سوريا: هل ينقذ السوريون سوريا؟ (3-3)
هل يدرك السوريون أن وحدتهم هي الطريق الوحيد للنجاة؟ أم أنهم سيستمرون في الغرق في مستنقع الانقسامات، بينما تلتهمهم المهددات الخارجية من كل جانب!
-
هل يدرك السوريون أن وحدتهم هي الطريق الوحيد للنجاة؟
ما إن استعرضنا في الجزء الأول حجم الكارثة الاقتصادية السورية، والحلقات الخمس للحروب المهددة للوجود السوري، وفي الجزء الثاني: العوامل المانعة لتمويل إعادة الإعمار، حتى قامت "إسرائيل" المهدد الوجودي الوحيد لسوريا سياسياََ وجغرافياََ وديمغرافياََ، بمجموعة خطوات إذلالية لنا كسوريين وعرب ومسلمين، ووضعتنا أمام المرآة لنرى أنفسنا بما نحن عليه، الأمر الذي يضعنا أمام السؤال الأهم، ماذا نحن فاعلون؟ وهل وصلنا إلى دلالة مؤكّدة بأن لا قوة ولا دور من دون قوة اقتصادية ومعرفية وأخلاقية؟
كنا قد خلصنا إلى نتيجة قاتمة: كل الأبواب الخارجية موصدة، وكل الأطراف إما غير قادرة، أو غير راغبة، أو تنتظر. وهذا يضع سوريا أمام سؤال وجودي: إذا كان الخارج قد تخلى عن سوريا، فهل يستطيع الداخل أن ينقذها؟ وهل يستطيع السوريون، بمواردهم الذاتية، أن يبنوا وطنهم من جديد؟
العوامل الداخلية المعززة للكارثة
قبل الحديث عن إمكانية الإنقاذ الذاتي، لا بد من الاعتراف بالعوامل الداخلية التي تعمّق الكارثة وتمنع النهوض:
1-غياب الخبرات الاقتصادية وبرامج التنمية
فغياب الخبرات الاقتصادية المحددة للهوية الاقتصادية السورية، من خلال برامج اقتصادية واضحة، يلعب دوراً مهماً في تعميق الأزمة. فسوريا، بعد أكثر من عقد من الحرب، فقدت جزءاً كبيراً من كفاءاتها الاقتصادية التي هاجرت إلى الخارج. والذين بقوا، إما أنهم غير مؤهلين لإدارة اقتصاد معقد، أو أنهم غير قادرين على العمل في ظل غياب المؤسسات.
2- اقتصاد الظل
الذي كان سبباً من جملة الأسباب في اندلاع الحرب عام 2011، لم ينتهِ. بل تحوّل من الوضع المركزي إلى الوضع اللامركزي الموزع بين جماعات وهيئات وأفراد موازية. وهذا الاقتصاد يمنع أي استثمار جدي، ويرهب المستثمرين، ويهدر الموارد.
3. انهيار المؤسسات
الدولة السورية، بمعنى المؤسسات القادرة على تقديم الخدمات وحماية الحقوق، لم تعد موجودة. فمحاولة بنائها من تحت الصفر من دون الاستناد إلى الخبرات المتراكمة منذ استحداث الدولة السورية 1918 قد ترك آثاره على مسار استمرار انهيار الوضع الاقتصادي. وبناء المؤسسات من هذا المستوى يحتاج إلى وقت وموارد وخبرات، وكلها غائبة مغيّبة، الأمر الذي يؤخر إلى زمن مديد فكرة بناء المؤسسات والاقتصاد والدولة.
4- الهويات الأولية والتشظي المجتمعي
الانقسامات المذهبية والإثنية، التي تغذت على الحرب، لم تتوقف. بل تحوّلت إلى هويات أولية متشظية تهدد أي مشروع وطني جامع. وهذه التشظي يجعل من الصعب بناء إجماع وطني حول أي برنامج اقتصادي.
5. غياب رؤية اقتصادية وطنية
لا توجد حتى الآن رؤية اقتصادية وطنية واضحة تحدد الأولويات، وتوزع الأدوار، وتضع البرامج. كل ما هو موجود حتى الآن هو القطيعة مع الواقع الاقتصادي السابق الذي يعود إلى فترة خمسينيات القرن الماضي، من دون خطة واضحة لنظام اقتصادي حر له شروطه وقوانينه، والذي قد لا يلبّي احتياجات الكتلة الأكبر من السوريين الذين يشكلون 90.8 % من السوريين، الذين هم تحت خط الفقر بمستوياته المتعددة.
ثانياً: الشتات السوري: المورد المنسي
في خضم هذا الانهيار، هناك مورد وحيد لم يتم استغلاله بعد: الشتات السوري.
يُقدر عدد السوريين في الخارج بنحو 6 إلى 7 ملايين نسمة، موزعين بين تركيا ولبنان والأردن وألمانيا والسويد وفرنسا وكندا وأميركا ودول الخليج. وهؤلاء ليسوا مجرد لاجئين، بل هم بأغلبيتهم قوة عاملة ماهرة: أطباء، مهندسون، أكاديميون، تقنيون، رجال أعمال مهنيون وعمال مهرة، وخاصة الذين تأقلموا مع بنية النظام في الدول التي هاجروا إليها.
وهم في الوقت نفسه مصدر تحويلات مالية: التحويلات تقدر بمليارات الدولارات سنوياً كمساعدات وليس كاستثمارات، رغم الظروف الصعبة، ووحدها ألمانيا تُقدِّر التحويلات من خارج الشبكات الرسمية بحدود 8 مليار دولار، عدا عن كونهم شبكة علاقات دولية تعطيهم وظيفة الجسر بين سوريا والعالم.
هؤلاء وحدهم يشكلون رافعة اقتصادية لسوريا كدولة في حال توفرت مجموعة من الشروط، أولها الضمانات الأمنية والقانونية، التي تمنحهم الطمأنينة على مستقبلهم واستثماراتهم وممتلكاتهم بديلاََ من القلق، ضمن إطار من التحفيزات الاقتصادية المتضمنة إعفاءات ضريبية، تسهيلات إدارية شراكات اقتصادية، على قاعدة مصالحة وطنية حقيقية بعيداً من التشظي المجتمعي الهوياتي.
وهنا يبرز سؤال: لماذا لا تطلق الحكومة السورية برنامجاً وطنياً لاستقطاب الشتات؟ برنامج يشمل: قاعدة بيانات للكفاءات، حوافز للعودة، مشاريع مشتركة، صناديق استثمارية للمغتربين؟
ثالثاً: الاقتصاد غير الرسمي: سلاح ذو حدين
في غياب الدولة منذ بدء الحرب 2011، نما اقتصاد غير رسمي هائل في سوريا. هذا الاقتصاد يشمل التهريب، التجارة غير المنظمة، العمالة غير الرسمية، وهو رغم أنه يمثل شريان حياة لملايين السوريين، فإنه يحرم الدولة من كتلة كبيرة من الضرائب، ويرسخ اقتصاد الظل بتداعياته المدمرة للمستقبل السوري، عدا عن منعه بناء اقتصاد حديث بانكفاء الاستثمارات طويلة الأجل، وخسارة الابتكار، وانخفاض الإنتاجية، وهو اقتصاد لصالح أفراد على حساب الدولة والمجتمع.
السيناريوهات المحتملة
إذا أخذنا في الاعتبار كل ما سبق، يمكن تصور أربعة سيناريوهات لمستقبل الاقتصاد السوري:
الأول: استمرار الانهيار
إذا استمرت الحروب الإقليمية، وبقي التمويل الخارجي غائباً، واستمرت الانقسامات الداخلية، فإن الاقتصاد السوري سيواصل انهياره. وقد يتحوّل إلى اقتصاد حرب دائم، يعتمد على التهريب والمساعدات الإنسانية، مع تفكك اجتماعي متسارع، وهجرة مستمرة للكفاءات. هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً إذا لم تتغير المعادلات.
الثاني: تدخل خارجي منقذ
إذا قررت قوة كبرى (الصين، أو روسيا، أو دول الخليج) تمويل إعادة الإعمار، بشروط سياسية، فقد يبدأ الاقتصاد بالتعافي. لكن هذا السيناريو مستبعد في المدى القصير، بسبب انشغال هذه القوى بحروبها ومصالحها، وبسبب الشروط السياسية التي قد لا تستطيع دمشق تلبيتها.
الثالث: الاعتماد على الذات
إذا تمكّن السوريون من بناء إجماع وطني، ووقف الصراعات الداخلية، والاعتماد على مواردهم الذاتية (الشتات، الاقتصاد غير الرسمي، الزراعة، الصناعات الصغيرة)، فقد يبدأ اقتصادهم بالتعافي التدريجي. هذا السيناريو هو الأكثر صعوبة، لكنه الأكثر استدامة، والأكثر سيادية. ويتطلب قيادة وطنية قادرة على إدارة التناقضات، ورؤية اقتصادية واضحة، ومصالحة وطنية شاملة.
الرابع: التكامل الإقليمي
إذا انضمت سوريا إلى مشروع التكامل الإقليمي (ممر "شمال-جنوب"، أو محور "غرب-شرق"، أو السوق المشتركة الإقليمية)، فقد تستفيد من موقعها الجغرافي لتصبح حلقة وصل بين القوى الصاعدة. هذا السيناريو يتطلب استقراراً داخلياً، وبنية تحتية، وعلاقات دبلوماسية متوازنة.
نحو مشروع وطني شامل
في ضوء هذه السيناريوهات، يمكن القول إن إنقاذ الاقتصاد السوري يتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً، يقوم على ثلاث مراحل:
المرحلة العاجلة (سنة إلى سنتين)
· وقف الصراعات الداخلية، وتثبيت الأمن.
· إطلاق برنامج طارئ للتشغيل، وخاصة للشباب.
· تأمين الاحتياجات الأساسية: الخبز، الكهرباء، المياه، الدواء.
· إطلاق مصالحة وطنية شاملة.
· استقطاب الشتات السوري، ولو جزئياً.
المرحلة المتوسطة (3 إلى 5 سنوات)
· إعادة بناء البنية التحتية الأساسية.
· إصلاح المؤسسات: القضاء، الإدارة، الأمن.
· دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي.
· إطلاق برامج تنمية محلية (زراعة، صناعات صغيرة ومتوسطة).
· بناء شراكات إقليمية ودولية.
المرحلة البعيدة (5 إلى 10 سنوات)
· بناء اقتصاد منتج ومتنوع.
· الانضمام إلى شبكات التعاون الإقليمي والدولي.
· تحقيق السيادة الاقتصادية والاستقلال.
· بناء دولة مؤسسات قادرة على حماية الحريات.
هل ينقذ السوريون سوريا؟
الجواب يعتمد على السوريين أنفسهم. فإذا استمروا في الانقسام، وفي الاعتماد على الخارج، وفي إلقاء اللوم على الآخرين، فإن سوريا ستنهار. أما إذا تمكنوا من بناء إجماع وطني، واستغلال مواردهم الذاتية، والاعتماد على كفاءاتهم، فإنهم قادرون على النهوض.
التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تنهض إلا بإرادتها. فاليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وكوريا الجنوبية بعد الحرب الكورية، وفيتنام بعد حربها المدمرة، كلها نهضت لأن شعوبها قررت النهوض. وسوريا، بتاريخها العريق، وموقعها الجغرافي، وكفاءاتها البشرية، قادرة على النهوض أيضاً، إذا قررت.
كل ما سبق يقودنا إلى السؤال الأخير: هل يدرك السوريون أن وحدتهم هي الطريق الوحيد للنجاة؟ أم أنهم سيستمرون في الغرق في مستنقع الانقسامات، بينما تلتهمهم المهددات الخارجية من كل جانب، و"تل أبيب" تقف على بعد أميال من دمشق لاجتياحها، وتهدد درعا والسويداء بالابتلاع والتغيير الديمغرافي؟