ست حقائق تحجبها الأحاديث المختزلة عن "الوكلاء" و "الأذرع"

لا يكفي أن تقارب مسألة "الوكلاء" و"الأذرع" بقراءة تبسيطية مُخلّة، فإن لم يُعالج جذر المشكلة، فإن المستقبل سيكون محمّلاً بالمزيد منها.

  • "الوكلاء" تسميهم طهران حلفاء، وترفع من قدرهم حد اعتبارهم ممثلين شرعيين لبلدانهم.

احتل الحديث عن "وكلاء" إيران و"أذرعها" مساحة واسعة في الجدل العام الدائر في الإقليم، بالذات في مشرق العرب وهلالهم الذي كان خصيباً ذات يوم، في إشارة إلى انتشار ظاهرة اللاعبين اللا-دولاتيين "Non-State Actors" في كل من لبنان والعراق واليمن، وسوريا من قبل، فيما ذهب بعض القراءات إلى إدراج فصائل فلسطينية مقاومة في هذا التصنيف، ودائماً بالاستناد إلى صلة هذه القوى بإيران، وتلقيها دعماً تسليحياً ومالياً من طهران.

ومن دون التقليل من أهمية الدور المرصود لهذه القوى والفصائل في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، فإن السردية التي يُراد تعميمها عن هذه الفصائل تبدو مختزلة وتبسيطية على نحو مخلّ، ولا سيما حين تصدر عن جهات تخصصت في العداء لإيران والإسلام السياسي بجناحيه السني والشيعي... وهي نظرة لا تعادلها في اختزالها وتعسفها، سوى أحاديث تصدر عن البعض في طهران ومن مؤيديها، تصور الفعل الإيراني بوصفه عملاً "خيرياً" مجرداً من أي أهداف ومَرامٍ كامنة وظاهرة.

"الوكلاء" أو "الأذرع" تسميهم طهران حلفاء، وترفع من قدرهم حد اعتبارهم (واقعياً) ممثلين شرعيين لبلدانهم، متجاوزة مكونات أخرى، بعضها متسلح بقدر من الشرعية الدستورية والدولية، هنا يكاد يختزل العراق بالحشد واليمن بالأنصار ولبنان بالحزب و"الثنائي" وفلسطين بحماس والجهاد... سوريا كانت الاستثناء، لأن النظام "الشرعي" ذاته، كان حليفاً بقضّه وقضيضه لطهران، وعدّه البعض من خصومها، وكيلاً وذراعاً.

في المقابل، بلغ الإسفاف ببعض خصوم طهران، حدّ وضع جميع هذه الكيانات في سلة واحدة، وتصويرها كدمى على مسرح عرائس دامٍ، يحركها فيلق القدس بـ "الروموت كونترول"، ضاربة صفحاً عن الأسباب والسياقات التاريخية التي تشكلت فيها هذه الظاهرة وتورطت عدة أطراف في الحض عليها ورعايتها.

حقائق محتجبة

من بين مروحة واسعة من الحقائق المحتجبة التي يتكشف عنها شيوع ظاهرة اللاعبين اللا-دولاتيين، سنكتفي في هذا المقال بالمجيء على ستٍ منها، وبما يسمح به هذا المقام:

الأولى؛ وأهمها، فشل الدولة الوطنية العربية الحديثة، دولة "ما بعد الاستقلالات الوطنية"، في صياغة عقد اجتماعي مع مواطنيها ومواطناتها، كياناتها ومكوناتها، ولا سيما في دول المشرق والهلال، فلا استقلال حقيقياً أنجز، ولا أرضاً محتلة تحررت، ولا تنمية مستدامة تحققت، وتحت حكم الجنرالات المدجج بمفاهيم شوفينية قومية، ستنشأ مشكلة "أقليات" وتتفشى نزعات انفصالية، تغذيها قوى خارجية طامعة، ليست "إسرائيل" سوى واحدة منها، وإن كانت أخطرها.

انفجار الهويات الفرعية القاتلة، بعد سقوط نظامي صدام والأسد في العراق وسوريا، لم يكن سوى تتويج لمسار طويل، جرّف المجتمع من بناه المدنية والحزبية، وأعاده إلى هوياته الأولى، عصر ما قبل الدولة، من دينية ومذهبية وطائفية وعرقية وعشائرية، ولم يكن سقوط النظامين، سوى الشرارة التي أشعلت سهلاً... الشيء ذاته، رأيناه بأشكال وأقدار متفاوتة في كلٍ من اليمن وليبيا والسودان وإن بأشكال ومراحل مختلفة.

الثانية؛ فشل "النظام العربي" في تسوية نزاعاته البينية، فالجامعة العربية التي نشأت على جذع القضية الفلسطينية، ولغاية حلّها، فشلت في إنجاز المهمة التي قامت من أجلها، ليتكرر فشلها ويُستنسخ في معظم، إن لم نقل جميع، النزاعات العربية البينية، ما فتح الباب رحباً أمام تدخلات إقليمية ودولية لملء فراغات "الغياب العربي"، الأمر الذي سيفضي لاحقاً إلى تحول بلداننا إلى ساحات لتصفية الحسابات بين لاعبين خارجيين، ويحيل شعوبنا إلى وقود لهذه الصراعات، حيث وجد لاعبون كثر في الفسيفساء الاجتماعية، من دينية وعرقية ومذهبية وعشائرية، بيئة خصبة لتشكيل "الوكلاء" و"الأذرع"، وتلكم قصة قديمة جديدة، بدأت قبل الثورة الإسلامية في إيران، وتواصلت (اقرأ تفاقمت) بعدها.

وإذا كان عمر بعض الأزمات العربية المفتوحة قد جاوز النصف قرن (لبنان، السودان واليمن على سبيل المثال)، سبق الثورة الإيرانية واستمر بعدها، فإن عشرية الربيع العربي، وما تلاها من نشاط محموم للثورات المضادة لثورات ذاك الربيع، وحروب "الوكالة" التي اندلعت في الإقليم بين محاوره المتصارعة، قد أنجزت تقطيعاً في أوصال المجتمعات العربية، تكرس بزرع العشرات من هذه الفصائل واللاعبين، وإنفاق مليارات الدولارات لإدامة نشاطها، وبناء منظومات إعلامية هائلة لضخ كل ما يعزز ويعمق هذه الانقسامات ويضمن ديمومتها.

الثالثة؛ الاحتلالات الأجنبية، وإذ نربأ بالحركة الوطنية الفلسطينية بجناحيها (الوطني أولاً، والإسلامي لاحقاً)، عن تصنيفها في خانة "الوكلاء" و"الأذرع"، إلا أن هذه الحركة نشأت موضوعياً كلاعب لا-دولاتي، بالتعاون، وغالباً بالصدام مع النظام العربي الرسمي، وكانت بذاتها مسرحاً لتدخلات خارجية ضارة، نجحت معها دول عربية وازنة، في تشكل أذرع ووكلاء لها في داخلها.

الاحتلال الإسرائيلي للبنان أنجب أجيالاً متعاقبة من المقاومات والمقاومين، "لاعبين لا-دولاتيين"، من الحركة الوطنية اللبنانية التي سيتعزز دورها على جذع المقاومة الفلسطينية، مررواً بتجربة جبهة المقاومة اللبنانية وليس انتهاء بحزب الله ومقاومته الإسلامية... الاحتلال أنتج المقاومة وشرعن وجودها، في غياب الدولة وتآكل دورها، والمقاومة لم تكن فعلاً فائضاً عن الحاجة، بل كانت عاملاً حاسماً في دحر الاحتلال، عن بيروت وبقية لبنان، وصولاً إلى التحرير في أيار 2000.

وفي العراق، أنتج الاحتلال الأميركي لبلاد الرافدين مقاومات من شتى المرجعيات، ولولا هذه المقاومات بمرجعياتها الإسلامية والقومية على تعددها، لما وجد البيت الأبيض حاجة لبدء التخلي عن احتلاله، ولاحقاً الانسحاب المتدرج عن الأرض العراقية.

وفي مختلف التجارب، يصعب أن يُلقي "اللاعبون اللا-دولاتيون" سلاحهم صبيحة اليوم التالي للتحرير، وعند سماعهم لعبارة "يعطيكم العافية"، فهذه القوى تتطلع لدور يليق بتضحياتها، وفي كثير من الأحيان، تحتفظ بوجودها المسلح لفترات طويلة نسبياً، وأحياناً تصبح هي المشكلة بعد أن كانت هي الحل، لكن تلك التحولات اللاحقة، يجب ألا تحجب حقيقة أن الاحتلال الأجنبي هو المتسبب الأصلي في وجودها.

الرابعة؛ تفشي ظاهرة الإرهاب مع مفتتح هذه الألفية، ليبلغ حداً غير مسبوق في التاريخ، مع قيام دولة الخلافة الإسلامية "داعش" على مساحات واسعة من سوريا والعراق... هنا نفتح قوسين للتأكيد، بأن التطرف العنيف، المدجج بإيديولوجيا دينية شاذة، لم يكن نبتاً شيطانياً، بل ظاهرة امتدت جذورها في عمق بيئة الدولة والمجتمع العربيين، وتفاقمت بفعل الفشل المركب للدولة الوطنية والنظام القومي العربي، والتدخلات الأجنبية... "داعش وأخواتها"، وإن كانت "محلية" في نشأتها، إلا أنها مدينة في بقائها وتمددها، لما كانت تتحصل عليه من دعم وإسناد، من أطراف عربية وإقليمية ودولية، منخرطة في "لعبة الأمم" وصراعها على المنطقة.

لقد استولد الإرهاب نقيضه، ورأينا فصائل تنشأ وأخرى تتعزز وتتقوى في مواجهة هذا الخطر الداهم، بدءاً من فتوى "الجهاد الكفائي" في العراق التي أنجبت "الحشد الشعبي"، والتي من دونها لكان البغدادي قد اتخذ من بغداد عاصمة له، وانتهاء بـ"قسد" التي اكتسبت كثيراً من "شرعيتها" من قتال داعش بأكثر مما قاتلت نظام الأسد، فضلاً عن تنامي أدوار ميليشيات وجماعات أخرى، استشعرت الخطر الماحق الذي شكّله التنظيم.

الخامسة؛ إن إيران ليست وحدها من احتفظ لنفسه بما يسمى "وكلاء" وأذرع"، وبنظرة إلى خريطة الفصائل المسلحة والفاعلين اللا-دولاتيين على امتداد الإقليم، يتضح أن ثمة أطراف عربية وإقليمية، وأحياناً دولية، غارقة حتى أذنيها في هذه اللعبة.... فإذا كان أنصار الله محتسبين "وكيلاً إيرانياً" في شمال اليمن، فعلى من نحسب طوفان المليشيات التي سادت ومادت في جنوبه، ومن يدعم جنجويد السودان و"دعمه السريع"، وكيف تتوزع ولاءات اللاعبين في شرق ليبيا وغربها وجنوبها، وماذا عن اللاعبين الذين قاتلهم حزب الله في سوريا، وكيف نصف دعم "إسرائيل" لمليشيات انفصالية في سوريا وقبلها في العراق ولبنان وبعدها في إيران واليوم في قطاع غزة.. . وإذا كانت أطراف عدة، قد انخرطت في لعبة "الوكلاء" و"الأذرع"، فلماذا يجري التركيز فقط على تلك المرتبطة بطهران؟

السادسة؛ علينا أن نستذكر أن حكومات وأنظمة وسلطات عربية قائمة حالياً، ومعترف بشرعيتها الدستورية والدولية، كانت حتى الأمس القريب مصنفة من ضمن "الوكلاء" و"الأذرع"، لهذه الدولة أو تلك، فالنظام العراقي اليوم، هو ائتلاف عريض لما كان يُعدُّ أذرعاً، منها من هو موالِ لطهران ومنها من هو موالٍ لغيرها، والنظام الجديد في دمشق، عُدّ حتى الأمس القريب من "الأذرع"، ولكن المعادية لطهران وحلفائها، وقبل هؤلاء جميعاً، فإن النظام اللبناني نفسه، بعد الطائف، هو حصيلة ائتلاف موسع بين أمراء الحرب والطوائف في الحرب الأهلية، قبل أن ينخرط حزب الله في النظام السياسي بعد "التحرير"، ليصبح ركناً ركيناً فيه، فيما المجلس الرئاسي اليمني موزع على الفصائل والمليشيات التي حارب بعضها بعضاً بأكثر مما حارب الحوثيين، وكذا الحال في أماكن وساحات عدة.

خلاصة المشهد، لا يكفي أن تقارب مسألة "الوكلاء" و"الأذرع" بقراءة تبسيطية مُخلّة، فإن لم يُعالج جذر المشكلة، فإن المستقبل سيكون محمّلاً بالمزيد منها، وحتى بفرض نجاح مسار إسلام أباد في إيجاد حل شامل للصراع مع إيران وحلفائها، فإن التحديات التي ستظل تجابه الدولة الوطنية العربية، جسيمة وخطيرة، ما لم يتعزز استقلالها وتُسترد سيادتها الوطنية، ويُعاد ترسيم علاقاتها بمواطنيها ومكوناتها، وتشرع في الارتقاء على سلم "التنمية البشرية" بدل الاستقرار في أدنى درجاته حيث هي اليوم.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.