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وذلك عبر إبعاد عدد من قادة الفصائل الذين احتفظوا بنفوذٍ ميدانيّ ومحليّ، وفي مقدّمتهم العميد محمد الجاسم "أبو عمشة"، الذي رفض التخلّي عن قيادة الفرقة 62، مقابل منصب أقلّ نفوذاً، قبل أن يقبل بذلك تحت ضغوط معيّنة. ذلك إلى جانب تغييرات في قيادات الفرق 76 و80 و84، ومساعٍ مستمرة لتحجيم نفوذ قادة "الجيش الوطني" سابقاً.
وقد يتقاطع هذا التوجّه مع قرارات سابقة، مثل إبعاد ماهر الشرع، شقيق الرئيس أحمد الشرع، عن منصب الأمين العامّ لرئاسة الجمهوريّة، في إطار ما قُدّم بوصفه توجّهاً للحدّ من المحسوبيّة، وتركيز السلطة داخل مؤسّسات الدّولة.
ومن الملفات التي بقيت في دائرة التأجيل أيضاً، ملفّ العلاقة مع لبنان، ولا سيما الدعوات المتكرّرة، الصادرة أساساً عن واشنطن وبعض الأطراف الإقليمية، لدفع دمشق نحو تدخّل عسكري أو مواجهة مباشرة مع حزب الله على الحدود المشتركة. وفي المقابل، تمسّكت دمشق بموقفها المُعلن، القائم على عدم الانخراط عسكريّاً في لبنان، والاكتفاء بالتعاون مع بيروت ضمن إطار احترام سيادة البلدين.
ورغم الضجة التي أثارها موضوع التدخّل السوري في لبنان ضدّ المقاومة الإسلامية المُتمثّلة بحزب الله، والتسريبات عن دخول قوات على دفعات إلى طرابلس وبعض الحشود على الحدود ؛ يشهد هذا الملف نوعاً من الفتور، الذي يمكن تفسيره بأنه مرتبط بتوافر غطاء إقليمي ودوليّ، لا يبدو متاحاً في المرحلة الحالية. وعليه، قد لا يكون تجميد هذا الملف قراراً سوريّاً خالصاً، بقدر ما يعكس تداخل حسابات إقليميّة ودوليّة، تجعل مساره قابلاً للتغيير تبعاً لتطوّرات البيئة المحيطة.
ويبقى الاقتصاد هو الحلقة الأضعف بين جميع هذه الملفات، لأنه يُشكّل الأساس الذي تستند إليه أيّ تسوية سياسيّة أو أمنية طويلة الأمد.
فعلى الرغم من الخطاب الرسمي عن استثمارات تجاوزت 28 مليار دولار، ورفع قانون قيصر، تُظهر المؤشرات الميدانية صورة أكثر تعقيداً؛ إذ تتجاوز نسبة الفقر 90% وفق تقديرات متعدّدة، فيما ارتفعت البطالة من نحو 20% مطلع العام، بحسب البنك الدولي، إلى مستويات تقترب من 30% أو أكثر، بينما بلغ التضخّم السنوي نحو 26.4% بحلول آذار/مارس 2026، مقارنةً بالعام السابق.
وقد حذّر صندوق النقد الدولي، رغم توقّعاته بنموّ الناتج المحلي، من استمرار انتشار الفقر وارتفاع التضخّم وضعف القطاع المصرفي، بما يشير إلى أنّ تحسّن المؤشّرات الكليّة، لا ينعكس تلقائيّاً على الواقع المعيشي للسكان.
أمّا موازنة العام 2026، فقد وصفها العديد من المحلّلين الاقتصاديين، بأنّها تعكس توسّعاً محاسبيّاً أكثر ممّا تعكس نموّاً إنتاجيّاً حقيقيّاً، في ظل اعتمادٍ متزايدٍ على أدوات تمويل تفتقر إلى قدر كافٍ من الشفافيّة.
وفي النتيجة، فإنّ ما يجمع هذه الملفات، هو أنّ دمشق قد حقّقت تقدّماً واضحاً على مستوى الاعتراف الدولي وإعادة بناء مؤسّسات الدولة، لكنها فضّلت في معظم الملفّات الداخلية الشائكة، إدارة الأزمات عبر تأجيل حسمها أكثر من السعي إلى التوصّل إلى تسويات نهائيّة.
وينطبق ذلك على السويداء، وعلى التوتّرات الطائفيّة في الساحل وحمص، وعلى العلاقة مع لبنان التي ما زالت رهينة حسابات إقليميّة ودوليّة، كما ينسحب بدرجةٍ ما على ملفّ "قسد" الذي شهد تقدّماً سياسيّاً، بينما لا تزال تفاصيل دمجه الإداريّ والمؤسساتيّ قيد الاستكمال، بل قيد الخطر الكامن تحت بعض بنوده ذات الارتباط الاجتماعيّ والقوميّ والاقتصاديّ.
وفوق ذلك كلّه، يبقى الاقتصاد هو التحدّي الأكثر إلحاحاً، لأنّه سيُحدّد في النهاية قدرة الدولة على تحويل مكاسبها السياسيّة والدبلوماسيّة، إلى استقرارٍ مُستدام ينعكس على حياة المواطنين. لذلك، فإنّ المعيار الفاصل في المرحلة المقبلة، لن يكون عدد الاتفاقات أو التسويات المُعلنة، بل قدرة الدولة على تحويل هذه الملفات المؤجّلة، إلى حلولٍ مستقرّةٍ ودائمة، أو بقاؤها مصادر توتّر كامنة، قد تعود إلى الواجهة إذا تبدّلت الظروف الإقليمية، أو تصاعدت الضغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة.